إرث زياد الرحباني: لذا اقتضى التوضيح

نافع سعدالأحد 2026/08/09
زياد الرحباني (غيتي)
أفضل مكافأة ينالها الفنان بعد رحيله بقاء أعماله حية تتناقلها الأجيال، لا السيطرة عليها وخنقها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ورقة مطبوعة، عنوانها كلمة واحدة مسطّرة: "تحذير". فيها يعلن ورثة عاصي الرحباني، ممثلين بزياد وريما، رفضهم التام لقيام "أي كان، حتى ولو كان من ورثة منصور الرحباني" بإعادة تسجيل أو تصوير أو تكييف أو توزيع أي من الأعمال العائدة إلى الأخوين رحباني أو إلى زياد، من دون موافقتهم. ويحذّرون من منح أذونات من طرف واحد في حقوق "تعود لأصحاب الحقوق مجتمعين"، في لبنان أو خارجه، "مهما كانت الوسيلة أو الإطار أو المناسبة". ثم سطر أخير، أشبه بتوقيع: "لذا اقتضى التوضيح".

 

نشرت هذه الورقة على صفحة ريما الرحباني في 2 تشرين الأول 2023، لكنها كُتبت لعالم قد ولّى. أما العالم الذي تخاطبه اليوم، عالم منصات البث والخوارزميات والأصوات المصنّعة، فلا يقرأ التحذيرات الورقية ولا يعترف بالتواقيع. رحل زياد، أحد موقّعيها، في تموز 2025، وصارت أعماله نفسها إرثاً معلّقاً بين تحذير من هنا، ومشادات من هناك، وقوانين متشابكة أحاول فك عقدها فيما يلي.

 

أصحاب الحقوق مجتمعين

لفهم هذه الورقة، لا بد من العودة إلى ما قبلها. الصحافي والشاعر جوزيف عيساوي، الذي يتتبّع الظاهرة الرحبانية منذ سنوات طويلة، يؤرخ لبداية الطابع القانوني للخلاف بعام 2008، حين أعادت فيروز تقديم مسرحية "صح النوم" ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية. يومها صرحت فيروز لشبكة CNN بأنها تقاضت نحو مئتي ألف دولار عن العرض، فيما قال منصور الرحباني إن الرقم الحقيقي يقارب المليون. رحل منصور في مطلع 2009، وفي 2010 رفع ورثته دعوى لمنع فيروز من تقديم "يعيش يعيش" في كازينو لبنان.

 

استندت الدعوى إلى قاعدة صريحة في قانون حماية الملكية الأدبية والفنية: أعمال الأخوين رحباني مصنفات مشتركة لا يجوز التصرف بها من دون موافقة الورثة مجتمعين وأداء حقوقهم المادية، ولو كانت المؤدية فيروز نفسها. احتجت فيروز يومها بأن كازينو لبنان يملك إجازة مفتوحة من "ساسيم" تتيح له عرض كل الأعمال المدرجة في دليل الجمعية، لكن كفة قاعدة الموافقة هي التي رجحت في نهاية المطاف.

 

والمفارقة التي يلتقطها عيساوي أن القاعدة القانونية التي أغلقت بها خشبة كازينو لبنان في وجه فيروز عام 2010، وخسر بسببها فرع عاصي تلك الجولة، عاد الفرع نفسه واحتج بها بعد سنوات في التحذير الذي افتتحتُ به. أما عبارة "أصحاب الحقوق مجتمعين"، فليست سوى الصياغة العائلية لقاعدة الموافقة الجماعية على الأعمال المشتركة. هكذا تنقّلت المواد القانونية بين أولاد العم، سلاحاً يلتقطه من يقف في موقع الدفاع، فيما بقي جوهرها واحداً: لا أحد يحوّر الرحابنة منفرداً.

 

غير أن عيساوي يقف هنا موقف الناقد لا الشارح، ويشدّد على قراءة أدق، بعيداً عن الجدل والمشادات. فالبيان الذي أعادت ريما نشره مؤخراً لا يعترض على مجرد غناء أعمال الأخوين رحباني أو زياد، بل على "تحويرها أو إعادة صياغتها"، وهما مصطلحان يردان بوضوح في نصه. والقانون نفسه يميّز بين إعادة الصياغة وبين التعديلات التقنية التي تفرضها ظروف الأداء، كصغر حجم الفرقة أو محدودية الإمكانات، ما دام الهدف تقديم العمل كما هو، لا إعادة تأليفه.

 

ومن هذا الباب، يرى عيساوي أن الحفلات التكريمية وبرامج اكتشاف المواهب، حيث يؤدي المشتركون أعمال فيروز وزياد ووديع الصافي وصباح مع تسديد الحقوق المالية، ممارسة مشروعة لا تحتاج إلى إذن خاص. "ولو مُنع هؤلاء من أداء هذه الأعمال، لتراجع حضور هذا التراث في الوعي العام ولدى الأجيال الجديدة".

 

ثم يستدعي عيساوي سابقة من تاريخ العائلة نفسها. فالأخوان رحباني كانا يمنحان، منذ ستينيات القرن الماضي، إذناً للمدارس والنوادي والجمعيات بإعادة تقديم مسرحياتهما في عروض سنوية بمختلف المناطق اللبنانية، يؤديها تلامذة وهواة بإمكانات متواضعة، وأحياناً بحضور الأخوين نفسيهما. لم يكن الهدف مراقبة كل تفصيل أو ضمان المطابقة الحرفية، بل تشجيع انتشار المسرح الرحباني، ولم ينظر أحد إلى تلك العروض بوصفها تشويهاً.

 

وزياد نفسه أذن في الثمانينيات للمخرج منير معاصري بإعادة تقديم "بالنسبة لبكرا شو"، ووافق على ذلك رغم أنه لم يكن متحمّساً للرؤية الإخراجية الجديدة. والخلاصة التي تفرض نفسها أن الصرامة الحالية أحدث عهداً من تقاليد البيت الرحباني، وأن التسامح هو الأصل لا الاستثناء.

 

من خشبة المدرسة إلى الخوارزمية

ما الذي تغيّر إذن، حتى صار الإذن الذي كان يمنح لمدرسة في الضيعة موضوع تحذير رسمي؟ الجواب عند عيساوي أن البيئة التقنية تبدّلت، لا القانون. فالعرض الذي كان يقدم داخل مدرسة أو ناد محلي ثم يموت في قاعته، "قد يصوّر اليوم وينشر على يوتيوب أو وسائل التواصل، ما يطرح أسئلة قانونية جديدة حول حدود النشر الرقمي ما زالت تحتاج إلى تفسير واضح".

 

وفي هذا الفراغ التفسيري، تحكم الآلة. فنظام Content ID في يوتيوب يفحص كل مادة ترفع إلى المنصة ويقارنها بملفات مرجعية يسجّلها أصحاب الحقوق. ومن يملك المرجع يستطيع أن يحدّد مصير التطابق: الحجب أو التتبّع أو تحويل عائدات الإعلانات إلى الحساب الأصلي، بسياسات قد تختلف من بلد إلى آخر. لهذا قد تختفي أغنية فور رفعها، فيما تبقى أخرى لسنوات وتحصد ملايين المشاهدات، ولهذا قد يكتم مقطع نقدي أو تعليمي مشروع، لأن نظام الحجب يطابق البصمة الصوتية ولا يقرأ السياق.

 

ويزداد المشهد تعقيداً لأن الملكية نفسها مبعثرة. حقوق التأليف تديرها "ساسيم" من باريس في ظل غياب جمعية لبنانية فاعلة، والتسجيلات الأصلية لأعمال زياد موزعة بين "زيدا" و"ريلاكس إن" و"صوت الشرق" و"إي إم آي"، فيما تصدر طبعات عالمية عن Wewantsounds الباريسية.

 

والمفارقة أن زياد كان من أوائل من أدركوا معنى أن يمتلك الفنان عمله. أسس شركته "زيدا" عام 1978، وسجّل في استوديو "باي باس" الخاص به، محتفظاً بماستراته في زمن كان كثير من الفنانين العرب يوقّعون عقوداً تنتزع منهم السيطرة على تسجيلاتهم. لكنه لم يترجم هذه السيطرة المبكرة إلى حضور رقمي رسمي: لا قناة موثقة، ولا كاتالوغ رقمي موحد يحمل توقيعه على منصات البث، ولا سياسة معلنة، سوى تصريحات متباعدة عن نية جمع أعماله في موقع إلكتروني واحد.

 

كان زياد معادياً للمنصات بطبعه. جاهر بكرهه لفيسبوك، ولم يبد اهتماماً بتوثيق حضوره على يوتيوب وسبوتيفاي بوصفه صاحب الحق في أعماله. وهكذا بقيت الحماية القانونية في مكان، فيما كان الانتشار الفعلي يجري في مكان آخر، في حسابات وقنوات يديرها مجهولون.

 

ما يستحق الحماية فعلاً

لكن استحالة السيطرة لا تعني، في نظر عيساوي، التخلي عن الحماية، بل إعادة تعريفها. فالضروري، برأيه، هو الحفاظ على النسخ الأصلية للأعمال كما سجّلها مؤلفوها، وصونها "بوصفها المرجع الفني والتاريخي الأساسي". أما إعادة تقديمها، فمسارها الأمثل يكون عبر أوركسترات محترفة وفنانين كبار، بالتنسيق مع الورثة وأصحاب الحقوق.

 

وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى محاولات الهواة والفنانين الشباب "باعتبارها اعتداءً على التراث"، فمعظمها لا ينطلق من دوافع تجارية بقدر ما يعكس "إعجاباً حقيقياً بالأعمال الأصلية ورغبة في إبقائها حاضرة في الذاكرة الثقافية".

إنها رؤية ترسم خطاً واضحاً بين الحفظ والاحتكار، وبين حراسة المرجع وخنق صداه.

 

الهيئة التي اقترحها زياد

يبقى السؤال العملي: من ينفّذ؟ والجواب الأكثر إدهاشاً ليس غريباً عن البيت. فزياد نفسه، كما يروي عيساوي، اقترح في إحدى مقابلاته أنه إذا استمر الخلاف بين فرعي العائلة، فقد يكون الحل في إنشاء هيئة رسمية تتولى الحفاظ على إرث الأخوين رحباني، معتبراً أن جذور هذه الخلافات تعود إلى الحسد، وفق تعبيره.

 

اقتراح مر يومها مرور الكرام، لكنه يبدو اليوم أصلح نقطة للانطلاق. مؤسسة زياد الرحباني: لا شركة تجارية ولا صندوق عائلة، بل كيان تنسيقي يجمع أصحاب الحقوق المتفرّقين تحت مظلة واحدة، بتفويض إداري لا بنقل للملكية. ويمكن أن تبدأ بأربع مهام واضحة: إنشاء قنوات رسمية موثقة على يوتيوب وسبوتيفاي، تسجّل الملفات المرجعية وتعتمد سياسة التربّح لا الحجب، فتحوّل ملايين الاستماعات غير الرسمية إلى مورد يموّل الأرشيف؛ ورقمنة النسخ الأصلية وصونها بوصفها المرجع الذي يتحدث عنه عيساوي؛ وإيداع نسخة أرشيفية كاملة لدى مؤسسة حفظ عامة، تكون متاحة للباحثين بمعزل عن أي خلاف مقبل؛ ووضع إطار ترخيص معلن للهواة والاستخدام التعليمي، يعيد إحياء تقليد الإذن الرحباني في الستينيات بصيغة رقمية.

 

وقبل ذلك كله، أمام ريما الرحباني عمل ضخم لا أتخيل من أين عليها أن تبدأه: ماسترات تنتظر الرقمنة، وحقوق موزعة بين بيروت وباريس، وأرشيف يأكله الوقت، وقنوات رسمية لم تُنشأ بعد. ما لا أفهمه هو من أين تأتي بالوقت لمناكفة صحافي من هنا وصاحب حانة من هناك.

 

ويختم عيساوي بما يصلح وصية غير مكتوبة: "ربما تكون أفضل مكافأة يمكن أن ينالها الفنان بعد رحيله ليست السيطرة الكاملة على كل استخدام لأعماله، بل أن تبقى هذه الأعمال حية، تتناقلها الأجيال، وتستمر في إلهام فنانين ومستمعين جدد".

 

قضى زياد الرحباني عمره يسخر من مؤسسات لا تعمل، من دولة الانتظار إلى مشاريع الإصلاح المؤجلة إلى إشعار آخر. ولعل أكرم تحية له، وأوفاها لسخريته نفسها، أن نبني له أخيراً مؤسسة واحدة تعمل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث