أصدر مجلس الوزراء يوم الخميس 25/6/2026 مرسوم المناهج اللبنانية للتعليم قبل الجامعي، وجاء إعلان الأسباب الموجبة في ثماني نقاط، والتوجهات الجديدة للمناهج في عشر نقاط كالمقاربة بالكفايات واعتماد الميادين والحقول المعرفية وإطار إدماجي، والتقييم والسلم التعليمي وغيره.
يستند المرسوم إلى الإطار العام للمناهج الذي جرى تعديله أكثر من خمس مرات قبل إقراره بعهد الوزير الحلبي عام 2022، إلا أن الوزيرة ريما كرامي وفريقها أعادوا دراسته مع الأوراق المساندة له، وعدلوا أو صححوا بعض التوجهات في الأوراق المساندة وفي المقاربة التربوية للمناهج وجوانب أخرى.
بقايا مشروع S2R2
الملفت أن تحديث المناهج أقر في اتفاقية قرض وهبة البنك الدولي وجهات مانحة المعروف ب S2R2 بقيمة 204 مليون دولار الموقعة عام 2017 وكان المفترض أن ينتهي المشروع عملياً في شباط 2021 على أن تستمر التصفية والتدقيق والإجراءات المحاسبية وبعض التقييمات أو المراحل المتبقية من المشروع، وقد حدد المشروع الإنفاق خلال مرحلة التصفية بحدود 15 مليوناً و7 ملايين دولار للعامين 2022 و 2023. لكن جرى تمديد العمل بالمشروع سنتين أي حتى شباط 2023 بسبب الحجر الصحي وتعثر تنفيذ الخطة كما وردت.
وكان الجزء الأهم والأكثر تعثراً هو تحديث المناهج وتطبيق المرحلة التجريبية وقد تأخرت هذه المهمة 5 سنوات بفعل الكورونا والتعقيدات الأخرى. خصص مشروع S2R2 ما قيمته 28 مليون دولار لتحديث ووضع وتجريب وتعديل المناهج - مؤشر رقم 7- كما ورد في وثيقة التقييم المسبق للبنك الدولي (LB- 10814) وهي موزعة كالتالي: مؤشر أول موافقة اللجنة العليا على خطة عمل وإجراءات عمل قياسية لتطوير المنهج الدراسي بقيمة 4 ملايين دولار، ومؤشر إتمام تصميم المنهج بقيمة 15 مليون دولار، ومؤشر تجريب المنهج الدراسي في 6 مدارس لكل مستوى بقيمة 9 ملايين دولار. هذه المؤشرات ضمنها مهام تفصيلية كان المفترض أن تنتهي في العام 2021 في تجريب المراحل الثلاث للروضات والابتدائي والثانوي.
حتى اليوم، لم يصدر أي تقرير مالي أو تقييم من وزارة التربية أو ديوان المحاسبة، المكلف بالتدقيق المالي حسب الاتفاقية، يفند الإنفاق في S2R2، ولا بيان لما تبقى من أموال أو الأنشطة التي كانت مقررة. لا نعرف فعليا كم ترك البنك الدولي في حساب المشروع لمرحلة التصفية وكيف تنفق ومن يعمل لتصفية المشروع، وهل فعلا تحتاج المناهج إلى 28 مليون دولار لإعدادها وتطبيقها.
مناهج قبل تحديد الحكومة رؤيتها للتعليم
صدور المرسوم الذي يحدد بعض التوجهات التربوية أتى ناقصاً، هذا عدا عن كونه تقني تربوي ويخلو من سياسة تربوية واضحة. والأمر عنيه ينطبق على إصدار الإطار العام للمناهج السابق الذكر، الذي أتى قبل إنجاز الأوراق الأساسية (وليس المساندة) لتوجيه الإطار العام للمناهج، وعلى أساس الأوراق البحثية الأساسية، التي من المفترض أن تبني الحكومة رؤيتها للتعليم على أساسها، وأن تحدد غاياتها منها، لتعمل بعدها وزارة التربية على صياغة توجهات تربوية استناداً إلى رؤية الحكومة وغاياتها المستقبلية.
المسار الذي قدمه المرسوم أتى بالمقلوب. ويعود ذلك إلى ثغرات في تخطيط مشروع S2R2 والضغوط الدولية لا سيما توصيات اليونسكو وأهداف التنمية 2030 التي فرضت توجهات غير ملائمة لوضعنا التربوي بعد 25 عاماً من جمود المناهج وتراجع في جودة التعليم والأزمات. وجرت صياغة التوجهات العالمية من دون فهم أو إدراج مضامينها في الإطار العام للمناهج بين STEM و STEAM والبنائية الإجتماعية ثم صفات المتعلم وفهم المواطنة ومصفوفات المدى والتتابع والبعد الرقمي وإضافة اختصاصات مثل بكالوريا الفنون والتكنولوجيا... وظهر المثل الفاقع في دمج مادة التاريخ مع مواد العلوم الإنسانية والإجتماعية، الذي يكشف أنه أتى كمخرج لسرديات الطوائف وليس لتطوير تعليم المادة.
وظهر التخبط في إعداد المناهج بأن الدولة لم تحدد رؤيتها الوطنية الأساسية، وإذا كانت تريد حقاً أن تبني مواطناً، أم تعزز الانقسامات، أو تعزز المصالحة الحقيقية، أم ستترك لكل طائفة ومعلم حق سرد حكايته كما يراها زعيم من هنا أو مدير مدرسة من هناك. فبناء مهارة التفكير النقدي والتحليل لدى المتعلمين يتطلب أولاً بناء قدرة المعلم على لعب دور الميسّر الموضوعي المتجرد من الاصطفاف وأن يتدرب على تنشيط جلسات الحوار الإيجابي والبناء في الحيز المدرسي، وهذا غير متوافراً اليوم ولن يكون في المستقبل القريب في ظل الإنقسام الحاد في البلاد الذي سيتجسد في مضمون التاريخ وفي علم الاجتماع والاقتصاد والتربية أيضا.
عوائق كبرى أمام المناهج
من البديهي أن تعمل وزارة التربية والمركز التربوي على إعداد مناهج ويسعيان لتحقيقها. وغالبا ما تكون المناهج أقرب إلى أحلام وتوقعات التربويين الذين وضعوه. لكن حين تبدأ مراحل التطبيق الفعلي تظهر العقبات في الواقع. انتهى العمل بالإطار العام للمناهج عام 2022 وانتهت العمل بالأوراق المساندة عام 2026، وسندخل المرحلة التجريبية في العام الدراسي 2026-2027 وسيتم تعديل المضامين والمنهجيات بناءً عليها وسيصدر التعديل نهاية العام 2027. سيبدأ التطبيق الكامل للسنة الأولى من كل مرحلة تعليمية في العام 2027-2028 وستضم الصفوف الأخرى تباعاً بمعدل صف من كل مرحلة كل سنة. وستطبق المناهج على كل الصفوف والمراحل في العام 2029-2030. أي فعلياً يكون قد مضى على الإطار العام 10 سنوات، وهي المدة اللازمة لإعادة تغيير أو تحديث المناهج من جديد مع تطور النظريات التربوية والتقانة! حينها ربما تفرض ضرورة التخلي عن البعد الرقمي إعادة النظر من جديد. لكن الأسوأ من ذلك أن التطبيق الفعلي للمناهج في لبنان سيتزامن مع انتهاء المشروع الأممي "أهداف التنمية 2030". ما يعني أننا قد نضطر من جديد إلى الالتحاق من جديد بالموضة الجديدة التي سيختارها لنا المجتمع الدولي لا سيما أننا نستجيب منذ التسعينات لبرامجه التعليمية.
العائق الثاني الأكثر تعقيداً هو تأهيل المعلمين والمعلمات وتدريبهم على المقاربة التربوية الجديدة في المناهج، وهو التحدي الأكبر على وزارة التربية. فهل تستطيع الوزارة والمركز التربوي تأهيل وتدريب 40 ألف أستاذ من الهيئات التربوية والإدارية خلال هذه السنوات المتبقية ومراقبة الأداء، والتواصل مع كلية التربية لتعديل مناهجها لإدخال التوجهات التربوية الجديدة للطلاب الجدد، لا سيما دمج بعض الاختصاصات مثل التاريخ والعلوم الاجتماعية والاقتصاد في مادة واحدة؟!
العائق الثالث يتعلق بإضافة اختصاصات جديدة في البكالوريا مثل الفنون والتكنولوجيا. فهذا الأمر يتطلب إعداد التلامذة للتعامل مع الفنون وفهمها والتعبير من خلالها، منذ المراحل التعليمية الأولى. وهذه المواد تتطلب معلمين مؤهلين من خريجي كلية التربية – تربية فنية أو اعتماد تخصص التكنولوجيا في كلية التربية أو إعداد الكثير من طلاب الفنون والتكنولوجيا إعداداً متقدماً لتعليم هذه المواد، وهذا غير متوفر ولن يتوفر في السنوات الخمس المقبلة.
أما العائق الأكبر والأهم فيكمن في الموارد البشرية. فالمناهج المقترحة بمثابة قفزة لنحو 30 سنة مرة واحدة (آخر تعديل للمناهج كان في 1997) وهذا سيؤدي حكماً إلى خلل في النظام التعليمي، لا سيما أن مهارات الموارد البشرية لم تتطور خلال السنوات السابقة مع تطور المناهج حينها. وحتى المناهج السابقة بدت كأنها بمثابة قفزة زمنية كبيرة تفوق قدرات الموارد البشرية. فالهيئات التعليمية في الملاك متعبة وشائخة ومثقلة بالهموم وغير متحفّزة، هذا فيما الأساتذة المتعاقدين غير مستقرين وظيفياً ومستضعفين ومستغلين.
بين المرسوم الذي صدر عن الحكومة والواقع هوة عميقة. لم يضع المرسوم (وهذا خطأ يتكرر في الحكومات المتعاقبة) أي تصور لآليات التنفيذ أو تكليف وزارة التربية أو أي هيئة أخرى لوضع آليات التنفيذ بواقعية والبناء عليها.
عددنا آنفاً ثلاثة عوائق فقط من أصل عشرات العوائق كنوع من نماذج عن العوائق المؤسسية التي تحول دون تحقيق المناهج المناسبة للدولة وتطبيقها. وتجربة تطبيق مناهج العام 1997 خير دليل على فشل التطبيق الوطني. وعليه فإن الإطار الجديد للمناهج سيعود، ويسقط كلياً أو جزئياً مثل سلفه، وحينها نكتشف أننا كنا نهدر الأموال العامة مجدداً. بيد أن المؤسف في الموضوع أن التربية لن تحصل على فرص النهوض مجدداً إلا بعد 30 سنة أخرى.




