"هذا تاريخ لا يمحوه القصف، ولا كل محاولات طمسه".
بهذه الكلمات تختصر الأسيرة المحررة سهى بشارة، التي حاولت اغتيال قائد جيش لبنان الجنوبي أنطوان لحد عام 1988، موقفها من جرف الاحتلال الإسرائيلي معتقل الخيام وتشييد موقع عسكري إسرائيلي فوق أنقاضه.
فبالنسبة إليها، لم يكن معتقل الخيام يوماً مجرد بناء إسمنتي، بل مكاناً اختزن عقوداً من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وشهد على معاناة أبناء الجنوب خلال سنوات الاحتلال، وعلى التحولات التي عاشتها المنطقة منذ ما قبل التحرير.
تقول بشارة لـِ "المدن" إن معتقل الخيام هو "أحد الأماكن التي شهدت بدقة كل مراحل صراعنا مع العدو الإسرائيلي"، مشيرة إلى أن هذه البقعة توثّق تاريخاً طويلاً من الاحتلال والعدوان، لا يمكن اختزاله بسنوات الاعتقال فقط.
وترى أن محاولة إسرائيل محو المعتقل تأتي ضمن محاولة أوسع لطمس كل ما يرتبط بتاريخ اللبنانيين وانتمائهم إلى أرضهم. لكن بشارة تعتبر أن محو الذاكرة يبقى أمراً مستحيلاً، لأن علاقة الناس بالأرض لا تقوم على الحجر وحده، بل على ما تحمله من تجارب وحكايات وانتماء.
وتستعيد بشارة تجربتها داخل المعتقل باعتبارها جزءاً من معركة تحرير الجنوب، رغم قسوة الاعتقال وظروفه. وتقول إن وجودها فيه عرّفها عن قرب إلى معاناة أبناء الجنوب خلال سنوات الاحتلال، وإلى السياسات التي استهدفت عزل القرى وإخضاع أهلها.
لكن لفهم لماذا أصبح معتقل الخيام أكثر من مجرد موقع عسكري سابق، لا بد من العودة إلى بدايته.
المكان الذي تحوّل إلى عنوان للاحتلال
منذ عام 1985، حين أقام الاحتلال الإسرائيلي، عبر جيش لبنان الجنوبي، معتقل الخيام في البلدة التي تحمل الاسم نفسه، تحوّل الموقع الذي كان في الأصل ثكنة عسكرية أنشأها الانتداب الفرنسي إلى أحد أبرز مراكز الاعتقال في الجنوب المحتل.
يقع المعتقل في أعلى نقطة من بلدة الخيام، في موقع استراتيجي يشرف على مناطق واسعة من جنوب لبنان وعلى الحدود مع فلسطين المحتلة. وعلى مدى 15 عاماً، بقي هذا المكان مغلقاً أمام الرقابة الدولية، إذ لم يُسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر بدخوله إلا عام 1995، بعدما أصبح اسمه مرتبطاً بالتعذيب والانتهاكات التي مورست بحق المعتقلين.
بين عامي 1985 و2000، مرّ عبر زنزاناته أكثر من 3500 معتقل، بينهم نحو 400 امرأة. ولم يكن جميع هؤلاء مقاتلين، إذ لم يتجاوز عدد المقاومين بينهم 35 شخصاً، بينما كان القسم الأكبر من المعتقلين من أبناء القرى الجنوبية الذين رفضوا الاحتلال أو رفضوا التعامل معه، أو اتُّهموا بتقديم أشكال مختلفة من الدعم للمقاومة.
كان المعتقل، بذلك، أكثر من مكان لاحتجاز الأفراد. كان أداة للضغط على مجتمع كامل، ومحاولة لإخضاع بيئة جنوبية بقيت رافضة للاحتلال.
من سجن مغلق إلى ذاكرة مفتوحة
بعد التحرير عام 2000، تغيّر موقع معتقل الخيام في الذاكرة اللبنانية. خرج من كونه مكاناً مغلقاً خلف الأسلاك إلى فضاء مفتوح للزيارة ومعلماً لتوثيق ذاكرة الاحتلال والاعتقال والمعاناة.
قررت الحكومة اللبنانية تحويله إلى معرض دائم يوثق ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. تحولت الزنازين وغرف التحقيق وساحات التعذيب إلى متحف للذاكرة، يقصده اللبنانيون والوفود الأجنبية، فيما تولى الأسرى المحررون أنفسهم شرح ما عاشوه خلف الجدران.
في تلك المرحلة، لم يعد المعتقل مجرد موقع تاريخي، بل أصبح شاهداً على مرحلة الاحتلال، ومكاناً تُروى فيه قصة الجنوب من خلال شهادات من عاشوا التجربة.
من التدمير إلى المحو
لكن المكان الذي تحول إلى متحف للذاكرة لم يبقَ بمنأى عن محاولات طمسه.
في حرب تموز عام 2006، تعرّض معتقل الخيام لعشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت منشآته ضمن عملية تدمير منهجية غيّرت معالمه وقوضت زنزاناته وقاعاته وباحاته.
إلا أن القصف حينها بقي محدداً وموجهاً إلى أجزاء أساسية من المعتقل، إذ استُهدفت السجون بشكل خاص، فيما بقيت بعض المعالم، ومنها زنازين التعذيب وسجن العملاء رقم واحد وقسم الشرطة التابع لجيش لحد، شاهدة على طبيعة المكان ودوره خلال سنوات الاحتلال.
أما في حرب 2026، جرفت قوات الإحتلال الإسرائيلي الموقع بالكامل، وأزالت منشآته، ومحت ما تبقى من معالمه، قبل إقامة موقع عسكري فوق أنقاضه.
هذه المرة لم يكن الهدف تدمير مبنى لمحو عار الاحتلال فحسب، بل إزالة الشاهد نفسه.
"كنت أعتبر أن وجودي في المعتقل هو مهمة"
بالنسبة إلى الأسير المحرر محمد رمضان، لم يكن تدمير معتقل الخيام في حرب تموز 2006 حدثاً عادياً. ففي اللحظة التي كان فيها يبحث الناس عن منازلهم التي دمرتها الغارات، كان هو يبحث عن مكان آخر. ويقول لـِ "المدن": "في حرب تموز عام 2006، لم أصعد إلى منزلي أولاً، بل ذهبت مباشرة إلى معتقل الخيام لأرى ماذا حلّ به".
كان يبحث عن جزء من حياته، عن المكان الذي أمضى فيه سنوات من الاعتقال، وعن الشاهد الذي بقي بعد التحرير ليروي ما جرى خلف أسواره.
يقول رمضان إن المعتقل لم يكن بالنسبة إليه مجرد سجن، بل مرحلة من مسيرته. "أنا من أكثر الأشخاص الذين يزورونه. هذا المكان يعني لي الكثير، وفيه عشت أجمل أيام عمري".
ويشرح ما يقصده قائلاً: "حتى لو كنت أُضرب، أو لا يوجد طعام، وحتى لو كنت أقضي وقتي في غرفة صغيرة جداً، فإنني ضحكت في الخيام أكثر مما ضحكت في حياتي كلها".
بالنسبة إليه، لم يكن الاعتقال نهاية المهمة، بل امتداداً لها. "كنت أعتبر أن وجودي في المعتقل هو مهمة. وعندما كانوا يسألونني ماذا سأفعل بعد خروجي، كنت أجيب بأنني سأعود إلى عملي، أي إلى المقاومة".
لهذا السبب، يقول إن تدمير المعتقل كان أكثر وقعاً عليه من تدمير منزله في بيت ياحون في هذه الحرب. "عندما جاء الدور على معتقل الخيام، طغى هذا الحدث على كل شيء".
"شكّل بالنسبة إليهم أزمة إعلامية حقيقية"
أما علي خشيش، الأسير المحرر من معتقل الخيام، الذي تحوّل بعد التحرير إلى أحد المرشدين الذين يعرّفون الزوار على تاريخ المكان، فيرى أن المعتقل لم يكن مجرد موقع ارتبط بالتعذيب والمعاناة، بل أصبح جزءاً من ذاكرة جماعية لا يمكن فصلها عن تاريخ الجنوب.
يقول لـِ "المدن": "لا يمكننا أن ننسى المكان الذي عانينا فيه، مهما حصل. فالذاكرة لا تُنسى". ويضيف أنه كان يصطحب عائلته وأولاده إلى المعتقل ليخبرهم أين أمضى سنوات اعتقاله، وما الذي جرى خلف جدرانه".
بعد تدمير أجزاء واسعة من المعتقل خلال حرب تموز 2006، عمل الأسرى المحررون على إعادة تقديم المكان للزوار عبر إنشاء نموذج يوضح شكله قبل القصف وما آل إليه بعده. كما تطوع خشيش وعدد من الأسرى المحررين لاستقبال الوفود، خصوصاً الأجنبية منها، وشرح ما كان يجري داخل الزنازين وغرف التحقيق. لأن تجربة الأسر لا يمكن أن تنتقل كاملة إلا عبر الذين عاشوها، يقول خيشيش.
ويزيد إن كثيراً من الزوار الأجانب خرجوا من المعتقل بصورة مختلفة عما دخلوا بها، بعدما استمعوا إلى شهادات الأسرى وشاهدوا تفاصيل الاعتقال والتعذيب.
ويرى خشيش أن هذا الدور جعل المعتقل مصدر إزعاج لإسرائيل، لأنه قدّم رواية حيّة عن مرحلة الاحتلال. "هذا الأمر أزعج الإسرائيليين، وما إن سنحت لهم الفرصة حتى دمّروا المعتقل، لأنه شكّل بالنسبة إليهم أزمة إعلامية حقيقية".
ورغم تجريف الموقع، يؤكد خشيش أن الحاجة إلى بقاء المعتقل لا تزال قائمة، ليس باعتباره مبنىً فحسب، بل باعتباره شاهداً على مرحلة من تاريخ لبنان. ويقول إن إعادة بنائه ضرورية.
"لن يستطيعوا اقتلاع المعتقل من الذاكرة"
أما الأسير المحرر عباس قبلان، فيرى أن المكان لا يمكن اختزاله بما تبقى منه من حجارة أو بما أزالته الجرافات.
فبالنسبة إليه، لم يكن المعتقل مجرد مساحة للاحتجاز، بل مرحلة كاملة تركت أثراً عميقاً في حياة من مرّوا به، وشكلت جزءاً من ذاكرتهم وهويتهم.
يقول لـِ "المدن": "هذه الذاكرة لا يمكن أن تُمحى أبداً، حتى لو جرى تجريف المكان بالكامل. فلا أحد يستطيع أن يزيل ما حُفر في ذاكرتنا".
ويرى قبلان أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من هوية من عاشوا فيها. ومعتقل الخيام، بالنسبة إليه، لم يكن مجرد أسلاك شائكة وزنازين، بل رمزاً لتجربة جماعية عاشها آلاف اللبنانيين.
ويقول: "حتى لو لم يعد موجوداً، فهذا لا يعني أن معتقل الخيام انتهى. عندما نستحضر المعتقل، نستحضر حياتنا التي عشناها فيه، لا المباني والحجارة".
اليوم، بعدما أزيلت معالم المكان، يرى الأسرى المحررون أن ما بقي من معتقل الخيام ليس ما كان قائماً فوق الأرض، بل ما استقر في ذاكرة الذين مرّوا به، وفي شهاداتهم التي انتقلت من جيل إلى آخر.
فالجرافات استطاعت أن تمحو حجارة المعتقل، لكنها لم تستطع أن تهدم الشهادة التي خرجت من خلف أسواره. لم يعد معتقل الخيام مجرد موقع جغرافي، بل أصبح رواية يحملها الذين عاشوا حكايته، وذاكرة لا تُجرف.




