"الديمان" تعاقب الأهالي: تسويف ومماطلة بحل النزاع العقاري

رنا البايعالجمعة 2026/08/07
GettyImages-1242085807.jpg
سبب المشاكل هو شبكة المصالح والعلاقات غير المعلنة وغياب الشفافية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعجّ ساحات الضيع والقرى المجاورة للديمان بالمهرجانات وجميع الطرق في البلدات مقطوعة جراء الازدحام، من بشري إلى حصرون مروراً بحدث الجبة وعبدين، طورزا، وحدشيت، وصولاً إلى بقاعكفرا، وبقرقاشا. في المقابل يخيّم على الديمان هدوء غير مسبوق في مثل هذا الوقت من فصل الصيف. فباستثناء حفل تطويب البطريرك الياس الحويك، بقيت الساحات خالية من أي مظاهر للاحتفالات والسياحة. وقد بدأت التساؤلات حول اختفاء المظاهر الاحتفالية تتصاعد لا سيما مع إلغاء عيد مار يوحنا مارون المصادف في السبت الأوّل من شهر آب. وجاء جواب أعضاء الوقف للديمانيين المستفسرين عن الأمر: "لا نملك تمويلاً للاحتفالات. الأهم اليوم هو ترميم قاعة الكنيسة".

 

لكن مصادر مقرّبة من لجنة الوقف نفت لـِ "المدن" أن يكون التمويل هو السبب الحقيقي. وشرحت أن أهالي الديمان يعاقبون على تمسّكهم بقضية الشراكة. يتعلق الأمر بـِ "المسألة الديمانية"، وهي قضية نزاع عقاري مزمن تتداخل فيه حقوق الأهالي بالشراكة مع أملاك البطريركية المارونية. وبينما يسعى الأهالي لإثبات حقوقهم المتوارثة وحمايتها، تبقى القضية معلّقة بين المساعي القانونية والمبادرات الأهلية والرعوية للتّوصل إلى حلول عادلة تحفظ كرامة الأهالي، دون المساس بالرمزية التاريخية للمكان.

 

وفي آخر مستجدات القضية جرت مساعٍ قانونية من خلال التواصل مع الفاتيكان. لكن الأخير أكّد أنّ الحلّ ليس بيده بل من خلال التواصل المباشر مع البطريركية اللبنانية المارونية لأنها المالكة للأراضي. وقطعت البطريركية وعداً للأهالي بعقد اجتماع لحل القضية، لكنها ما زالت تنتهج المماطلة والتسويف، وجرى تأجيل موعد اللقاء أكثر من مرة من دون شرح الأسباب. 

 

وحول معاقبة الأهالي بغياب المظاهر الاحتفالية تقول المصادر: "جاء القرار من الجهات الكنسية المعنية كردّ وقصاص على اللافتة الكبيرة التي ارتفعت في الديمان تزامناً مع حفل تطويب البطريرك الياس الحويك، صاحب المقولة التاريخية الشهيرة: "لن أتخلى عن شبر واحد من أرض لبنان"، والتي تُؤكّد أن أبناء البلدة ما زالوا على عهد الأرض والحقّ".

 

لافتة أشعلت المواجهة من جديد

تميّزت هذه اللافتة التي وقعها مجموعة باسم "عامية الديمان" عن غيرها من عشرات اللافتات التي نُصبت بكثافة وعشوائية على الطريق المؤدّية إلى المقرّ الصيفي للبطريركية المارونية. خرجت اللافتة عن مألوف الشعارات التقليدية، ووجّه الموقعون رسالة واضحة حادة ومباشرة إلى المعنيين بملف "المسألة الديمانية"، فحواها: "لن نتخلّى عن شبر واحد من أرض الديمان، وفاءً لتاريخنا، وتمسّكاً بإرث الآباء والأجداد، وإيماناً بأن الأرض ليست سلعة، بل هي هوية ورسالة وكرامة".

 

أرادت المجموعة الموقعّة إحداث استعادة رمزية لمفهوم "العاميّات" في التاريخ اللبناني. وعلى الرغم من جميع المحاولات الرامية إلى إزالة اللافتة، سواء بالضغوط المباشرة أو بالوساطات، أو بمحاولات استدراج القوى الأمنية عبر افتعال إشكال مدبّر بقي إصرار الأهلي ثابتاً لمنع إجهاض القضية.

 

وللتذكير، تأسست منصّة "عامية الديمان" كفضاء عام للحوار والتعبير عن الإرادة الجماعية تلبيةً لإرادة الغالبية الساحقة من أبناء البلدة المتمسكين بحلّ عادل. وخلافاً لمحاولات البعض إشاعة أن استخدام مصطلح "العامية" يمثّل تمرّداً على المؤسسة الكنسية، تُذكّر المنصة بالحقيقة التاريخية: العاميّات في لبنان (كعاميتي لحفد وأنطلياس) لم تكن يوماً ثورة على الكنيسة، بل انتفاضة شعبية بوجه السلطة الإقطاعية والعثمانية والجباية الجائرة، بل إن الكنيسة نفسها احتضنت تلك الحركات وواكبتها.

 

وفي هذا السياق، يوضح مصدر ديماني مطّلع: "إن الدفاع عن الحقّ ليس عداءً، غير أن تحويل هذا الدفاع إلى عداء هو جوهر الخطاب الأيديولوجي المضاد؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال: هل وقع اعتداء على الحقوق؟ إلى سؤال مصطنع: لماذا تعادون الكنيسة؟ وهكذا تُطمس القضية الأصلية، ويُستبدل النقاش في الحقوق بنقاش في النّيات والافتراضات."

ويضيف المصدر: "الواقع يثبت أننا لم نكن يوماً في مواجهة مع الكنيسة كإيمان أو رسالة وعقيدة، بل إن النزاع كان وما يزال ذا طبيعة عقارية وتاريخية مع الجهات التي أدارت هذا الملف في الديمان."

 

مصالح الكنيسة العميقة

وفق القراءات الميدانية من داخل البلدة، فإن الانزعاج من إبقاء "المسألة الديمانية" حيةً يعود إلى كون إنهائها وفق أسس شفافة يعني تلقائياً سقوط منظومة كاملة كرّست نفوذها عبر إدارة الملف في "المنطقة الرمادية" بين الحقّ والاستنساب.

 

لقد أنتج نظام الشراكة القديم، بفرضه الغموض وغياب المعايير، واقعاً يُكافئ الموالين ويُقصي المعترضين، ويخضع الحقوق لمنطق الولاء لا العدالة. وفي ظل هذا الواقع، ازدهرت ثقافة المقايضات والوساطات والصفقات، في العلن تارة، وفي الغرف المغلقة تارة أخرى. ويرى كثيرون من أبناء الديمان أن هذه المنظومة استمرت بفضل شبكة من الأدوار المساندة اتّخذت من البيئة والتراث والعمل الاجتماعي واجهاتٍ لها، بينما انصرفت عملياً إلى إعادة إنتاج خطاب الطّاعة وإشغال الناس بمصالح آنية ضيقة، بعيداً عن جوهر المسألة الديمانية وحقّ أصحابها.

 

ويرى المصدر الديماني أن المعركة اليوم "تتجاوز النصوص والاجراءات إلى مواجهة ما يمكن تسميته بـِ "الكنيسة العميقة"، أي شبكة المصالح والعلاقات غير المعلنة التي تتغذّى من استمرار غياب الشفافية وإبقاء الأزمة مفتوحة، فيما المطلوب تحرير المسألة الديمانية من نفوذ هذه المنظومة وإخضاعها لقواعد العدالة والوضوح والمساواة". 

 

ومن هنا، فإن مسؤولية الجيل الجديد من أبناء الديمان لا تقتصر على الدفاع عن الحقوق، بل تتعدّاها إلى إنتاج خطاب تحرّري جديد ينهي مرحلة الالتباس ويؤسس لنظام حديث يقطع مع الوصاية والاستنساب.

 

جوهر القضية 

في المحصلة، يتلخّص المطلب الأساسي لأهالي الديمان في تملّك منازلهم والأراضي المحيطة بها قانونياً، من دون التوقيع على ما يسقط حقهم في بقية الأراضي التي تشكل نحو 87% من المساحة.

ويحذّر الأهالي من التوقيع على صيغة "فضّ الشراكة" المطروحة حالياً بشكلها الغامض؛ إذ إن التوقيع على استلام المنزل مجاناً بشرطه الحالي يعني تلقائياً فقدان صفة "الشريك" في النسبة الباقية من الأراضي لصالح الطرف الآخر.

 

تبقى الكرة اليوم في ملعب البطريركية لحسم موقفها والعمل على تعديل مشروع "فضّ الشراكة"، ليصبح مشروعاً واضحاً وعادلاً يضمن الحقوق السكنية والتاريخية لأبناء الديمان، بعيداً عن الغموض والصفقات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث