بعد نحو شهر على إنجاز الأطباء من خريجي الجامعات الأجنبية الامتحانين الخطي والشفهي لامتحانات الكولوكيوم، وجد عشرات الأطباء أنفسهم أمام امتحان جديد لم يكن ضمن البرنامج الذي استعدوا له. فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي استحداث الامتحان السريري (OSCE) ضمن دورة معادلة الشهادات الحالية، ما دفع الأطباء إلى تنفيذ اعتصام أمام الوزارة، رفضاً لتطبيق القرار في هذه الدورة، لا اعتراضاً على الامتحان بحد ذاته، بل على توقيت إعلانه.
ويؤكد المعتصمون إنهم استكملوا جميع الامتحانات المطلوبة وفق الآلية التي أبلغوا بها عند تسجيلهم، فيما غادر عدد كبير منهم لبنان بعد انتهاء الامتحانات، وبعضهم عاد إلى برامج الاختصاص أو العمل في الخارج، الأمر الذي يجعل عودتهم لإجراء امتحان إضافي خلال فترة قصيرة أمراً بالغ الصعوبة.
"لسنا ضد الامتحان... بل ضد توقيته"
وتقول خريجة الطب من روسيا، جنى حيدر، لـ"المدن": "لسنا ضد الامتحان السريري، لكن لماذا لم يُعلن عنه قبل أشهر حتى نتمكن من التحضير له نفسياً وأكاديمياً؟ أكثر من نصف زملائنا غادروا لبنان بعد إنهاء الامتحانين الخطي والشفهي، فكيف سيُطلب منهم العودة الآن لإجراء امتحان لم يكن معلناً عند تسجيلهم؟".
ويركّز المعتصمون اعتراضهم على اعتماد الامتحان بصورة فورية، بعد أكثر من سبعة عقود من عدم تطبيق النص القانوني الذي ينص عليه. فقد انتشلت وزارة التربية فجأة مرسوماً يعود لخمسينيات القرن المنصرم لتطبقه اليوم مع مفعول رجعي على الطلاب الذين نجحوا منذ أكثر من شهر، لا سيما أن قرار وزيرة التربية ريما كرامي صدر منذ يومين. ويعتبر المعترضون أنه كان من المنطقي اعتماد هذا الامتحان ابتداءً من الدورات المقبلة، بعد إبلاغ الطلاب به مسبقاً. هذا فضلاً عن الاعتراض على الامتحان من الأساس لا سيما أن جميع الأطباء في لبنان خضعوا للكولوكيوم الذي يتضمن في الجزء الشفهي تشخيص أمراض واقتراحات عملية لها. وهي شبيهة بالامتحان السريري المقترح.
الامتحان يجرى في الجامعات الخاصة!
في المقابل، يؤكد مدير عام التعليم العالي، مازن الخطيب، لـ"المدن"، أن الامتحان السريري ليس قراراً مستحدثاً، بل هو منصوص عليه في المرسوم نفسه المعتمد منذ سبعينيات القرن الماضي لتنظيم امتحانات الكولوكيوم.
ويشرح أن المرسوم ينص على ثلاثة امتحانات: خطي، وشفهي، وسريري، إلا أن الامتحان الأخير لم يكن يُنفذ سابقاً بسبب غياب الإمكانات اللوجستية اللازمة، إذ يتطلب عيادات مجهزة وإجراء الامتحان على مرضى حقيقيين أو ضمن بيئة سريرية تحاكي الواقع الطبي.
ويضيف أن الجامعات الخاصة باتت تمتلك اليوم البنية التحتية اللازمة لإجراء امتحان OSCE، ما أتاح للوزارة تطبيق المرسوم للمرة الأولى.
ويعتبر الخطيب أن الامتحان أصبح معياراً عالمياً لتقييم المهارات السريرية، ويخضع له جميع طلاب الطب في الجامعات اللبنانية، سواء كانوا لبنانيين أم أجانب، لذلك "من الطبيعي أن يخضع له أيضاً الطالب اللبناني الذي درس الطب في جامعة أجنبية"، بهدف التأكد من امتلاكه الكفاءات السريرية المطلوبة لممارسة المهنة.
لماذا أُعلن عنه متأخراً؟
ورداً على انتقادات الأطباء بشأن تأخر الإعلان عن الامتحان السريري، يشدد الخطيب على أن الوزارة لم تعلن عنه إلا بعد استكمال جميع المتطلبات الفنية واللوجستية والإدارية مع الجامعات التي سينفذ الامتحان لديها.
ويوضح أن المديرية العامة ليس بمقدورها التخطيط للإعداد المتوجب إخضاعها للامتحان إلا بعد صدور نتائج الامتحان الخطي ومعرفة عدد الناجحين في هذا الامتحان، موضحاً أنها حصلت أيضاً على موافقة مجلس الوزراء لتمديد فترة الامتحانات إلى ما بعد شهر تموز، بما يتيح تنظيمها وإجرائها وفق الأصول.
نقابة الأطباء تطالب بالتأجيل
بدوره، دخل نقيب الأطباء في لبنان، إلياس شلالا، على خط الأزمة، عبر كتاب وجهه إلى وزيرة التربية، ريما كرامي، أعلن فيه دعم النقابة لاعتماد الامتحان السريري باعتباره خطوة تواكب المعايير الأكاديمية العالمية، وتعزز جودة التعليم الطبي وكفاءة الأطباء قبل منحهم حق ممارسة المهنة.
إلا أن شلالا طلب، في المقابل، إرجاء تطبيق الامتحان بالنسبة إلى الدورة الحالية بصورة استثنائية، واعتماده ابتداءً من الدورة المقبلة، مراعاةً لأوضاع المرشحين الذين سجلوا وتقدّموا للامتحانات وفق الآلية السابقة، وأنهى عدد كبير منهم برامج التدريب أو الاختصاص في الخارج، أو عاد إليها بعد انتهاء الامتحانات المعلنة.
واعتبر أن المرحلة الانتقالية ستمنح الوزارة الوقت الكافي لوضع الإطار الأكاديمي والتنظيمي الكامل للامتحان، وتحديد منهجيته وآلية إجرائه ومعايير تقييمه، وإبلاغ المرشحين بها مسبقاً، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز مصداقية الامتحان.
وشدد على أن طلب التأجيل لا يمس بأهمية الامتحان أو بأهدافه، بل يهدف إلى ضمان انتقال منظم ومدروس نحو النظام الجديد، يجمع بين تطوير معايير تقييم الأطباء ومراعاة أوضاع المرشحين الذين تقدموا للدورة الحالية وفق الآلية السابقة.
أزمة معادلات الشهادات
إلى الاعتراضات حول امتحانات الكولوكيوم ثمة انتقادات واسعة لوزارة التربية حول تأخر معادلات الشهادات الجامعية لأكثر من سنتين. ورد المدير العام الخطيب على الانتقادات موضحاً أن هناك فرقاً بين الشهادات الصادرة عن جامعات لبنانية وتلك الصادرة عن جامعات أجنبية، إذ تخضع الأخيرة لإجراءات تحقق إضافية.
ويشرح أن المديرية تراسل، عبر وزارة الخارجية، الجهات الرسمية في الدولة التي صدرت عنها الشهادة للتأكد من صحة الوثائق، وأن الطالب تابع دراسته حضورياً، وأن شهادته تخوله ممارسة مهنة الطب في بلد التخرج، إضافة إلى التحقق من مدة الدراسة القانونية ومتطلبات التدريب، ولا سيما في الاختصاصات الطبية والصحية والصيدلانية.
ويؤكد أن المديرية لا تتحكم بالمدة التي تستغرقها هذه المراسلات، إذ تبقى بانتظار ردود الجهات الرسمية الأجنبية، "فلا يمكننا أن نفرض على وزارة الخارجية أو على وزارة التربية في الدولة المعنية الرد خلال مهلة محددة". وبعد وصولها، وإذا كانت متوافقة مع أحكام القانون اللبناني، يُحال الملف إلى لجنة المعادلات، أما قبل ذلك فلا يمكن البت به.
ويؤكد أن التأخير في معادلة الشهادات الأجنبية يرتبط بهذه الإجراءات، وليس بقرار من المديرية، بينما تُنجز معادلات الشهادات الصادرة عن الجامعات اللبنانية من دون تأخير متى كان الملف مستوفياً لجميع المستندات المطلوبة، معتبراً أن مسؤولية استكمال الملف تقع على عاتق صاحب العلاقة.
ويقر الخطيب، في المقابل، بأن المديرية تواجه تحديات إدارية ولوجستية، أبرزها النقص الحاد في عدد الموظفين، قائلاً إن المديرية تستقبل ما لا يقل عن 16 ألف طلب معادلة سنوياً، في حين لا يتولى هذه الملفات سوى 6 موظفين، ما يشكل أحد أبرز العوائق الخارجة عن إرادة الإدارة ويؤثر في سرعة إنجاز المعاملات.




