بخطىً واثقة مليئة بالتحديات، تسعى عائشة زين جبيلي إلى إعادة التألق لمهنة صناعة صابون الغار الحلبي، الملقب بـِ "الذهب الأخضر"، التي ورثتها عن أجدادها، ذلكَ بعد سنوات من الانقطاع جراء الحرب السورية.
داخل مصبنة تاريخية في أحد أحياء حلب القديمة، تقود السيدة جبيلي العمل لإعادة إنتاج صابون الغار الذي اشتهرت أسرتها بصناعته، وذاع صيته كأحد أبرز أنواع الصابون في الأسواق، في مهنة تبدو حكراً على الرجال.
تقول جبيلي لـِ "المدن" إنها عادت من تركيا بعد أكثر من 13 عاماً، عقب سقوط نظام الأسد، بهدف تولي إدارة مصبنة والدها نذير جبيلي، الذي لم يُرزق بأبناء ذكور، مدفوعة برغبتها في متابعة مسيرة أجدادها الممتدة منذ أربعة قرون في حي باب النصر الشهير بمدينة حلب القديمة.
"شيخ الكار"
وتضيف جبيلي أن العمل لم يكن سهلاً على الإطلاق، خصوصاً أن والدها كان يُلقب بـِ "شيخ الكار" في هذه المهنة، إذ لم يكن من السهل إعادة تقديم الصابون بالجودة ذاتها، فضلاً عن صعوبة تأمين المواد الأولية اللازمة للإنتاج.
وتشير إلى أن أبرز الصعوبات التي واجهت إعادة تشغيل المصبنة كان إعادة لمّ شمل العمال القدامى الذين عملوا سنوات طويلة مع والدها، لافتة إلى أنها نجحت في إعادة الرجل الذي كان يتولى طبخ الصابون في زمن والدها، وهي المرحلة الأهم في هذه الصناعة.
وتشير السيدة الحلبية إلى أن العديد من الأشخاص حاولوا استغلال الاسم التجاري لوالدها لتسويق منتجاتهم بجودة متدنية خلال فترة الحرب. وهذا الأمر دفعها إلى العودة للعمل مجدداً بعد تحرير سوريا في نهاية عام 2024، كما تقول.
محاولة إحياء حرفة عائلية تقليدية
وعن وجود أي دعم حكومي أو خاص لإعادة إطلاق العمل، تؤكد السيدة الحلبية أنها لم تتلقَّ أي دعم من أي جهة، وأنها تعمل وفق إمكاناتها المادية الخاصة، بهدف إنتاج الصابون وإعادة تسويقه محلياً وعالمياً.
وتشرح جبيلي أن هذه الصناعة، التي تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، تُمارس خلال فصل الشتاء، حيث موسم زيت الزيتون والغار، بوصفهما المادتين الرئيسيتين اللتين تدخلان في طبخة الصابون، قبل أن تبدأ مرحلة الصب والتجفيف في أحواض مخصّصة لذلك.
وتؤكد جبيلي أن المنتج يتميز بأنه طبيعي بالدرجة الأولى ولا يحتوي على أي مواد صناعية، وهو الأمر الذي يميز صابون الغار عن غيره من المنتجات في الأسواق، فضلاً عن الفوائد التي يحملها، وفق وصفها.
وعن المشاركة في المعارض المحلية والدولية، ترى السيدة الحلبية أنها ضرورية جداً، لارتباطها بعملية تسويق المنتج، لافتة إلى أنها حالياً في مرحلة طرح المنتج للمرة الأولى في السوق المحلية، ومن ثم الخارجية، على أن تكون لها مستقبلاً مشاركات في المعارض المختصة بالصناعات التقليدية.
وتعتقد جبيلي أن إعادة افتتاح المصبنة ليس لاستئناف العمل فحسب، بل تمثل محاولة لإحياء حرفة عائلية تقليدية في صناعة الصابون الحلبي وتطويرها بروح جديدة تقودها امرأة للمرة الأولى في تاريخ العائلة.
ويعد صابون الغار الحلبي من أقدم وأشهر أنواع الصابون الطبيعي في العالم، إذ تشتهر مدينة حلب بصناعته منذ مئات السنين، ويتميز بجودته العالية وخصائصه المفيدة للبشرة، وهذا ما جعله من أبرز المنتجات التراثية السورية التي تصدر إلى العديد من دول العالم، ويُعد رمزاً للصناعات التقليدية في المدينة.




