عاد كثير من النازحين إلى بلداتهم في جنوب لبنان، لكن العودة لم تعنِ بالضرورة نهاية النزوح. فبين دمار المنازل، وتأخر إعادة الإعمار، وتراجع الخدمات، يبقى كثير من العائدين في مرحلة انتقالية معلّقة بين الرغبة في البقاء والخوف من تجدد الحرب.
في دراسة "العودة المعلّقة: عودة النازحين إلى جنوب لبنان وتحديات التعافي" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، تُبحث تجربة العائدين من خلال شهاداتهم، بعيدًا من أرقام العودة فقط.
وتستند الدراسة إلى ثماني مجموعات نقاش شارك فيها 64 نازحًا ونازحة عادوا حديثًا إلى الجنوب، لتكشف أن العودة لم تكن نتيجة قرار رسمي واضح، بل جاءت بفعل التعلّق بالأرض، وضغوط النزوح، والحاجة إلى العمل، فيما بقي الاستقرار مرتبطًا بالأمن، وإعادة الإعمار، واستعادة سبل العيش، والثقة بالمؤسسات.
العودة بين الرغبة في البقاء وهاجس النزوح من جديد
تمثّل عودة النازحين إلى بلداتهم ومدنهم إحدى أكثر مراحل ما بعد الحروب تعقيدًا. فالعودة، خصوصًا في مراحلها الأولى، لا تعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب، كما أن الوصول إلى المنازل لا يقود تلقائيًّا إلى استعادة الحياة الطبيعية. ولكن، في كثير من الأحيان، تبدأ مرحلة جديدة تواجه فيها الأسر النازحة تحديات لا تقل صعوبة عما واجهته أثناء فترة النزوح، منها ما يشمل كيفية تأمين المسكن وتأهيله أو إعادة إعماره، والشعور بالأمن والأمان، وتأمين مصدر للدخل بعد انقطاعه، والحصول على الخدمات الأساسية والاجتماعية مثل التعليم والصحة، وإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية.
ثمّة دراسات تؤكد أن العودة المكانية، أي الرجوع إلى مكان السكن الأصلي، لا تتحول تلقائيًّا إلى حل مستدام ما دامت احتياجات الحماية والمساعدة المرتبطة بالنزوح قائمة. وتصبح العودة أكثر استقرارًا حين تتمكن الأسر من العيش بأمان، وتأمين سكن لائق، والوصول إلى الخدمات والتعليم والعمل، واستعادة حقوقها في السكن والأرض والملكية أو الحصول على تعويض عنها. لذلك، يتشكل قرار العودة من تطورات الوضع الأمني، والوضع الاقتصادي، والروابط الاجتماعية، ومدى الثقة في المعلومات المتوفّرة عن مناطق العودة.
لقد كانت العودة إلى جنوب لبنان خلال الأسابيع الأخيرة في بيئة اتسمت باستمرار الخروقات الأمنية، واتساع حجم الدمار، وتراجع الخدمات، وتأخر البدء بإعادة الإعمار، وغياب رؤية واضحة لدور الدولة ومؤسساتها ولمسار المرحلة المقبلة. لذلك، لم تكن العودة انتقالًا بسيطًا من مكان النزوح إلى مكان السكن الأصلي، بل شكلت اختبارًا لقدرة الأسر على البقاء والتخطيط والاستثمار من جديد. وقد انعكس ذلك بوضوح في روايات المشاركين وآرائهم الذين عادوا إلى منازل متضررة أو بلدات تعاني نقصًا حادًا في الخدمات.
إن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مفادها أن العودة ليست نهاية الأزمة ولو أنها تشكل بداية مسار الانتقال من حالة الحرب الى حالة التعافي. من هذا المنطلق، تسعى إلى فهم تجربة العائدين كما يروونها بأنفسهم، واستخلاص دلالات تساعد صناع القرار والجهات المانحة والبلديات والمنظمات غير الحكومية على تصميم سياسات وبرامج وتدخلات أكثر استجابة لاحتياجاتهم الفعلية وصوغها، خصوصًا في المرحلة الانتقالية بين النزوح والتعافي. فالتقييمات الفنية للأضرار، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم ما يؤثر في قرار الناس بالبقاء، أو ما يدفعهم إلى تأجيل ترميم منازلهم، واستئناف أعمالهم، وإعادة أبنائهم إلى المدارس، ولا تكشف مستوى ثقتهم في الدولة والبلديات والجهات المانحة أيضًا.
إنّ أهمية هذه الدراسة تنبع من انتقالها بالنقاش من مرحلة النزوح إلى مرحلة العودة؛ فقد حظيت أوضاع النازحين خلال الحرب بقدر كبير من التقييم والمتابعة، وقد ظلّ التركيز منصبًّا على النزوح حتى بعد بدء حركة العودة، وبقيت أوضاع العائدين وشروط استقرارهم أقل اهتمامًا وعناية، على الرغم من أن مرحلة العودة هي التي تتحدد خلالها فرص الاستقرار أو مخاطر تجدّد النزوح. ومن خلال روايات العائدين أنفسهم يمكن فهم الفجوة بين ظواهر العودة والواقع المعيش الذي يواجهونه بعد العودة .
وتربط الدراسة استدامة العودة بالأمن والأمان، والاقتصاد المحلي، والخدمات، والثقة، والتماسك الاجتماعي، بدلًا من اختزالها في إعادة بناء المساكن. فالبيوت قد تكون صالحة للسكن، لكن الأسر قد لا تشعر بالأمان. وقد تعود إمدادات الكهرباء، لكن الأسواق وفرص العمل والرعاية الصحية قد تبقى متعثرة. وقد تُعلن خطط للتعافي، لكن السكان لا يلمسون أثرًا واضحًا لها. من هنا، يلحُّ السؤال المركزي: ما الذي يجعل العودة بدايةً لاستقرار مستدام، لا مجرد عودة إلى مكان السكن؟
ترسم مجموعات النقاش في إجابتها عن هذا السؤال صورة مركّبة، وهذا ما تشرحه الدراسة. فثمّة تعلّق قوي بالأرض، ورغبة واضحة في البقاء، لكن هذه الرغبة تصطدم بالخوف من عودة الحرب، والضغوط الاقتصادية وخدمات غير مكتملة، وثقة ضعيفة في المؤسسات. لذلك، تبدو العودة، بالنسبة إلى قسم كبير من المشاركين في الدراسة، مرحلة انتقالية معلقة بين النزوح والاستقرار؛ فقد عادوا إلى منازلهم، لكن شعورهم بالاستقرار ظلّ هشًّا، وبقي هاجس النزوح من جديد حاضرًا في حساباتهم.
منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة منهجية نوعية استكشافية قائمة على ثماني مجموعات نقاش مركّزة ضمن جلسات، ضمّت كلٌّ منها ثمانية مشاركين ومشاركات، بإجمالي أربعة وستين مشاركًا ومشاركة. وراعى توزيع المجموعات التنوع بحسب الجنس والفئة العمرية، إذ خُصّصت أربع مجموعات للرجال وأربع للنساء، وتوزعت بالتساوي بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا والفئة من 30 إلى 60 عامًا.
لقد راعى اختيار المشاركين تنوّع أوضاعهم الاجتماعية، والاقتصادية وخبراتهم المعيشية والمهنية. وضمّت المجموعات مشاركين من شرائح اجتماعية ومهنية متنوعة، من بينهم مزارعون وأصحاب مصالح صغيرة. وهدفت الدراسة بشكل أساسي إلى جمع روايات متنوّعة تساعد في فهم أوجه التشابه والاختلاف في تجارب العودة.
وقد أُديرت الجلسات وفق دليل نقاش موحد تناول تجربة النزوح، وقرار العودة، ومصادر المعلومات، والسكن، والخدمات، والأمن، وسبل العيش، واحتمال تجدّد النزوح، وتقييم الاستجابة، وأولويات التعافي. وقد سُجِّلَت الجلسات بعد الحصول على موافقة المشاركين، ثم نُسخت التسجيلات ورُوجعت لضمان الدقة، كما حُذفت بيانات قد تكشف هويات المشاركين، ولم تُذكر أسماؤهم في الدراسة.
اســــتند التحليـــل إلى قراءة موضوعيـــة للنصوص المفرغة، واســــتخراج الموضوعــات المتكررة، ومقارنة أنماط الإجابات بحسب الجنس والعمر. واستُخدم تكرار الموضوعات لبيان مدى حضورها في النقاشات، من دون اعتباره مقياسًا لانتشارها في الرأي العام. وقد اختيرت اقتباسات واردة في الدراسة لما تنقله بوضوح من تجارب ومواقف برزت في أكثر من جلسة، ولقدرتها على طرح جوانب شديدة الحساسية والتعقيد بلغة مباشرة.
أمّا أبرز قيود الدراسة فتتمثل في أن عددًا كبيرًا من سكان القرى الأقرب إلى خطوط المواجهة لم يكن قد عاد وقت عقد الجلسات، ما يعني أن تمثيل الأسر غير القادرة على العودة لم يكن حاضرًا بالقدر الكافي؛ فضلًا عن أن المشاركين ينتمون إلى بيئة اجتماعية وبيئة طائفية متقاربتين، وهو ما يحد من إمكان مقارنة التجربة بأخرى في مجتمعات مختلفة. والجدير بالذكر أن طبيعة النقاش الجماعي قد تؤثر في طريقة التعبير عن القضايا السياسية الحساسة أيضًا، إما من خلال زيادة الجرأة لدى بعض المشاركين وإما التحفظ لدى آخرين.
مع ذلك، توفر الدراسة مادة نوعية غنية توثق لحظة انتقالية شديدة الحساسية. فهي لا تسعى إلى الإحاطة بتجارب جميع سكان الجنوب، لكنها تقدم فهمًا أعمق لكيفية قراءة العائدين تجربتَهم، والعوامل التي تدعم استقرار العودة أو تبقيها معلّقة، وما يتوقعونه من أجهزة الدولة والبلديات والجهات المانحة في مرحلة التعافي. إن هذه المعرفة تشكل بداية مهمة لتصميم برامج تعافٍ تنطلق من تجارب الناس واحتياجاتهم الفعلية، ولا تقتصر على معالجة الأضرار المادية وحدها.
قرار العودة وشكلها
تكشف مجموعات النقاش أن العودة لم تكن، في معظم الحالات، استجابة لقرار رسمي أو لتوجيه حكومي واضح، وإنما جاءت نتيجة تداخل الحنين إلى المنازل، وضغط كلفة النزوح، والحاجة إلى تفقد الممتلكات أو استئناف العمل، إلى جانب متابعة عودة النازحين الآخرين. لذلك، لم يكن القرار وليد لحظته أو استنادًا إلى مصدر محدد، بل تبلور تدرّجًا مع تغير الظروف وشعور الأسر بأن الاستمرار في مكان النزوح أصبح أصعب من المخاطرة بالعودة.
وبرز التعلّق بالمنازل والبلدات بوضوح في روايات المشاركين، لا سيما النساء اللواتي تحدّثن عن الراحة التي لا يجدنها إلا في بيوتهن، وعن افتقادهن الإحساس بالانتماء في أماكن النزوح. وقد عبرت إحدى المشاركات بالقول: "الواحد بيرتاح ببيتو أكتر"، وقالت أخرى: "ما في انتماء بمكان ما كان عايش الواحد". وتداخل هذا الدافع العاطفي مع ضغوط معيشية متزايدة، من بينها كلفة الإيجار، وضيق السكن، وطول فترة الإقامة المؤقتة، ما دفع بعض الأسر إلى العودة قبل توفّر ضمانات كافية.
بالنسبة إلى بعض الرجال والشباب، ارتبطت العودة بالعمل وتفقد الممتلكات. فقد قال أحد المشاركين: "العالم رجعت، اضطررت أن آتي لكي ألبي الناس وأشتغل". وعاد آخرون بسبب الدراسة، أو لصعوبة إدارة حياتهم في أماكن النزوح. أما لدى بعض كبار السن، فارتبط القرار بالبيت والكرامة وعدم القدرة على تحمل النزوح، حيث قال أحدهم أنهم عادوا "على الضيعة بكرامتنا" بعد الذي واجههم من ضغوط في مكان الإقامة المؤقتة.
وكانت متابعة عودة النازحين الآخرين من أبرز العوامل المؤثرة في القرار. وقد عبر أحد المشاركين بالقول: "ما حدا قال ارجعوا، بس الناس لحالها رجعت"، وأضاف آخر: "العالم عم تاخد شعور الأمان من بعض". تكشف هذه العبارات أن حركة الناس أصبحت مصدرًا للمعلومات والطمأنينة، وحلت جزئيًّا محل التوجيه الرسمي. وقد عاد بعض المشاركين بعد إرسال فرد من الأسرة لتفقد الوضع، أو بعد ملاحظة عودة الحركة والناس إلى البلدة.
في المقابل، عبّر المشاركون عن ضعف الثقة في المصادر الرسمية والسياسية والإعلامية. لم يشعر كثيرون أن الدولة أو الجيش أو البلديات أو القوى السياسية وفّرت لهم إرشادات واضحة بشأن توقيت العودة ومستوى الأمان. وتكررت عبارات مثل: "لم نحصل على معلومات" و"لا يوجد مصدر رسمي". وفي إحدى المجموعات، جاءت الإجابة المباشرة عن سؤال الثقة: "لا أثق بأحد".
وإلى جانب متابعة حركة الناس، ثمّة شباب اعتمدوا على الأخبار ووسائل التواصل وبعض الإشارات السياسية الخارجية. وقد ذكر أحدهم أنه قرأ خبرًا عن إعلان وقف إطلاق النار، ورأى الناس يعودون، فعاد معهم. وهذا ما يوضح أن قرار العودة تبلور لدى بعضهم في ظل معلومات متفرقة وغير مكتملة، اعتمدت على متابعة الأفراد وتقديراتهم الشخصية.
تشير هذه الدينامية إلى فجوة واضحة في إدارة العودة. فمع غياب التوجيه الرسمي، تمضي الأسر في اتخاذ قراراتها بالاعتماد على مصادر بديلة تتباين في مضمونها ويصعب التحقق من دقّتها. ويترك ضعف التواصل الرسمي الأسر النازحة من دون معلومات واضحة عن المناطق الأكثر أمانًا، والخدمات المتاحة، والطرقات المفتوحة، والإجراءات الواجب اتباعها عند تجدد الخطر.
ومن خلال النقاشات في الجلسات، برزت مسألة دور القوى السياسية المحلية في قرار العودة؛ فقد توقّع بعض المشاركين صدور توجيه من هذه القوى، لا سيما "الثنائي الشيعي" في ظل استمرار الخروقات وعدم اكتمال الانسحاب من بعض المناطق. وقال أحد الشباب: "كنا ننتظر بيانًا، لكن لم يقوموا بذلك، ورأينا العالم ترجع لذلك أتينا". ولم يتفق المشاركون على تفسير هذا الغياب؛ فقد رأى بعضهم أنه يعكس عدم وضوح الوضع الأمني، فيما ربطه آخرون بتفاهمات إقليمية ودولية تتجاوز القرار المحلي.
على الرغم من ذلك كله، فإن طبيعة الدراسة لا تسمح بتعميم هذه المواقف السياسية، لكنها تكشف مسألة أساسية، هي أن المشاركين لم يجدوا جهة واحدة موثوقًا فيها يرجعون إليها عند اتخاذ قرار العودة. وهذا يؤكد حاجة الدولة والبلديات والمؤسسات العامة إلى منظومة تواصل رسمية تزوّد العائدين بمعلومات واضحة ومحدّثة عن المخاطر والخدمات والإجراءات المتاحة.
العودة لا تعني الاستقرار
على الرغم من عودة المشاركين إلى بلداتهم، فإن كثرًا منهم لم يشعروا بأنهم استعادوا حياتهم. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تفاوت الأضرار التي لحقت بالمنازل؛ فاقتصر بعضها على الزجاج والأبواب وشبكات الكهرباء، فيما أصبح بعضها الآخر غير صالح للسكن أو دُمّر بالكامل. وعاد بعض المشاركين إلى أحياء تفتقر إلى المياه والكهرباء والاتصالات. وعن هذا قال أحد الشباب: "يوجد الكثير من الدمار ولا يوجد مقومات للحياة من مياه وكهرباء وإرسال".
ثمّة عائدون اضطروا إلى الإقامة لدى الأقارب أو في مساكن بديلة داخل البلدة؛ فقد قال أحد الشباب: "هناك أضرار كبيرة، أنام حاليًّا عند جدتي"، بينما اختصرت إحدى الفتيات تجربتها بقولها: "راح البيت". من هنا، نستنتج أن العودة إلى البلدات لا تعني بالضرورة العودة إلى المنازل، وأن ثمّة أسرًا قد تبقى نازحة داخل مكان العودة نفسه. وقد ظلّت حقائب كثيرين جاهزة، فيما تأجّل الترميم وبقيت الخطط البديلة قائمة. قال أحد المشاركين: "الشنط والأغراض بعدها بالسيارة"، وقالت إحدى النساء: "غراضنا بضلوا بالشنط، ما قادر تستقر". وهذا ما يكشف أن ثمّة أسرًا لا تزال تدير حياتها بمنطق الطوارئ، وتتعامل مع العودة باعتبارها إقامة مؤقتة قد تنقطع مع أي تدهور أمني.
ولا يرتبط الخوف من النزوح المتجدد بالوضع الأمني وحده، بل بقدرة الأسر على تحمّل كلفة نزوح جديد أيضًا؛ فالأسرة التي استنزفت مدخراتها خلال النزوح السابق قد لا تتمكن من استئجار مسكن آخر أو الانتقال بسرعة. وقد عبر أحد الرجال عن ذلك بالقول: "ما عاد حدا بدو يستقبلنا... وإذا ما معك مصاري بتنام بالشارع". تكشف هذه العبارة تداخل الخطر الأمني مع الخوف من الفقر والتشرّد وصعوبة العثور على مكان بديل.
من هنا، تميّز الدراسة العودة المكانية من العودة المستدامة. فالعودة المكانية تعني استئناف الإقامة في البلدة أو المنزل، أما العودة المستدامة فتقتضي استعادة القدرة على العيش والتخطيط والعمل والاستثمار والبقاء. وتشير الروايات إلى أن كثرًا من المشاركين ما زالوا بين المرحلتين: عادوا إلى المكان، لكنهم لم يستعيدوا بعد القدرة على التخطيط للمستقبل بثقة.
علاوة على ذلك، تختلف طريقة التعبير عن هذه الهشاشة بين المشاركين والمشاركات. فقد ركّز الرجال غالبًا على إمكان العمل وحالة المنازل وإمكان السكن فيها وتقدير المخاطر؛ بينما عبّرت النساء بصورة أوضح عن القلق النفسي والاستعداد الدائم للمغادرة؛ أما الشباب، فربطوا العودة بالدراسة والعمل والأصدقاء والقدرة على استعادة الحياة الطبيعية. وهذه الفروق تعكس تعدّد وجه التجربة نفسها بين المشاركين والمشاركات.
من هذا المنطلق، يمكننا القول إن عدد العائدين، لا يكفي للحكم على نجاح العودة من عدمه. فاستدامتها تبدأ بوقف فعلي ومستدام للأعمال الحربية، ثم بتوفير الشروط التي تتيح للأسر البقاء وفي مقدّمها استقرار السكن، والبدء بالترميم، واستعادة مصادر الدخل، وانتظام التعليم والخدمات. ومن دون هذه المقومات، قد ترتفع أعداد العائدين من دون أن تتوفّر لهم فعليًّا شروط البقاء لأن هذه الأرقام وحدها لا تعكس بالضرورة مدى استقرار العودة واستدامتها.
الأمن والأمان بوصفهما شرطين أساسيين للتعافي
تُظهر النتائج فجوة واضحة بين توقف العمليات العسكرية الواسعة وشعور السكان بالأمان. فقد بقي احتمال تجدّد الحرب، إلى جانب تحليق المسيّرات والغارات والاستهدافات الإسرائيلية واستمرار احتلال مناطقَ واسعة من الجنوب، حاضرًا في حياة المشاركين وتقديرهم للمخاطر. لذلك، لم ينظر معظمهم إلى وقف إطلاق النار المعلن في حزيران/يونيو 2026 بوصفه نهاية للحرب، بل رأوا فيه مجرد توقف مؤقت للأعمال العسكرية قد ينتهي في أي لحظة.
وقد اختلفت لغة التعبير عن الخوف بين المشاركين والمشاركات، حيث ركز الرجال والشباب على احتمالات الحرب والاستهدافات والمخاطر الميدانية، بينما وصفت النساء والفتيات التجربة من خلال أثر الأصوات والحركة على حياتهن اليومية. وعن هذا قالت إحدى المشاركات: "الطيران الحربي أكتر شي بيعملي قلق"، وقالت أخرى: "نخاف من صوت الصاروخ". واختصر أحد الشباب مخاوفه بقوله: "ممكن ترجع تولع".
لا يعني هذا الفرق في التعبير أن الرجال أقل خوفًا من النساء، لأنه يعكس ببساطة اختلاف موقع كل فئة في الحياة اليومية؛ فالرجال تحدثوا أكثر عن الحركة التجارية والعمل وتقدير مصدر الخطر، فيما ربطت النساء الأمن باستقرار الأسرة والأطفال والقدرة على الخروج من المنزل. وكان كبار السن أقل استعدادًا للمخاطرة من الشباب، نتيجة ثقل تجربة النزوح وصعوبة تكرارها.
لذا، ما عاد الأمن محورًا منفصلًا عن بقية قضايا التعافي؛ فقرارات إصلاح المنازل، وإعادة مزاولة الأعمال، وزراعة الأرض، وإرسال الأبناء إلى المدارس، كلها قرارات ارتبطت بتقدير الأسر لاحتمال استمرار الهدوء أو تدهور الأوضاع الأمنية. لذلك، فإن غياب الاستقرار الأمني يرفع كلفة العودة، حتى حين تتوفّر بعض الموارد المتاحة. وقد قالت إحدى المشاركات:"ما رح نصلح الآن لنشوف الوضع".
لذلك، تظهر بوضوح العلاقة بين الأمن والاقتصاد في تردد أصحاب المصالح في إعادة تفعيل/تشغيل أعمالهم ومصالحهم أو استثمار أموال إضافية فيها، وفي تفكير مشاركين في نقل أعمالهم إلى مناطق أكثر أمانًا، إضافة إلى تردّد المزارعين في الاستثمار في موسم جديد إذا كان الوصول إلى الأراضي محفوفًا بالمخاطر، وتحجم الأسر عن إنفاق مدخراتها على ترميم منازل قد تتضرر مجددًا.
إن أثر انعدام الأمن يمتد إلى العلاقات الاجتماعية؛ فقد تحدث مشاركون عن تجنب مناطق معينة أو التوقف عن التنقل بعد استهدافات قريبة. فقد قال أحد الشباب أنه لم يعد يذهب إلى منطقة معينة بعد قصف مدفعي أثناء وجوده فيها. أما النسوة فقلن أنهن يحددن حركتهن بسبب الخوف، حتى عندما تكون الطرق مفتوحة رسميًّا.
إن هذه الإفادات تكشف أهمية التمييز الآمن بتعريفه النظري من شعور الناس بالأمان. فقد تتحسن المؤشرات الأمنية "رسميًّا"، لكن السكان لا يتخذون قراراتهم استنادًا إلى المعطيات الميدانية وحدها، بل إلى ما يرونه ويسمعونه ويشعرون به أيضًا. وهنا تكمن أهمية بناء الثقة باستمرار عبر معلومات موثوقة، وتواصل رسمي، وإزالة مخلفات الحرب، وتأمين الطرق، وإظهار قدرة الدولة على حماية الحياة اليومية.
من هنا، فإن المطلوب يتمثل في إدماج الأمن في مختلف برامج التعافي، بما يشمل سلامة الطرق، والوصول إلى الأراضي، وإزالة مخلفات الحرب، وتوفير معلومات موثوقة وخطط طوارئ واضحة. وهذا يتطلب استعدادًا مسبقًا لأي نزوح محتمل، بما يخفف الخوف من المجهول ويتيح استجابة أسرع إذا تجدّدت الحرب.
المسكن وفجوة المساعدات بعد العودة يُشكل المسكن نقطة الالتقاء الأولى بين العودة وإمكانية الاستقرار. والمسكن هنا هو المكان الذي تستعيد فيه الأسرة خصوصيتها وروتينها اليومي وقدرتها على إدارة شؤون حياتها. غير أن الكثير من المشاركين في الدراسة عادوا إلى منازل متضررة أو غير صالحة للسكن، أو إلى أحياء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ما أبقى عودتهم أقرب إلى إقامة مؤقتة منها إلى استقرار فعلي.
وقد انعكست هذه الخسائر في أعباء مالية يصعب على كثير من الأسر تحمّلها. وقدّر بعض الرجال المشاركين في الدراسة كلفة الأضرار والإصلاح بما بين خمسة آلاف واثني عشر ألف دولار، ووصلت في إحدى الحالات إلى ثلاثين ألفًا، شملت أضرارًا لحقت بمؤسسة تجارية. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام لا تمثّل تقديرات فنية دقيقة، فإنها تبيّن اتساع الفجوة بين كلفة إعادة التأهيل والموارد المتاحة للأسر.
وحتى حين كانت الأضرار محدودة نسبيًّا، لم يكن قرار الترميم محسومًا فقد ربط المشاركون الإنفاق على منازلهم بمدى ثقتهم في عدم تجدد التصعيد؛ فقد قالت إحدى المشاركات: "ما رح نصلح الآن لنشوف الوضع"، فيما رأت مشاركة أخرى أن غياب إعادة الإعمار مؤشر إلى أن الحرب لم تنته بعد: "إذا صار في إعادة إعمار يعني خلصت الحرب؛ طالما ما في، يعني ما في بوادر خير".
وتكشف الدراسة أيضًا عن فجوة بين الدعم المتاح أثناء النزوح والاحتياجات التي برزت بعد العودة. فقد قدمت مبادرات مجتمعية ومنظمات غير حكومية وبعض الجهات الرسمية دعمًا للأسر خلال فترة النزوح، لكن معظم المشاركين عبّروا عن شعور بأن الاستجابة انحسرت بعد العودة، في وقت اتسعت احتياجاتهم لتشمل ترميم المنازل، وتأمين بدل الإيجار، وإزالة الركام، وإعادة تشغيل الخدمات، واستعادة مصادر الدخل.
وعند سؤال المشاركين عن المساعدة في الترميم أو السكن المؤقت، توحّدت الإجابات على النفي؛ فقال أحد الشباب: "حتى لا أحد سألنا ولا نحن سألناهم"، وقالت إحدى النساء: "لا، ما حدا سأل". وفي بعض الحالات، اقتصرت المساعدة على إرسال عامل من البلدية لتنظيف الردم والزجاج، وهي خطوة مفيدة لكنها لا تغطي كلفة الترميم ولا توفّر بديلًا سكنيًّا لمن فقدوا منازلهم. وقد تحدث مشاركون عن زيارات وكشوفات لم يتبعها دعم فعلي. قالت إحدى المشاركات: "إجوا كشفوا شي أربع مرات وفلّوا". وتوضح هذه الإفادة أن تكرار تقييم الأضرار من دون متابعة أو نتائج ملموسة أبقى مسار التعويض والترميم غير واضح بالنسبة إلى المشاركين. وربط بعض المشاركين تأخّر التعويضات بهشاشة الوضع الأمني وحالة عدم الاستقرار، فقد نقلت إحدى النساء ما قيل لها: "الشيكات مطبوعين، بس ما رح نوزعون لأن راجعة الحرب، ما بدنا ندفع مرتين". وبصرف النظر عن دقة هذه المعلومة، فإن تداولها يعكس غياب الوضوح/الشفافية بشأن مصير التعويضات، ويعمّق شعور المشاركين بأن هذا المسار ما زال معلّقًا.
وقد ظهرت فروقات في طريقة تناول الرجال والنساء أوضاع السكن. فقد ركز الرجال على كلفة الأضرار وحالة المنازل والقدرة على تحمل نفقات الترميم، بينما ربطت النساء المسكن بالاستقرار العائلي. وحتى المشاركات اللواتي عُدن إلى منازل صالحة للسكن، ظلّ الشعور بعدم الاستقرار حاضرًا لديهن، إذ تحدثن عن إبقاء حقائبهن جاهزة تحسبًا للنزوح مجددًا. ويُظهر ذلك أن القدرة على الإقامة في المنزل لا تعني بالضرورة استعادة حياة مستقرة.
تشير هذه الإفادات إلى غياب مسار واضح يربط حجم الضرر بنوع الدعم وموعد الحصول عليه. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى برنامج وطني لإعادة الإعمار والتعافي المبكر، يصنّف المساكن بحسب درجة الضرر إلى ثلاث فئات: مهدّمة كليًّا، وغير قابلة للسكن، ومتضررة جزئيًّا. ويربط كل فئة بنوع مناسب من الدعم، سواء عبر بدل سكن مؤقت، أو منحة عاجلة للترميم، أو إعادة بناء. وينبغي أن يترافق ذلك مع إنشاء سجلات بشكل شفاف يتيح لكل أسرة معرفة وضع ملفها، والجهة المسؤولة عنه، والخطوات والمهل المتوقعة.
ولا يمكن أن يقتصر هذا البرنامج على إصلاح المنازل، لأن استقرار الأسر يرتبط أيضًا باستعادة الأحياء والبلدات والقرى خدماتها الأساسية. لذلك، ينبغي أن يشمل هذا البرنامج إزالة الركام، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وفتح الطرق وتأمين الإنارة، وإعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية، بما يربط التعافي السكني باستعادة الخدمات والحياة اليومية.
تحدي إعادة الخدمات العامة واستعادة الحياة اليومية
تكشف الدراسة أن عودة السكان لم تترافق مع استعادة الحياة اليومية بالوتيرة نفسها. فقد استعادت بعض البلدات الكهرباء أو المياه جزئيًّا، إلا أن النشاط التجاري وحركة الأسواق ظلّا محدوديـن، والاتصــالات متقطعـة، والوصول إلى الرعايـــة الصحيـــة غيــــر منتظــم، وفــرص العمـــل قليلـــة. لــذلك، وصـــف مشاركون حياتهم بأنـها ناقصة، حتى الذين عادوا للإقامة في منازلهم.
لقد قال أحد المشاركين: "لا يوجد حياة أصلًا"، وقال آخر: "المنطقة ميتة"؛ تلخص هاتان العبارتان معنى التعافي من منظور السكان: فالحياة اليومية تقوم على منظومة مترابطة من السكن والعمل والتعليم والصحة والحركة والعلاقات الاجتماعية. وعندما تتعطل عناصر عدة في الوقت نفسه، لا يشعر الناس بأنهم عادوا فعلًا.
وأظهرت الإفادات أن ثمّة تفاوتًا في التغذية الكهربائية بين القرى؛ فقد رأى مشاركون أن التغذية تحسنت مقارنة بفترة الحرب، لكنهم ربطوا ذلك بانخفاض الضغط نتيجة انقطاع الكهرباء عن قرى أخرى أو دمارها؛ فقال أحدهم: "ما عم يعطوا الضيع المدمرة"، وقالت مشاركة: "التغذية الكهربائية انقطعت عن كتير مناطق، عم يعطوها لهون". وهذا يعني أن التحسن المحلي قد يخفي خللًا أوسع في توزيع التغذية.
أما بالنسبة إلى الشباب، فقد ارتبطت الحياة اليومية بالأصدقاء والحركة والدراسة والعمل والترفيه؛ إذ قال أحدهم: "أنا بعمر عشرين سنة، الحياة هي أن تكون مع أصدقائك... ولكن حاليًّا لا يوجد شيء"؛ تعكس هذه العبارة أن التعافي بالنسبة إلى الشباب يتجاوز تلبية الاحتياجات الأساسية ليشمل استعادة حياتهم الاجتماعية وما يرتبط بها من شعور بالمستقبل. أما كبار السن، فركزوا على القلق الأمني، وتوتر الأسرة، وتراجع الحركة الاقتصادية، حيث قال أحدهم: "زوجتي وأولادي عم يضلوا متوترين وخايفين"؛ وقد ربطوا صعوبة الحياة اليومية باستقرار الأسرة والدخل والقدرة على الاستمرار.
أما حول تأمين المياه، فقد جاءت الإجابات متباينة، حيث قال بعض المشاركين إنها متوفـــرة، فيمـا قالت مجموعــة من النساء: "ما في مياه من الأساس". يكشف هذه التباين أهمية التقييم علـــى مسـتوى الحي والبلدة، لا الاكتفاء بمؤشرات عامة. وبقيت الاتصالات والإنترنت غير مستقرّين، وهذا أمر لا يقتصر أثره على التواصل الشخصي؛ فالاتصالات ضرورية للعمل والتعليم والوصول إلى المعلومات والخدمات المالية. وقال مشاركون ثمّة شبكات لا تعمل في أحيائهم، ووصف آخرون خدمة الإنترنت بأنها ضعيفة.
أما الوصول إلى الدواء والطبابة، فكان متاحًا جزئيًّا. هذا وتحدث مشاركون عن نقص بعض الأدوية، وعدم توفر جميع الاحتياجات في الصيدليات. أما الوصول إلى أطباء فكان يوجب التوجه إلى صيدا أو إلى بيروت. تزداد خطورة هذا الأمر على كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، لا سيما مع اضطرار بعضهم إلى التنقل خارج المنطقة للحصول على رعاية صحية.
أضف إلى ذلك أنّ الأسواق التجارية لم تعد إلى نشاطها الطبيعي، لا سيما في المناطق الأكثر تضرّرًا؛ واقتصر نشاطها على محال الغذاء والصيدليات وبعض الخدمات الأساسية، فيما ظل نشاط بقية المحال والورش الصناعية محدودًا؛ فقد قال أحد الشباب في معرض حديثه عن سوق النبطية: "إذا أردنا التسوق نذهب إلى صيدا"، وهذا ما يدفع الأسر إلى إنفاق جزء من احتياجاتها خارج المنطقة، الأمر الذي يبطئ تعافي الأسواق والمؤسسات المحلية.
لا تقتصر أهمية الأسواق التجارية على توفير السلع وحسب، فهي مصدر للعمل ومؤشر على استعادة الحركة في البلدات أيضًا. لذلك ينبغي أن تشمل عملية إعادة الإعمار برنامجًا لإعادة فتح الًاسواق والورش والمؤسسات الصغيرة، بالتوازي مع ترميم المساكن.
من هنا، يبدو أن استعادة الحياة اليومية تتطلب التعامل مع الخدمات بوصفها منظومة مترابطة، لا قطاعات منفصلة. ويمكن قياس التقدم من خلال انتظام المياه والكهرباء، وفتح المدارس والمراكز الصحية، وإعادة فتح المؤسسات والأسواق، وسهولة الوصول إلى الدواء والخدمات، وهي مؤشرات تعكس واقع الناس بصورة أدق من قيمة الإنفاق وحدها.
توهُّن الاقتصاد المحلي وتحدي استعادة سبل العيش
تظهر الدراسة أن الحرب خلّفت أثرًا اقتصاديًّا شديد السوء على الأسر العائدة؛ فقد توقّفت أعمال بعض الناس، وتلفت بضائع في المحال، وتضررت مواسم زراعية، وازدادت المصاريف خلال النزوح، واستُنزفت المدخرات. وعادت أسر كثيرة إلى بلداتها بموارد أقل وقدرة محدودة على ترميم منازلها أو إعادة تشغيل أعمالها.
قال أحد الشباب: "الثلاثة مداخيل (التي تحصّلها أسرته) والتي نصرف منها توقفت بالحرب"؛ وقال آخر: "لا يوجد دخل أصلًا"، وهذا ما يشير إلى أن ثمّة أسرًا فقدت مصادر دخل عدة في وقت واحد، في وقت ارتفعت كلفة النزوح نتيجة الإيجارات، والكهرباء والمياه والنقل.
لقد اعتمدت أسر كثيرة على مدخراتها، وعلى مساعدة الأبناء والأقارب، وتحويلات المغتربين، أو الرواتب الثابتة لمن استمر دخله من عمله؛ قالت إحدى النساء: "بنتي عم تساعدنا"، وقالت أخرى: "بناتي عم يشتغلوا". هذا ولجأت أسر إلى بيع ما تملكه من ذهب، وإلى تأجيل بعض الالتزامات، منها النفقات المدرسية، ما زاد الأعباء المتراكمة عليها. وعلى الرغم من تمكن بعض الأسر من تغطية الحد الأدنى من نفقاتها فترة محدودة، فإن اعتمادها المستمر على المدخرات والدعم العائلي يضعف قدرتها المالية مع مرور الوقت. ومع تراجع هذه الموارد، تصبح قدرة الأسر على تغطية نفقاتها الأساسية محدودة.
إلى جانب التعويضات، شدّد المشاركون على أهمية توفير فرص عمل، ودعم الزراعة، وإعادة فتح المؤسسات الصغيرة والأسواق. وتعكس هذه المطالب رغبتهم في استعادة مصادر دخلهم والعودة إلى الإنتاج، إلى جانب حاجتهم إلى الدعم العاجل. وقال أحدهم أن الاستثمارات أفضل "لأنها بتجيب الشغل"، فيما رأى آخر أنها تمنح الشباب فرصة للبقاء في البلد.
وقد برز موضوع العمال المياومين أيضًا، بوصفهم أكثر الفئات العاملة هشاشة؛ فوصف أحد المشاركين خلال الجلسات النقاش وضعهم بالقول: "صاحب الدخل اليومي إذا ما اشتغل ما بيقدر يعيش"؛ فدخلهم يرتبط بتوفّر العمل يومًا بيوم، ويتوقف فور إغلاق الأسواق والورش أو تراجع نشاط البناء والزراعة.
فضلًا عن ذلك، فقد تضرر أصحاب المؤسسات الصغيرة من تلف البضائع وتراجع عدد الزبائن وعدم القدرة على إعادة شراء غيرها؛ وقد يعني تضرّر محل صغير فقدان أسرة كاملة مصدر دخلها الأساسي. لذلك، ينبغي أن تشمل برامج التعافي منحًا صغيرة سريعة، وتمويلًا ميسرًا، لإعادة فتح المحال واستئناف النشاط التجاري.
أمّا الزراعة فقد برزت بوصفها أحد القطاعات الأكثر تضررًا، حيث تضرّرت المواسم، وتراجعت قدرة عدد من المزارعين على مواصلة الإنتاج؛ يقول أحد المشاركين: "درجة أولى المزارعون، راح كل شيء". إضافة إلى ذلك، وتحتاج استعادة النشاط الزراعي إلى دعم المزارعين لاستئناف الإنتاج والوصول إلى الأسواق، إلى جانب دعم الأنشطة والمشروعات المحلية المرتبطة بهذا القطاع.
لقد كان الشباب أكثر الفئات تعبيرًا عن القلق من ضياع المستقبل، فتحدث بعضهم عن ترك الجامعة، أو نقل أعمالهم، أو الهجرة... وقال أحد الشباب: "عم أخسر حياتي، وخصوصًا بعمري العشرين، ولا يمكنني الدراسة بهذه الظروف". توضح هذه الإفادة كيف يدفع تعطل الدراسة والعمل بعض الشباب إلى إعادة النظر في مستقبلهم وفي إمكان البقاء في الجنوب.
هنا لا بد من الإشارة إلى مسارين متوازيين: دعم عاجل يساعد الأسر على تلبية احتياجاتها الملحّة، واستثمارات محلية تعيد تشغيل المؤسسات والأسواق التجارية وتوفر مصادر دخل أكثر استدامة. وهنا يمكن ربط جزء من الإنفاق على إعادة الإعمار بالتشغيل المحلي، من خلال تدريب الشباب، وتشغيل العمال المحليين، وإسناد بعض الأعمال المناسبة إلى المؤسسات الصغيرة، مع ضمان الشفافية والجودة؛ فمن شأن ذلك إبقاء جزء من الإنفاق داخل المناطق المتضررة ودعم تعافيها الاقتصادي.
إن بقاء الأسر في بلداتها يرتبط بتعافي الاقتصاد المحلي؛ إذ يتطلب الاستمرار فيها فرص عمل ومصادر دخل، إلى جانب ترميم المنازل. لذلك، ينبغي أن يشمل قياس التعافي استعادة مصادر الدخل وفرص العمل ونشاط الأسواق، إلى جانب إعادة البناء.
الخوف من النزوح المتجدد
أظهرت النقاشات أن احتمال النزوح من جديد ما زال حاضرًا في وعي معظم المشاركين، بمن فيهم الذين عادوا إلى منازلهم. فقد بات الاستعداد للمغادرة جزءًا من حياتهم اليومية، وتكررت عبارات مثل "أكيد"، و"مجهزي حالي للنزوح"، و"بعدني أصلًا نازح تقريبًا" عند السؤال عن احتمال المغادرة مجددًا.
يرتبط هذا الخوف بتجربة النزوح السابقة، بما رافقها من أعباء. فقد تذكّر المشاركون صعوبة إيجاد مأوى وكلفة الإيجار، وضيق السكن، وشعور بعضهم بأن بعض المناطق لم تعد راغبة في استقبال النازحين؛ فقد قال أحد الأشخاص: "عندي قلق من البهدلة"، وهذه عبارة تجمع بين الخوف من الخطر ومرارة تجربة النزوح نفسها.
ثمّة أسر ميسورة أبقت على المساكن التي استأجرتها خلال فترة النزوح تحسّبًا للحاجة إليها مجددًا، غير أن استمرار هذا الخيار يظلّ مرهونًا بقدرتها على تحمّل كلفة الإيجار. في المقابل، لم يكن لدى الأسر التي استنزفت مدخراتها بديل واضح؛ فقد قالت إحدى النساء: "أنا يمكن ضل بالبيت، ما في محل روح عليه"؛ وهذا يشير إلى تفاوت في قدرة الأسر على تأمين مكان بديل في حال تجدد النزوح.
لقد شملت الخطط البديلة أيضًا نقل مكان العمل، أو البحث عن عمل في منطقة آمنة، أو الاستقرار خارج الجنوب، أو الهجرة؛ فقد قال أحد الشباب: "لدي خطة نقل عملي إلى منطقة النزوح"، وقالت إحدى النساء: "عم فكر أنقل شغلي على صيدا". بهذا يكون النزوح قد أعاد تشكيل قرارات الأسر بشأن العمل ومكان الإقامة والمستقبل.
وقد غيّرت التجربة نظرة بعض الشباب إلى مستقبلهم، وباتت الهجرة خيارًا مطروحًا لدى بعضهم، حيث قال أحد المشاركين: "بحياتي لم أكن أفكر بالهجرة، ولكن حاليًّا أفكر بترك الجامعة والذهاب"؛ تعكس هذه العبارة تراجع الثقة في إمكان بناء المستقبل في المنطقة.
وقد طاول التفكير في المغادرة كبار السن أيضًا، حيث قال رجل ستيني: "أنا عمري ستين سنة وبدي فل"؛ وقد دفع ما راكمته التجربة من تعب بعض كبار السن إلى إعادة النظر في البقاء.
ثمّة نساء مشاركات ربطن النزوح المتجدد بالتعب النفسي وصعوبة إعادة ترتيب الحياة؛ إذ قالت إحدى الفتيات: "أنا بعد ما استقريت لحتى انزح"، وقالت أخرى: "لوين هل المرة بدي فل؟". يرتبط الخوف هنا من الاضطرار إلى بدء حياة جديدة، بعد كل ما تطلبه التأقلم والعودة من جهد.
يتطلب تثبيت العودة وقفًا فعليًّا ومستدامًا للأعمال الحربية، إلى جانب توفّر فرص العمل والسكن والخدمات والثقة في المؤسسات. وفي ظل عدم توفّر هذه المقومات، سيظل خيار المغادرة قائمًا لدى أسر كثيرة. ويستدعي احتمال تجدّد النزوح، إذا حصل، وضع خطة وطنية واضحة تشمل مراكز استقبال لائقة، وتأمين الطرقات، ودعمًا للإيجار، وتدابير تراعي الفئات الأكثر هشاشة، وقواعد واضحة لتوزيع المسؤوليات بين الوزارات والبلديات والمنظمات المعنية.
التماسك المجتمعي وتراجع الثقة في المؤسسات
امتدت تبعات الحرب إلى علاقة العائدين بالمؤسسات وإلى الروابط داخل المجتمع المحلي. وبرز ضعف الثقة في تقييم المشاركين للاستجابة الرسمية، ومخاوفهم من المحسوبيات وتأخر التعويضات، وتفضيل بعضهم طلب الدعم من جهات رأوا أن إجراءاتها أكثر شفافية. لذلك، يرتبط التعافي أيضًا بقدرة المؤسسات على تحقيق نتائج ملموسة ضمن إجراءات واضحة ومنصفة.
وكان تقييم مؤسسات الدولة سلبيًّا في معظم المجموعات؛ إذ تكررت عبارات مثل: "ما في دولة" و"الدولة علينا مش معنا". وفي المقابل، عبّر شباب عن موقف أقل حدة، فقالوا أن الدولة "عم تجرب". وعلى الرغم من هذا الانتقاد، فإن الدولة بقيت في نظر المشاركين الجهة المسؤولة عن توفير الأمن، واستلام ملف إعادة الإعمار، وتنظيم التعويضات، وإعادة الخدمات. أمّا استعادة الثقة فتبدأ بخطة واضحة، ومعايير معلنة للتعويض، ومعلومات دورية، وآلية تتيح للأسر متابعة ملفاتها والاعتراض عند الحاجة.
أمّا تقييم البلديات فقد جاء متفاوتًا؛ إذ ثمّة مشاركون أشادوا بفتح الطرق وإزالة الركام، فيما قال آخرون: "البلدية ما عم تسأل" و"كأن مش موجودين". ويستدعي هذا التقييم دعم البلديات بالموارد والقدرات وآليات التنسيق، مع نشر الأولويات والموازنات ولوائح المستفيدين، وتوفير قنوات واضحة للشكاوى والمتابعة.
أما الجهات المانحة والأمم المتحدة فقد حظيت بثقة نسبية لدى بعض المشاركين، بسبب ما نُسب إليها من تنظيم وشفافية، في وقت عبّرت مشاركات خلال جلسات النقاش عن خشية من تحوّل الإشراف الخارجي إلى نفوذ. وأمام هذا التباين، تبرز الحاجة إلى شراكة واضحة الأدوار: تتحمل الدولة مسؤولياتها السياسية والقانونية، وتوفر الجهات المانحة التمويل والخبرة والرقابة، وتشارك المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات.
أما على المستوى الاجتماعي، فأظهرت النقاشات تباينًا أكبر في تقييم الحرب وأدوار الفاعلين السياسيين، حيث قال أحد المشاركين: "ناس ضد الحرب وناس مع"، وقالت مشاركة: "حتى في نفس العائلة يوجد رأيان"، كما أشار بعضهم إلى اتساع مساحة الانتقاد تجاه "حزب الله" و"حركة أمل"، ووردت في بعض المداخلات انتقادات لإيران. وقال أحد الشباب: "الآن يمكنك أن تعطي رأيك بدون خوف"، فيما وصفت إحدى النساء أثر الخلاف داخل الأسرة بقولها: "العائلة بين بعض معش تحكي مع بعض". وتوثّق هذه الإفادات ديناميات ظهرت داخل المجموعات المشاركة، من دون أن تمثل المجتمع الشيعي ككل.
إن هذه التحولات تضع التماسك الاجتماعي وحرية التعبير ضمن أولويات التعافي. فالمجتمعات المحلية تحتاج إلى مساحات حوار آمنة تعترف بالخسائر، وتتيح النقاش من دون وصم أو تخوين. كما يتطلب ذلك توزيع المساعدات وفق الضرر والحاجة، وبعيدًا من الانتماء السياسي.
وقد برز لدى النساء والشباب اختلاف في الاحتياجات والأولويات، حيث ركزت النساء على الصحة والتعليم والمياه والرعاية والضغط النفسي، فيما ركز الشباب على التعليم والعمل والهجرة والفرص الضائعة. في جميع الأحوال، يستدعي ذلك توفير الدعم النفسي والاجتماعي، والمنح التعليمية، وفرص التدريب والعمل، إلى جانب إشراك النساء والشباب في اللجان المحلية وفي تحديد أولويات التعافي.
من هنا، يمكن القول إن الثقة تُبنى من خلال وضوح الإجراءات وعدالتها وسهولة متابعتها. ويشمل ذلك اعتماد معايير معلنة للمساعدة والتعويض، ونشر المعلومات بانتظام، وإنشاء آليات للشكاوى والاعتراض، وفصل الدعم عن الانتماء السياسي. وكلما كانت الإجراءات أكثر وضوحًا وإنصافًا، تراجع الاعتماد على الوساطات والتكهنات، وتعزّز تعاون السكان العائدون مع برامج التعافي.
توصيات: مسارات تثبيت العودة والتعافي
تقترح الدراسة أن تركز الاستجابة في هذه المرحلة من العودة على توفير شروط بقاء الأسر في مناطقها واستقرارها فيها، حيث يُقاس التقدم في هذا المضمار بقدرة الأسر العائدة على استعادة مصادر دخلها، والوصول إلى التعليم والصحة والخدمات، والشعور بالأمان، وتراجع حاجتها إلى إبقاء خطط بديلة للنزوح.
إن هذه الأولويات يرتبط بعضها ببعض؛ فالأمن يتيح الترميم والعمل، والخدمات تجعل العودة قابلة للاستمرار، وتوفر سُبل العيش يعد موردًا أساسيًّا للبقاء، فيما تدعم الحوكمة والتماسك الاجتماعي ثقة السكان وقدرتهم على مواجهة الأزمات.
تعزيز الأمن والاستقرار
يتطلب تثبيت العودة توفير معلومات رسمية موثوقة للعائدين، وخرائط واضحة للمناطق الخطرة، وآليات فعّالة للإنذار والتواصل، إلى جانب معالجة مخلفات الحرب وتأمين حرية الحركة والوصول إلى الأراضي. ويرتبط ذلك بتواصل رسمي يبيًن المخاطر بدقة، من دون تهويل أو طمأنة لا تستند إلى الواقع.
إطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار
يتطلب مسار إعادة الإعمار خطة وطنية تقودها الحكومة اللبنانية، تحدد حجم الأضرار، وترتيب الأولويات، وأدوار المؤسسات، ومصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ. وينبغي أن تشمل الخطة السكن والبنية التحتية والأسواق والمرافق العامة، وأن تتيح للمجتمعات المحلية المشاركة في تحديد الاحتياجات ومتابعة التنفيذ.
إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية
تشمل هذه الأولوية إعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وتأهيل الطرق، وفتح المدارس والمراكز الصحية والصيدليات، ودعم خدمات النقل وإعادة فتح الأسواق المحلية. وينبغي تحديد الاحتياجات والأعمال ذات الأولوية على مستوى البلدة والحي، نظرًا إلى التفاوت الكبير في حجم الأضرار وتوفّر الخدمات بين المناطق.
تمكين البلديات واتحادات البلديات
تحتاج البلديات واتحادات البلديات إلى موارد مالية وقدرات فنية وآليات تنسيق منتظمة مع الوزارات والجهات المانحة. وينبغي أن يقترن هذا الدعم بنشر الخطط والموازنات ولوائح المستفيدين، وتوفير قنوات واضحة للشكاوى والمساءلة، إلى جانب إشراك ممثلين عن المجتمع المحلي في تحديد الأولويات ومتابعة البرامج المرتبطة بها.
استعادة سبل العيش وتنشيط الاقتصاد المحلي
تتطلب استعادة سبل العيش الجمع بين مساعدات نقدية عاجلة للأسر الأكثر تضررًا، ودعم الزراعة والمؤسسات الصغيرة ومصادر الدخل اليومية، وبرامج تشغيل مرتبطة بإعادة الإعمار. وتُعطى الأولوية للأسر الأكثر تضررًا، وللشباب والنساء، ولمن فقدوا مصادر دخلهم أو يعتمدون على عمل غير ثابت.
تعزيز الحوكمة والشفافية
يتطلب بناء الثقة اعتماد معايير معلنة للمساعدات والتعويضات، وفصل الدعم عن الانتماء السياسي، وإنشاء آليات واضحة للشكاوى والاعتراض والمتابعة. كما ينبغي نشر بيانات دورية عن التمويل والتنفيذ، وتوفير معلومات تتيح للأسر معرفة وضع ملفاتها والجهات المسؤولة عنها.
الاستثمار في التماسك الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي
تشمل هذه الأولوية توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين النساء والشباب، وحماية مساحة التعبير، وفتح حوارات محلية غير حزبية، ودعم المبادرات التي تعزز التعاون بين الأسر والمجتمعات والمؤسسات.
ولمتابعة التقدم، ينبغي اعتماد مؤشرات تتجاوز عدد المنازل المرممة، وتشمل استقرار الأسر، واستعادة مصادر الدخل، وانتظام المدارس والخدمات، وإعادة فتح الأسواق، ومستوى الثقة في المؤسسات، وتراجع نية النزوح والهجرة. ويبقى هذا الإطار قابلًا للتحديث مع تغير الوضع الأمني، وتوفّر التمويل، ووتيرة العودة. ويمكن إنشاء منصة مشتركة بين الحكومة والبلديات والجهات المانحة لنشر البيانات ومتابعة مؤشرات التعافي على مستوى المناطق.
في جميع مراحل التنفيذ، ينبغي أن يبقى احترام كرامة العائدين أساسًا للبرامج والسياسات؛ فهم مواطنون لهم الحق في الأمن والسكن والعمل والخدمات، وليسوا عبئًا أو طرفًا يتحمل مسؤولية الحرب. أضف إلى ذلك أنّ لغة مؤسسات الدولة والجهات المانحة وطريقة تواصلها مع الناس تؤثران مباشرةً في استعادة الثقة وترميمها.
كيف يمكن الانتقال من إدارة العودة إلى بناء التعافي؟
تبيّن الدراسة أن عودة أسرٍ كثيرة من السكان إلى بلداتهم لم تُنهِ أزمة النزوح؛ فالتحدي اليوم هو توفير شروط بقائهم واستقرارهم، بعدما عاد كثيرون من دون أن يستعيدوا الشعور بالأمان أو القدرة على العمل والتخطيط للمستقبل. لذلك، تبقى العودة مرحلة غير مكتملة، قد تقود إلى التعافي أو تنتهي بنزوح جديد.
وقد ارتفع عدد العائدين بشكل متزايد، لكن مسار التعافي لا يزال غير مكتمل؛ ويُقاس نجاحه بقدرة الأسر على الاستقرار في منازلها ومجتمعاتها من دون أن يبقى النزوح احتمالًا قائمًا. وذلك يتطلب رؤية وطنية متكاملة تجمع بين الأمن وإعادة الإعمار والتنمية المحلية والحوكمة والتماسك الاجتماعي، وتضع كرامة الناس وحقهم في الاستقرار في صلب السياسات.
أمّا التعافي فيتوقف على توفّر الأمن والخدمات وسبل العيش وبناء الثقة والتماسك الاجتماعي؛ فقد ترمّم الأسرة منزلها إذا لم تتجدّد الحرب، لكنها قد تغادره إذا غابت فرص العمل أو التعليم أو الرعاية الصحية... وقد تعود الأسواق التجارية تدريجيًا، فيما يبقى الاستثمار محدودًا مع استمرار الخوف من الحرب. وحتى مع توفّر التمويل، قد يتعثر التنفيذ بسبب ضعف الثقة المؤسساتية وغياب الشفافية.
هذا وتقيس الأسر التعافي من خلال ما تستعيده من حياتها اليومية:
-
هل استقر العمل؟
-
هل يستطيع أي مريض الوصول إلى المستشفى؟
-
هل عاد الطالب إلى مدرسته؟
-
هل تستطيع النساء والشباب الخروج من دون خوف؟ وهل توقفت الأسر عن التفكير في النزوح من جديد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي المؤشر الحقيقي للانتقال من عودة معلَّقة إلى تعافٍ مستدام.




