أسعار "مريخيّة" وترقيع.. كيف يواجه سوريّون القلّة؟

كلير عكاويالأحد 2026/08/02
Image-1771840954
"الوضع المعيشي صعب على الجميع" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تجسد "نرجس" فيديو كليب لأغنية الفنان كاظم الساهر "حافية القدمين"، بل كانت تتنقّل حافية بين محال تصليح الأحذية في دمشق، لعلّها تحصل على حذاء تتراقص به على أوجاعها، وتكسو به أقدامها.

كانت "نرجس"، ابنة العشر سنوات، تقف على باب الإسكافي "أبو علي" تتوسّل إليه للحصول على حذاء، قائلة: "الله يوفقك عمّو، اعطيني حذاء مهما كان وضعه، فمدّ إليها زوجاً قديماً، وفق ما روى لـِ "المدن".

"الوضع المعيشي صعب على الجميع"، بهذه العبارة عبّر الإسكافي (60 عاماً) لـِ  "المدن"، بقوله: "الله يعين الناس.. البعض غير قادر على شراء قطعة واحدة، وآخرون يصلّحون ما يملكون، الفقر اجتاح المنازل واستقر فيها".

وأثناء وصف "أبو علي" واقع الحال، جاء إلى المحل شاب يريد أن يصلّح حذاءه، فقال له: لا يمكن إصلاحه، فهو مُمزّق بالكامل، فأجابه: دبّرها الله يخلّيك.. بأي طريقة كانت".

 

الحاجة أم الاختراع

يرتدي الموظف الحكومي "نزار"، حذاءً رقّعه أكثر من تسع مرات، ويقول لـِ  "المدن": "الحاجة أم الاختراع، أرتدي هذا الحذاء الأجنبي منذ 7 سنوات، وأصلحه كلما احتاج لذلك.. لأن شراء الجديد، سيكلّفني راتبي الشهري الذي لا يتجاوز مليون ليرة سورية".

ويرى "نزار" أن الحل الوحيد بالنسبة له ولعائلته هو "إعادة التدوير"، لأن أسعار الأحذية مرتفعة، حيث يبلغ سعر الواحد منها 400 ألف ليرة سورية قديمة وسطياً، قائلاً: "نحنا يادوب عم ناكل ونشرب.. عم ندبّر حالنا، مستورة".

وتحدّث الإسكافي "أبو علي" لـِ "المدن"عن إصلاح الحذاء الواحد لأكثر من 10 مرّات، من خلال الخياطة والدرز، قائلاً: "الأمور كانت أكثر وفرة في الماضي البعيد، وكان الفرد يتخلّص من الحذاء التالف برميه دون تردّد".

 

"جود من الموجود"!

اعتمدت "نوال"، الطالبة في جامعة دمشق (21 عاماً)، مقولة "جود من الموجود" بعد أن تفاجأت بأسعار الأحذية "المريخيّة" في متاجر دمشق.

وقالت لـِ "المدن": "لم أعد أشعر بالخجل من ارتداء الحذاء القديم وإعادة تدويره، بعد أن ارتفع سعر الحذاء المُصنَّع محليّاً إلى 300 و500 ألف ليرة سورية قديمة".

وكانت "نوال" في أيام العز، كما تصفها، تشتري عدّة أحذية بألوان متنوّعة لتناسب ملابسها، أما الآن، فقد اقتصر اختيارها على حذائها الأسود الذي يتناسب مع جميع ملابسها، وفق قولها.

وتستذكر "نوال" الأسعار القديمة، بقولها: "سقى الله لمّا كنا نشتري الحذاء الواحد بـِ  25 أو 50 ألف ليرة سورية، أمّا هلّق يا حسرة.. بس بدي أعرف مين بيقدر يشتريها؟

وتتكدّس الأكياس هنا وهناك في محال تصليح الأحذية وترقيعها، والأمر الأكثر إيلاماً هو من يترك حذاءه للتصليح ولا يعود لاستلامه مطلقاً لعدم توفّر أجرته، أو ربّما يؤجّل استلامه انتظاراً لتوفّر القليل من المال، وفق ما أكد الإسكافي. 

 

"من القلّة مالها علّة!

"بالرغم من القلّة والأحوال التعيسة، ترى "راما" أن البالة ليس فيها "علّة"، فهي تعتبرها السبيل الوحيد للالتحاق بالموضة. راما تبحث عن الأحذية في أكوام كثيرة، ثم تحاول تصحيحها عند الإسكافي، قائلة لـ "المدن": "إلا ما لاقي شي قطعة لقطة".

وهناك من يعثر على "أفضل الأسوأ" في الأسواق السورية، حيث يختار زوجاً من الأحذية بجودة تناسب السعر الذي يحدّده عند الشراء، مثل "زينة"، ابنة الثلاثين عاماً، التي اشترت حذاءً جلديّاً (مشمّعاً)، ممّا يعني أنها غيّرت النوعية بناءً على قدرتها المالية.

وتسخر "زينة"، قائلة: "لقد وجدنا حلولاً بديلة لنتمكن من الخروج يومياً، أما الأحذية غالية الثمن، فنكتفي برؤيتها معروضة على واجهات المتاجر فقط، ومع ذلك، هناك من يشتري حاجته وحاجة غيره على مبدأ "اللي معو برش عالمخلوطة".

لم يختلف "أحمد" (45 عاماً) عن الآخرين، حيث عبّر لـِ "المدن" عن "صعوبة شراء زوج جديد من الأحذية، الذي أصبح نوعاً من الرفاهية بالنسبة له، لذلك، يحافظ هو والعديد من ذوي الدخل المحدود على إبقاء أحذيتهم صالحة للاستخدام لأطول فترة ممكنة".

وأوضح "أحمد" أن "شراء أحذية جديدة لعائلته المكونة من خمسة أفراد يكلّف نحو مليوني ليرة سورية قديمة وسطياً، لذا فإن الخيار الأفضل هو إصلاحها بتكلفة لا تتجاوز 20 ألف ليرة سورية للزوج الواحد".

 

هل الإسكافي "حافي"؟

يعمل الإسكافي "أبو رجا" في متجره الصغير بمنطقة ساروجة في دمشق منذ عدة سنوات، وهو ضحك عند سؤالنا له: "هل الإسكافي حافي؟

وأجاب لـِ "المدن": "أوّل حذاء أصلحته هو حذائي.. هذه المقولة ليست عادلة، فأنا مواطن مثل غيري وحالي كحالهم، وأساساً هذه مهنتي، فهل يعقل ألاّ أطبقها على نفسي؟".

وأضاف الإسكافي: "أعمل في مهنتي منذ (40 عاماً)، ولكن في السنوات الأخيرة زاد الإقبال على تصليح الأحذية بدلاً من استبدالها بأخرى جديدة، مما زاد من الدخل الذي أحققه.

وأكمل: "المحال التجارية التي تبيع الأحذية، تحاول جاهدة تنشيط حركة البيع من خلال العروض والتخفيضات، لكنّ الأسعار تبقى في نظر الكثير من الزبائن مرتفعة".

 

أجور مناسبة وانتعاش للمهنة

تفوح رائحة الشعلة من محل الإسكافي "رضا" في جرمانا بريف دمشق الذي روى لـِ "المدن" عن عودة انتعاش مهنة تصليح الأحذية بعد ارتفاع أسعارها، قائلاً: "من المؤسف أن نقول ذلك.. ولكن ربّ ضارة نافعة..وهذا حال الدنيا".

وعن أجور تصليح الأحذية، أوضح "رضا" (55 عاماً) أنّها "مناسبة وتراعي أوضاع المواطنين، حيث تتراوح تكلفة خياطة الحذاء بين 10 و 20 ألف ليرة سورية قديمة، سواء كانت الدرزة ناعمة أم خشنة".

أما إلصاق الحذاء، فيكلّف ما يقارب 15 ألف ليرة سورية، وبالنسبة إلى أربطة الأحذية، فيبلغ سعر الزوج منها 5 آلاف ليرة سورية"، وفق ما أكد "رضا".

وأضاف: "تبديل النعل يتراوح بين 50 و 100 ألف ليرة سورية قديمة، وذلك يعتمد على نوع الحذاء، سواء كان لطفل أو لرجل أو لإمرأة.

وللحقائب نصيب أيضاً في التصليح عند الإسكافي بأسعار مناسبة، حيث تراوح سعر تغيير السحّاب الواحد من 20 إلى 30 ألف ليرة سورية قديمة، وإذا كان زر الحقيبة أو الكبسة بحاجة إلى تغيير، فتتراوح تكلفتها من خمسة إلى عشرة آلاف ليرة سورية.

وعلى مبدأ "دق الحديد وهو حامي"، عرضتُ حذائي الذي يحتاج إلى درزة صغيرة على العم "رضا"، فقال: "بساويلك إيّاه خلّي لبكرا.. وإذا بدك تحاسبيني هلّق، حاسبيني، ما بدك ليخلص.. أنا زلمة مسالم"، فضحكتُ قائلة: "يلّا أحسن ما آخد قرض لاشتري مثلو جديد!".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث