في العام 2005، كان مبنى في حي الزبلطاني الدمشقي يستوقفني كلما مررت بالشارع الرئيسي، لم يكن مختلفاً عن الأبنية المحيطة، لكن معرفة ما يجري خلف جدرانه كانت كافية لإثارة الخوف، هناك كان يُعزل عدد من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، في زمن بدت فيه كلمة "الإيدز" حكماً اجتماعياً يسبق الحكم الطبي.
عملت آنذاك على تحقيقات استقصائية كثيرة، لكنني تجنبت ذلك المكان طويلاً، كانت الأسئلة حاضرة، والشجاعة تتأخر، وعندما تقدمت بطلب رسمي إلى وزارة الصحة لإجراء تحقيق من الداخل، جاء الرفض سريعاً، لم تكن أعداد المصابين أو أوضاعهم تُعامل بوصفها معلومات تتصل بالصحة العامة، بل أسراراً قد يؤدي كشفها إلى الإضرار بصورة البلاد.
وصلت لاحقاً إلى مصدر ساعدني على الدخول، وأمضيت أياماً في مراجعة سجلات المرضى والاستماع إلى بعضهم، أكثر ما أثار انتباهي أن عدداً لافتاً من الإصابات المسجلة نُسب إلى نقل الدم، لا إلى العلاقات الجنسية كما كانت الصورة النمطية توحي.
لا أملك اليوم نسخة من تلك السجلات تسمح بتحويل الملاحظة إلى إحصاء قابل للتدقيق، لكنها دفعتني في ذلك الوقت إلى البحث في سلامة نظام نقل الدم، وإلى اكتشاف أن الخطر الذي يحيط بالمرضى لم يكن صحياً وحده.
فتاة خلعت ضرسها بآلة حادة
جلست في المبنى مع فتاة في العشرينيات، قالت إنها تعرضت لحادث سير ونُقل إليها الدم في مستشفى حكومي، ثم اكتشفت إصابتها بالفيروس، لم تبدأ مأساتها من العدوى، بل من اللحظة التي عرف فيها المحيطون بها. كادت تُقتل داخل أسرتها، قبل أن ينتهي بها الأمر في مكان بدا أقرب إلى العزل منه إلى الرعاية، لم يكن هناك دعم نفسي، والأدوية لم تكن تكفي، فيما عاش النزلاء تحت تمييز ضمني لا يملكون وسيلة قانونية لمواجهته من دون المخاطرة بكشف هوياتهم. روت لي كيف استخدمت آلة حادة لخلع ضرس كان يؤلمها بعدما رفض طبيب الأسنان علاجها، وتحدثت عن نزيل توفي إثر مضاعفات حادة في المرارة، بعدما تعذر العثور على طبيب يوافق على إجراء الجراحة له.
سألتها: لماذا لا تشتكون؟ سبقت الدموع جوابها، قالت إن القانون لن يحجب اسمها إذا وصلت القضية إلى المحكمة، وإن الشكوى قد تحول ما بقي من حياتها إلى فضيحة عامة. عانقتها طويلاً. استغربت الأمر ثم همست: "أنا ضحية، سأموت هنا، حتى الدواء غير موجود". عندما خرجت، حدقت في المبنى وفكرت في الحياة التي لا يفصل نزلاءه عنها سوى جدار، لم يكن الجدار مبنياً من الإسمنت فقط، بل من الخوف والعار وغياب القانون.
اختبار في بنك الدم
في اليوم التالي توجهت إلى أحد بنوك الدم للتبرع، أخبرت الممرضة أنني لا أعرف زمرة دمي، مع أنني كنت أعرفها، وانتظرت النتيجة باعتبارها اختباراً أولياً لدقة الإجراءات. تمكنت بطريقتي من مشاهدة جانب من العمل داخل المختبر، ما رأيته أثار لدي شكوكا بشأن انتظام فحص العينات، ثم أبلغتني الممرضة أن زمرة دمي إيجابية، في حين أنها سلبية وفق فحوص موثوقة أجريتها سابقاً.
لم يكن ذلك اختباراً علمياً يكفي لإدانة نظام نقل الدم بأكمله، لكنه كان مؤشراً يستحق تحقيقاً مستقلاً، وخصوصاً مع وجود مرضى يقولون إن العدوى انتقلت إليهم بعد عمليات نقل دم. أعددت المادة للنشر في مجلة "أبيض وأسود"، لكن الجهات الامنية منعتها، كان التبرير أن الحديث عن مركز رعاية المصابين وأعدادهم وسلامة الدم قد يثير الهلع، ويضر بالسياحة، ويشوه صورة بلد كان الفساد قد أضعف نظامه الصحي من الداخل. هكذا أصبح المرض ملفاً من ملفات الأمن الوطني، وصار إخفاء الخلل أهم من حماية المرضى.
حين أصبح السؤال تهمة
بعد نحو أربعة أعوام، كنا نعمل في موقع "دي برس" عندما داهمت سيارات أمنية مقر الموقع واقتادت الصحفي بشار دريب من مكتبه، وُضع في الحبس الانفرادي، وواجه اتهامات من النوع الذي استخدم طويلاً ضد الصحفيين، بينها النيل من هيبة الدولة والإضرار بسمعة البلاد. وقع الاعتقال بينما كنا نشارك في نقاشات حول قانون جديد للإعلام قيل إنه سيحمي الصحفيين، كانت السلطة تتحدث في قاعات الاجتماعات عن الحماية، فيما كانت أجهزتها تخرج صحفياً من مكان عمله إلى فرع أمني.
لم يكن ما نشره دريب عن ارتفاع أعداد المصابين بمرض الايدز مجرد خبر صحي حساس، في الكواليس، كانت الأسئلة تتجه إلى ما هو أبعد: من يسيطر على استيراد أدوية الأمراض المزمنة والمكلفة؟ ومن يستفيد من العقود التي تمر عبر مؤسسات حكومية ومنظمات دولية وشركات خاصة؟
في تلك المرحلة كانت أسماء الأسد تبني صورتها العامة بوصفها راعية لمشروعات المجتمع المدني والتنمية، لكن دوائر النفوذ القريبة من القصر كانت تتمدد بالتوازي داخل قطاعات اقتصادية وخيرية وصحية شديدة الربحية، لم يظهر دليل قضائي علني يثبت أنها أصدرت بنفسها قرار اعتقال دريب لكن جهة امنية سربت لنا المعلومة شفويا ، والاعتقاد داخل الوسط الصحفي يومها كان أن القضية تجاوزت حدود وزارة الصحة، ووصلت إلى جهة ترى في الاقتراب من سوق الدواء ومصالحه خطاً أحمر.
زاد هذا الاعتقاد بعد تدخلات ووساطات لم تنجح طويلاً في الإفراج عنه، خرج دريب بعد أشهر، ثم غادر البلاد. وبقي السؤال الذي أدى إلى اعتقاله بلا إجابة: هل كانت الدولة تخشى الفضيحة الصحية، أم ما قد تكشفه الفضيحة عن تجارة الدواء وشبكات المنتفعين منها؟
العلاج المجاني
كان النظام الصحي السوري يعلن تكفله مدى الحياة بعلاج كل مواطن مصاب، مع توفير الأدوية والفحوص الدورية مجاناً، مدعوماً أحياناً من منظمات دولية. لكن الشهادات التي وصلت إلينا آنذاك تحدثت عن مرضى لا يحصلون على حاجتهم بانتظام، وعن أدوية تختفي من المراكز الحكومية ثم تظهر بأسعار مرتفعة خارجها. كما جرى الحديث عن مصابين من عائلات نافذة كانوا يتلقون العلاج بعيداً عن السجلات الرسمية، حماية لأسمائهم ومكانتهم الاجتماعية.
يصعب اليوم التحقق من حجم تلك الممارسات، لكن الحرب جعلت أزمة العلاج أكثر قسوة،تقطعت طرق الإمداد، وتوزعت المراكز الصحية بين سلطات مختلفة، وغادر أطباء ومخبريون، وأصبح انتظام الدواء والفحوص أكثر هشاشة. وفي حالة فيروس نقص المناعة البشرية لا يمثل انقطاع العلاج مشكلة مؤقتة، فالعلاج المنتظم يخفض الحمل الفيروسي ويحمي الجهاز المناعي، أما الانقطاع فقد يسمح للفيروس بالتكاثر ويزيد احتمال ظهور مقاومة دوائية.
عودة الأرقام إلى العلن
اليوم يعود الملف إلى الواجهة بطريقة مختلفة، أعلنت وزارة الصحة تسجيل 212 حالة خلال عام 2025، وأوضحت أن الرقم التراكمي للمصابين الأحياء المسجلين منذ عام 1990 بلغ 1538 شخصاً.
لا تعني هذه الأرقام أن 1538 شخصاً أصيبوا خلال سنة واحدة، ولا أن الحالات الـ212 التقطت العدوى جميعها في عام 2025، فقد أوضح مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز عمر أبو النعاج أن الزيادة ترتبط بتحسن الرصد، وتوسع الاختبارات، وعودة سوريين كانوا يعرفون بإصابتهم ويتلقون العلاج في الخارج، إضافة إلى ارتفاع الثقة بسرية الخدمات الصحية.
وتظهر بيانات نُسبت إلى البرنامج ارتفاع الحالات المكتشفة من 30 عام 2020 إلى 39 عام 2021، ثم 60 عام 2022 و95 عام 2023، وصولاً إلى 212 حالة عام 2025. كما أعلن أبو النعاج تسجيل 103 حالات خلال النصف الأول من عام 2026.
قد يعكس المنحنى ارتفاعاً فعلياً في انتقال الفيروس، لكنه قد يعكس أيضاً قدرة أكبر على اكتشاف أشخاص كانوا خارج السجل، ولا يمكن التمييز بين الاحتمالين من دون معرفة عدد الفحوص المنفذة سنوياً، ونسبة العائدين بين الحالات، وتاريخ تشخيصهم، وطرق انتقال العدوى المثبتة.
ماذا تعني أرقام بنوك الدم؟
تفيد البيانات المتداولة بأن 399 حالة اكتُشفت عبر مراكز المشورة والاختبار، و121 خلال الإقامة أو المتابعة الصحية، و79 بعد إحالات من المستشفيات، و61 لدى متقدمين للتبرع بالدم، و55 في عيادات ما قبل الزواج، و51 عبر فحص المخالطين جنسياً، وعشر حالات خلال مسوح صحية. لكن اكتشاف إصابة لدى شخص تقدم للتبرع لا يعني أن بنك الدم أصابه، أو أن دمه نُقل إلى مريض، هذه أرقام توضح طريق اكتشاف الحالة، لا طريق انتقال الفيروس.
نفت وزارة الصحة وجود تلوث في بنوك الدم، وأكدت خضوع الوحدات للفحص قبل استخدامها، ولا توجد أدلة منشورة تثبت انتقالاً حديثاً للفيروس عبر الدم المنقول، لكن الذاكرة القديمة لا تسمح بالاكتفاء بالطمأنة، الثقة تحتاج إلى نشر أنواع الاختبارات المستخدمة، وعدد الوحدات المستبعدة، ونتائج ضبط الجودة، وكيفية التعامل مع فترة النافذة التي قد لا تكشف فيها بعض الفحوص العدوى الحديثة.
بين الأرقام والوصمة
تكشف البيانات إصابات بين فئات اجتماعية ومهنية مختلفة: عازبون ومتزوجون، أطباء ومهندسون ومدرسون وأصحاب أعمال حرة، إلى جانب أطفال ونساء حوامل. ولا تعني المهنة أو الحالة الاجتماعية شيئاً عن السلوك الشخصي أو طريقة انتقال العدوى، لكنها تفكك الاعتقاد بأن الفيروس يخص فئة بعينها.
تحدث طبيب سوري طلب حجب اسمه عن احتمال ظهور مسارات انتقال جديدة خلال الحرب، نتيجة العلاقات غير المحمية والتنقل الواسع ووجود مقاتلين أجانب وغياب الفحوص المنتظمة، تبقى هذه فرضية تحتاج إلى دراسة، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام للأجانب أو العائدين، فالحرب نفسها وسعت عوامل الخطر: النزوح والعنف الجنسي والمخدرات والحقن المشتركة وانهيار الخدمات الصحية.
الأهم أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يعد حكماً بالموت، يستطيع العلاج خفض الحمل الفيروسي إلى مستوى غير قابل للكشف، وعند استدامة هذا الكبت لا ينقل المتعايش الفيروس جنسياً، غير أن التقدم الطبي لم يلغ المرض الاجتماعي القديم: الخوف من المصاب.
بعد أكثر من عشرين عاماً على لقائي فتاة الزبلطاني، لم تعد القضية معرفة عدد المصابين فقط، بل معرفة عدد الذين يتلقون العلاج بانتظام، ومن يضمن سريتهم، ومن يحميهم من رفض الأطباء، ومن يراقب سلامة الدم والدواء.
حين عانقت تلك الفتاة لم ينتقل إليّ الفيروس، لكن سؤالها بقي معي: كم شخصاً مات في سوريا بسبب المرض، وكم شخصاً قتلته الطريقة التي عاملناه بها؟




