على مدى نيّفٍ ومئة عام، لم يترك لبنان بصمةً تثبت أنّه جنّة الفداحة والارتكاب والوقاحة والإفلات من العقاب، إلّا وأودعها في مسرح الجريمة بكامل علانيةٍ وازدراء. لبنان هو، بلا أدنى منافسة، جنّة العدم. وعلى عكس جنّة عدن، لا تفّاحةَ هنا ترسم الحدّ الفاصل بين الفضيلة والرذيلة، ولا قديرَ يحدّد الطاعة والعصيان، ولا كتابَ يعودُه التائهون للحسم؛ فكلّ شيءٍ مباحٌ بلا عتاب، ومستباحٌ بلا حساب ولا قواعدَ ولا رادعٍ ولا أصول.
"عُراةُ الجنّة"
هنا، تُمحى الفضيلة بمفعولِ الرجعيّةِ، وتُدفن الجريمة تحت الاعتياد؛ فلا ندمَ يُثقل كاهل الجاني، ولا ذهولَ يُربك ضحيةً أَلِفت المظالم. جنّةٌ حوّلت تفاحة الخطيئة إلى تحليةٍ عابرة، والجريمة إلى تسليةٍ وافرة، والعقاب إلى أمنيةٍ نافرة، والهناء والصواب إلى أطلالٍ داثرة؛ حتّى بات الانهيار حالةَ استقرار، واستحال العدمُ ملاذًا أخيرًا لعُراةِ تلك الجَنّة.
"ضحيّةٌ في البيتٍ الأبيض"
قبل قرابة العقد والنصف، وفي ليلة التاسع عشر من شباط عام 2010، اقتحم مسلّحون مُتخَمون بالسلاح والثقة بالإفلات من العقاب ملهى "البيت الأبيض" في بيروت؛ فنثروا كَمًّا هائلًا من ازدراء القانون والنيران بين الساهرين، وحصدوا الكثير من الرعب والصراخ، والعديد من الضحايا والأضرار، والكثير الكثير من رضا سيّد المصرف، ثم انصرفوا إلى "جهةٍ معلومة".
لم يؤرق الحسابُ جفون الجناة بتاتًا؛ فعرّابُهم "قاعد ع بنك" بالمعنيَيْن: المجازيّ والحرفيّ. وثقتهم العمياء تلك جاءت متبصّرةً وصائبة؛ إذ كانت تلك الحادثة إحدى أولى الحلقات الوقحة في مسلسل الإفلات من العقاب لسيّدهم... سيّد المصرف؛ حلقةٌ تلتها أخرى بعنوان "الانهيار"، تخطّت في الديستوبيا والخيال سيناريوهات إنتاجات هوليوود، وفي الخرافة ميثولوجيا الإغريق.
"تفّاحة أورتاغوس"
حتى في "جنة العدم اللبنانية"، ورغم استتباب اليأس والبؤس فيها، وانهيار سقوف التوقّعات، والتطبيع الكامل مع قوننة الجريمة، والتعالي على القانون، والإفلات السلس من العقاب؛ بقيت تفاحة التعامل مع العدو محرّمةً نسبيًّا وعسيرة الهضم، ومدعاة حرجٍ وتكتّمٍ ومهانةٍ ومهابة. لم يكن لأحدٍ أن يتخيّل أن يلتهم السيّد المصرفيّ نفسه "تفاحة أورتاغوس" على مائدة "بيبي"، في عزّ ارتكابات الأخير في أرض لبنان وأعتابه وبساتينه وأهله، وبهذا القدر من النهم والوقاحة والتعالي واللامبالاة.
"جنّة العدم"
فلو لم يتنعّم ذلك السيّد المصرفيّ بترف الإفلات من العقاب ليلة بلطجة ملهى "البيت الأبيض" في بيروت قبل ستة عشر عامًا، لما تجرّأ اليوم على التهام "تفاحة أورتاغوس" على مائدة نتنياهو، بجوار البيت الأبيض في واشنطن؛ وربّما كانت لا تزال حسابات اللبنانيّين تحوي بعضًا من غبار مدّخراتهم.
وإذا ما مرَّ التهام التفّاحة مرّةً جديدةً بلا حساب، فهل سيبقى في "جنّة العدم" ثمرةٌ واحدةٌ لم تلتهمها حصانة الأفاعي؟ وحدها الأيام القادمة كفيلةٌ بالإجابة... والغد قريبٌ لناظره.




