كريم صالح: إسرائيل دمرت مطعمه والدولة قطعت باب رزقه

نغم ربيعالسبت 2026/08/08
Image-1786182515.Jpeg
بعد يومين من وضع الكشك، حضرت دورية الاستقصاء.
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يفتح كريم صالح كشكه يومًا واحدًا في قضاء النبطية. أمضى نحو أسبوعين في تجهيزه، قبل أن تصله دورية استقصاء وتطلب منه إزالته خلال 24 ساعة، تحت طائلة الملاحقة القانونية، باعتبار أنه وضعه على الأملاك العامة.

كان كريم قد اختار مكانًا في وسط بلدته، كفررمان، ليبدأ منه عملًا صغيرًا يعيد إليه مصدر رزقه بعد حربين. وقبل أن يضع الكشك، كان قد سأل عن الإجراءات، وتواصل مع البلدية، وحاول أن يجد مكانًا يستطيع أن يتحمل كلفته. لكنه، قبل أن يبدأ العمل وجد نفسه أمام المخفر، حيث أُخذت إفادته، وأعطيت مهلة قصيرة لإزالة ما بناه.

بالنسبة إلى كريم، لم تكن المشكلة في تطبيق القانون، بل في السؤال الذي سبقه: كيف يمكن لشخص خرج من حرب، وخسر مصدر رزقه، أن يعيد بناء حياته في منطقة يُطلب من أهلها العودة إليها، إذا لم تكن هناك صيغة واضحة تسمح لهم بالعمل؟

 

من أفريقيا إلى كفررمان

قبل أن يبدأ البحث عن كشك، كان كريم قد أمضى نحو 16 عامًا في أفريقيا. عاد إلى لبنان عام 2023، خلال حرب الإسناد. وبدأ حياته المهنية بافتتاح مطعم لتقديم الوجبات السريعة "البرغر". لم يكد يمر ثلاثة أشهر على افتتاحه حتى تضرر جراء القصف الإسرائيلي في حرب 2024، فأقفله. وبعد انتهاء الحرب التي استمرت 66 يومًا، عاد إلى كفررمان لترميم مطعمه لكنه وجد نفسه مجددًا أمام كلفة تشغيل لم يعد قادرًا على تحملها. لم ييأس ولم يغادر إلى إفريقيا، بل حوّل جزءًا من منزله إلى مطبخ، وبدأ يعمل منه.

وخلال الفترة التي تلت حرب 2024، تطوع في جمعية الرسالة للإسعاف الصحي. كان قد رأى المسعفين يعملون في الجنوب خلال الحرب، ويقول: "الطواقم الإسعافية اللي كانت موجودة في المنطقة بعد حرب الـ66 يوماً كانت تلهمنا بطريقة حياتها وعملها للجنوب، فقررت أن أتطوع".

ثم جاءت حرب الإسناد الثانية في 2026، فقرر كريم البقاء في كفررمان كمسعف. كان حاضرًا خلال الغارات وعمليات الدفن، كما يقول.

بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، عاد كريم يسأل نفسه عن العمل ومصدر الرزق. فبيته، الذي حاول أن يحوّله إلى مصدر رزق، لم ينجُ هو الآخر من القصف والأضرار، حيث تعرضت المنطقة المحيطة بمنزله لضربة مباشرة، ولم يعد المطبخ صالحًا للعمل كما في السابق. وهذه المرة حضر أيضاً أعباء الكلفة المادية لترميم ما تهدم. فإصلاح المكان يحتاج إلى كلفة كبيرة. لذا بحث كريم، مع شريكه، عن خيار أقل كلفة ووجدا ضالتهما في تشييد كشك صغير.

 

في البداية، اختار ساحة العين، باعتبارها موقعًا مركزيًا في البلدة. حصل، بحسب روايته، على موافقة صاحب العقار، وبعد التحضيرات، طُلب منه دفع بدل إشغال يبلغ 150 دولارًا شهريًا. لم يستطع تحمّل المبلغ، فبدأ البحث عن مكان آخر.

وهنا، يقول كريم، إن البلدية دلّته على الموقع الذي وضع فيه الكشك لاحقًا.

بدأ العمل على تجهيز المكان الذي استغرق فترة أسبوعين. لكن لم يكن بحوزته مستند رسمي مكتوب يثبت السماح له بإشغال الموقع.

بعد يومين من وضع الكشك، حضرت دورية الاستقصاء.

سُئل عن الكشك وعن أشخاص آخرين أقاموا أكشاكًا في المنطقة بعد الحرب. ثم طُلب منه التوجه إلى المخفر، حيث أخذت إفادته، قبل أن يُبلغ بضرورة إزالة الكشك خلال 24 ساعة.

"أنا كمواطن أطلب من الدولة أن تجد لي مخرجاً قانونياً يتناسب مع الواقع الذي نعيشه"، يقول كريم مؤكداً أنه لا يريد العمل خارج القانون. ما يريده، كما يشرح، هو أن يجد القانون طريقة للتعامل مع واقع الجنوب بعد الحرب، حيث يحاول أصحاب المشاريع الصغيرة إعادة تشغيل أعمالهم بأقل الإمكانات المتاحة. ويزيد "كل الدوائر الرسمية في النبطية مغلقة، كيف يمكنني أن أعمل على تجهيز مستندات؟".

Image-1786182538.Jpeg

أن تعود… وأن تستطيع أن تعمل

في النبطية وكفررمان، كما في بلدات جنوبية أخرى، لا تختصر العودة على إعادة فتح الطريق إلى المنزل.

يقول كريم إن نحو 80 في المئة من المحال والمصالح في النبطية لا تزال مقفلة.  هو نفسه لا يستطيع تحمّل كلفة استئجار محل وتجهيزه من جديد. لذلك كان الكشك بالنسبة إليه محاولة للبقاء ضمن الإمكانات التي يملكها، لا مشروعًا تجاريًا كبيرًا.

ويضيف: "لا يمكنني تكبد كلفة استئجار محل فلجأت للكشك لأن كلفته أقل". لكن اختيار المكان بالنسبة إليه جزء من الفكرة أيضًا. لا يريد أن يضع الكشك في مكان بعيد عن حركة الناس، حيث لن يجد الزبائن الذين يحتاج إليهم كي يستمر. فـ"جزء من البلدة لا يزال محتلاً، ونقطة تجمع الناس في ساحة القرية. وإذا فتحنا المشروع في مكان بعيد، فلن نستفيد".

 

"بعد الحرب… إنك تقدر تبقى بضيعتك إنجاز"

"كل محل يفتح اليوم يمنح الناس هنا دافعًا وطاقةً إيجابيةً للاستمرار"، يقول كريم. لكن ما يعتبره كريم جزءًا من عودة الحياة، قد يُنظر إليه، من الناحية القانونية والإدارية، باعتباره إشغالاً غير قانوني للأملاك العامة.

وهنا تكمن المفارقة التي وجد نفسه في قلبها: يريد أن يعمل في بلدته، في وقت يُطلب من أهلها أن يعودوا إليها، ويبقوا فيها، لكنه لا يعرف أي صيغة قانونية تسمح له بأن يفعل ذلك بأقل كلفة ممكنة.

لكن بالنسبة إلى كريم، المسألة لا تتعلق فقط بمكان الكشك. يرى أن بقاء الناس في بلداتهم لا يمكن أن يكون مجرد دعوة أو شعار. يحتاج إلى ما يسمح لهم بأن يعيشوا منها أيضاً.

"نريد أن نشعر بأنهم مهتمون ببقائنا هنا. بعد هذه الحرب الطاحنة، أن يتمكن الإنسان من البقاء في بلدته، فهذا بحد ذاته إنجاز كبير".

في النهاية، لا يطلب كريم أكثر من فرصة للعمل في المكان الذي اختار أن يبقى فيه. فبعد حربين، وبعد كل ما خسره، لم يعد الكشك بالنسبة إليه مجرد مشروع صغير. صار محاولة أخرى للبقاء لأنه لا يريد الرحيل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث