نساء جنوبيات منتجات شرّدتهن الحرب بين التيه ومحاولة النجاة

حسن محمد صبراالثلاثاء 2026/08/04
امرأة تقطف الزيتون خلال حرب الإسناد ٢٠٢٣ (غيتي)
لم تخسر هؤلاء النساء مصدر رزقهن بل خسر الجنوب جزءاً من روحه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كان صوت جاروشة أم علي ناصر في دير سريان يعني أن موسماً جديداً قد بدأ. وفي ميفدون، لم يكن هاتف أمال جابر يهدأ من كثرة الطلب لتلبية الأطباق للأعراس والمناسبات. أما في القنطرة، فكانت آمنة صبرا تجلس لساعات طويلة بين الخيوط الملونة، تنهي لوحة "كروشيه" استعداداً لمعرض جديد. هي حال العديد من النساء اللواتي دخلن من عالم إعداد المونة العائلية، إلى مهن واقتصاد منزليين، للعيش ولإعالة أسرهن. 

 

هكذا كان الجنوب. لم تكن الحياة تُقاس بعدد الأيام، بل بعدد المواسم. موسم للقمح، وآخر للسمسم، وثالث للكشك والبرغل، رب البندورة، ومواسم لا تنتهي للطعام المنزلي والحرف اليدوية التي صنعتها نساء حوّلن بيوتهن إلى ورش إنتاج صغيرة. كانت تلك الأعمال تؤمن دخلاً للعائلات، وتحفظ كرامتها، وتمنح النساء مساحة من الاستقلالية، حتى جاءت الحرب، لتبدل المشهد كله.

 

لم تدمر الحرب البيوت والحقول فحسب، بل أصابت اقتصاداً كاملاً كان يعمل بصمت داخل المنازل، اقتصاداً لم تظهره الأرقام، لكنه كان يطعم عائلات بأكملها، ويمنح قرى الجنوب جزءاً من حيويتها.

أم علي ناصر في بلدة دير سريان (المدن)

حين صمتت الجاروشة

في دير سريان، كانت أم علي ناصر تعرف أن النهار يبدأ قبل شروق الشمس. هناك، لم تكن المرأة تساعد في الزراعة فحسب، بل كانت تدير دورة إنتاج متكاملة. تصل المحاصيل من الحقول، فتوزع الأعمال بين أفراد العائلة، وتشرف على إعداد الكشك والبرغل والفريك والحبوب، ورب البندورة، فيما تدور الجاروشة التي تملكها العائلة بلا توقف، إلى جانب محل يبيع الحبوب والبهارات وسائر أصناف المؤونة.

 

تقول أم علي لـِ "المدن" إن موسم الكشك وحده كان ينتج أكثر من عشرين كيلوغراماً يومياً. يبدأ العمل بخلط اللبن والبرغل، ثم يُفرد تحت أشعة الشمس، ويُقلب حتى يجف، قبل أن يُطحن ويُعبأ للبيع. أما بقية السنة، فكانت مواسم القمح والسمسم والفريك والبرغل تؤمن للعائلة مورد رزق ثابتاً.

 

اقتصاد منزلي

لم يكن العمل حكراً على شخص واحد. الجميع كان يشارك، من يزرع، ومن يحصد، ومن يدرس القمح، ومن يبيع في السوق، بينما كانت أم علي تشرف على حركة الإنتاج بأكملها، وتدير اقتصاد المنزل الذي عاش منه الأبناء والبنات سنوات طويلة.

 

جاءت حرب العام 2024، فنزحت العائلة لستة وستين يوماً، وخسرت أحد المواسم. لكنها عادت بعد توقف القتال، وأعادت زراعة الأرض، وكأنها تحاول أن تستعيد حياتها من جديد.

 

غير أن حرب العام 2026 كانت أقسى. اضطرت العائلة إلى النزوح نحو برجا، وتركت خلفها المنزل، والحقول، والجاروشة، والمحل، وآليات الإنتاج.

 

تقول أم علي: "كنا نعيش من تعب أيدينا. كل يوم كانت الغلة تدخل إلى البيت؛ من يحصد، ومن يزرع، ومن يبيع في السوق. اليوم خسرنا الأرض، والجاروشة، والمحلات، وآليات العمل... خسرنا كل شيء".

 

وتضيف: "كنا نفكر بالموسم المقبل، أما اليوم فلا نفكر إلا بالعودة". وبين الجملتين تختصر سنوات من التحول، من امرأة تدير موسماً كاملاً إلى امرأة تعيش بعيداً عن أرضها، تنتظر أن تعود إليها.

لائحة طعام تنتجه أمال جابر في ميفدون (المدن)

مطبخ أطفأته الحرب

على بعد بضعة كيلومترات، كانت أمال جابر تبني حكايتها بطريقة مختلفة، في منزلها في ميفدون. حوّلت مطبخها المنزلي إلى مشروع صغير كبر مع الوقت، وأصبح اسماً معروفاً في منطقة النبطية.

 

كانت جابر تعدّ الولائم للأعراس، وأعياد الميلاد، والمناسبات الاجتماعية، والاجتماعات والمؤتمرات، وتعدّ موائد بيوت العزاء، وفي جعبتها سمعة اكتسبتها بفضل جودة الطعام وثقة زبائنها.

 

كان يومها يبدأ بتلقي الاتصالات وترتيب الطلب، وينتهي بعد إنجاز المهمة. ومع مرور الوقت، لم يعد مشروعها يؤمن دخلاً للأسرة فحسب، بل أصبح جزءاً من حياتها اليومية وهويتها المهنية. وكانت تعرف العديد من زبائنها بالاسم، فهي ترافقهم في أفراحهم وأحزانهم، حتى أصبحت جزءاً من ذاكرة مناسباتهم.

 

لكن الحرب الأخيرة لم تغلق باب مطبخها، بل كل رزقها وشغفها. نزحت أمال إلى عكار بعدما تعرض منزلها في ميفدون لأضرار كبيرة جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وبقيت أدوات العمل والذكريات خلفها.

تقول إن أصعب ما في النزوح ليس الابتعاد عن القرية فحسب، بل فقدان الشعور بأنها امرأة منتجة. ففي ميفدون كانت تستيقظ على مواعيد الولائم وطلب الزبائن، أما اليوم فتستيقظ على أمل العودة يوماً ما إلى منزلها، لتشعل النار تحت قدور الطعام من جديد، لا للطهي مجدداً فحسب، بل لأنها كانت تبني من ذلك العمل الحرفي حياة كاملة.

معرض "كروشيه" لآمنة صبرا في القنطرة (المدن)

خيوط انقطعت قبل أن تكتمل

في بلدة القنطرة، كانت آمنة صبرا تنسج حياتها بخيط وإبرة. بدأت حرفة "الكروشيه" كهواية، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع إنتاجي صغير. كانت تصنع اللوحات الفنية، والدمى الصوفية، وقطع الديكور، والأغطية، وأعمالاً يدوية كثيرة وجدت طريقها إلى بيوت داخل الجنوب وخارجه.

 

لم تكتفِ بالبيع المباشر، بل شاركت في معارض للحرف اليدوية، حيث عرضت أعمالها، ووسعت دائرة زبائنها، حتى أصبحت كل مجموعة جديدة تنجزها تجد من ينتظرها.

 

كانت كل قطعة تحتاج إلى ساعات طويلة من العمل، لكنها كانت تمنحها شعوراً بأن موهبتها أصبحت مهنة، وأن الخيط الذي يمر بين أصابعها ينسج أيضاً جزءاً من مستقبل عائلتها.

 

لكن القنطرة كانت من البلدات التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب الأخيرة. نزحت آمنة مع عائلتها إلى المروانية، تاركة منزلها وورشتها الصغيرة، وأدواتها، ومعظم إنتاجها.

 

لم تعد صبرا تستعد للمشاركة في معرض جديد، ولا تفكر في تصميم لوحة جديدة، بل جل تفكيرها منكبّ اليوم على العودة إلى المكان الذي كانت تصنع فيه أعمالها. الحرب لم توقف مشروعها، بل قطعت الخيط الذي كانت تنسج به حياتها يوماً بعد يوم.

 

الخسارة عينها

ثلاث نساء... وثلاث حكايات في أماكن مختلفة فيما مصيرهنّ واحد: الخسارة نفسها. أم علي خسرت الأرض التي كانت تمنحها المواسم، وأمال خسرت المطبخ الذي تحول إلى مشروع حياة، وآمنة خسرت الورشة التي صنعت منها اسمها.

 

لم تكن خسارتهن مجرد أدوات عمل أو مصادر دخل، بل خسارة حياة كاملة بُنيت على سنوات من الجهد. ففي الجنوب، كانت المرأة تزرع وتحصد، وتصنع المؤونة، وتعدّ الولائم، وتحيك بخيوطها مشاريع صغيرة تكبر عاماً بعد عام. كانت تعرف مواقيت المواسم أكثر مما تعرف روزنامة الأيام، وكانت تقيس الزمن بما تنتجه الأرض وما تصنعه يداها.

 

أما اليوم، فقد تبدلت المواعيد؛ حلّ النزوح مكان الحصاد، والانتظار مكان الإنتاج، وأصبح السؤال اليومي: متى نعود؟ بعدما كان: ماذا سننتج غداً؟

 

لسان حالهنّ اليوم أنه قد تُرمم البيوت، وتُعبد الطرق، وتعود الأشجار إلى الإثمار، لكن إعادة بناء الحياة تحتاج إلى ما هو أكثر من الإسمنت والحجارة. تحتاج إلى أن تستعيد النساء حقولهن، ومطابخهن، وورشهن، وأن يستعدن، قبل كل شيء، الثقة بأن ما بنينه طوال سنوات لن يذهب سدى.

 

في دير سريان، صمتت الجاروشة. وفي ميفدون، بردت مواقد المطبخ. وفي القنطرة، بقيت إبرة الكروشيه معلقة عند آخر غرزة لم تكتمل. وبين هذه الصور الثلاث، تختصر حكاية الجنوب اليوم نساء حملن اقتصاد بيوتهن وذاكرة قراهن على أكتافهن. وعندما توقفت أياديهن عن الإنتاج، لم يخسرن مصدر رزقهن، بل خسر الجنوب جزءاً من روحه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث