كلما ضاقت الدنيا في وجهي، كنت أترك ضجيج دمشق خلفي وأسير على قدمي من حي التجارة حتى أصل إلى التكية السليمانية، لم أكن أبحث عن مقهى، ولا عن مكان أهرب إليه من صخب المدينة، بل كنت أقصد رجلاً يجلس بصمت خلف نول خشبي، ينسج آخر ما تبقى من زمن الحرفيين.
من نول في التكية السليمانية... بدأت الحكاية
كنت أجلس في الساحة المقابلة له، أراقب أصابعه وهي تتحرك بين الخيوط بخفة من يعرفها منذ عمر كامل، لم يكن يستعجل شيئاً، ولم يكن يلتفت إلى المارة كانت قطعة القماش تكبر ببطء، بينما كنت أشعر أن شيئاً في داخلي يهدأ.
كان يرفع رأسه بين حين وآخر، يبتسم، ثم يناولني فنجان شاي من دون أن يسألني لماذا جئت، أحدثه عن همومي، عن الحياة التي تركض أسرع مما ينبغي، فيشير إلى النول أكثر مما يتكلم، وذات يوم، دعاني للجلوس مكانه.
أمسكت بالخيط، وحاولت أن أقلد حركات يديه، لكنني اكتشفت سريعاً أن النسيج ليس مجرد مهنة، بل مدرسة في الصبر، كل خيط يجب أن يجد مكانه، وكل حركة يجب أن تكون محسوبة، وأي استعجال قد يفسد ساعات من العمل.
في ذلك اليوم تعلمت درساً لم أجده في الكتب؛ أن المستقبل لا يبنى بالقفز فوق التفاصيل، بل بنسجها، خيطاً فوق خيط، تماماً كما ينسج الحرفي قطعة بروكار.
من أنوال الحضارات... ولدت الحكاية
ابتعد ليُفسح للرجل مكانه، فأتمادى في الأسئلة أكثر: لماذا تجلس كل هذا الوقت وهناك مصانع تنسج في أقل من دقيقة؟ فيبتسم ويقول: لكن يوجد نَوّال واحد… هو أنا. ورثتُ المهنة عن أجدادي، ثم يروي بذاكرة العارف، لا من باب القراءة بل من باب الحفظ الشفهي، أن المؤرخين حتى اللحظة لم يتمكنوا من تحديد اللحظة التي وُلدت فيها صناعة النسيج في سوريا وحلّ لغزها، لأنها أقدم من النصوص التي أرّخت لحياة الإنسان على هذه الأرض.
يصمت وهو ينسج خيطًا جديدًا، ويربّت بيده على النول قائلاً: "في إيبلا وأوغاريت وماري كُشف عن أثقال أنوال، وأدوات غزل، وبقايا أقمشة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد تحوّلت إلى سلعة تجارية وصلت إلى أسواق بعيدة، عابرةً طرق التجارة بين بلاد الرافدين والأناضول وشرق المتوسط".
يحضن النول كأنه يحضن طفلاً، غير آبهٍ بالآلات ولا بمنتجها… هنا التاريخ يتكلّم.
دمشق... المدينة التي نسجت اسمها في العالم
تقول كتب التاريخ المدون ان دمشق حين أصبحت عاصمة للدولة الأموية، لم تتحول إلى مركز سياسي فحسب، بل أصبحت أيضاً واحدة من أهم عواصم الصناعة والتجارة في العالم الإسلامي.
كانت القوافل تدخل المدينة محملة بالحرير الخام القادم من الشرق، لتخرج منها أقمشة فاخرة يقصدها التجار من مختلف أنحاء العالم، وفي أسواقها، ولا سيما حول الخانات القديمة، ازدهرت ورش النساجين الذين لم يكتفوا بإنتاج الأقمشة، بل طوروا تقنيات جديدة في الزخرفة والحياكة جعلت المنسوجات الدمشقية تتميز عن غيرها.
قليل من المدن استطاعت أن تحول اسمها إلى جزء من القاموس العالمي، كانت دمشق واحدة منها، فمن شهرة منسوجاتها الحريرية اشتق الأوروبيون اسم "الدامسكو" (Damask)، الذي أصبح منذ العصور الوسطى مصطلحاً يطلق على أحد أشهر أنواع الأقمشة المزخرفة،ولم يكن ذلك مجرد مصادفة لغوية، بل ثمرة قرون من التميز الذي جعل المنسوجات الدمشقية مطلوبة في الأسواق الأوروبية، حتى تجاوز اسم المدينة حدود الجغرافيا ليصبح مرادفاً لهذا النسيج الفاخر. لكن الجوهرة الحقيقية للصناعة الدمشقية كانت البروكار.
لم يكن البروكار مجرّد قماش، بل قطعةً فنيةً تتشابك فيها خيوط الحرير الطبيعي مع خيوط الذهب والفضة، لتنتج نسيجاً يحتاج الحرفيون إلى أسابيع، وربما أشهر، لإنجاز قطعةٍ واحدة.
حلب... حيث أصبح النسيج اقتصاداً
وإذا كانت دمشق قد صنعت الشهرة التاريخية للنسيج السوري، فإن حلب هي التي منحته ثقله الاقتصادي، فعلى مدى أكثر من قرن، تحولت المدينة إلى العاصمة الصناعية الأولى في سوريا، حتى غدت مصانعها وورشها القلب الحقيقي لهذه الصناعة.
استفادت حلب من موقعها التجاري الذي ربطها بالأناضول والعراق وساحل البحر المتوسط، ومن وجود طبقة من التجار والصناعيين الذين أدركوا مبكراً أن المستقبل لن يبنى بالتجارة وحدها، بل بالصناعة أيضاً.
ومع بدايات القرن العشرين، بدأت مصانع الغزل والنسيج الحديثة بالظهور، قبل أن تشهد المدينة، خلال النصف الثاني من القرن، طفرة صناعية كبيرة جعلتها تضم أكبر تجمع لمصانع الغزل والحياكة والصباغة والتجهيز وصناعة الألبسة الجاهزة في البلاد.
ولم تكن قوة حلب في عدد مصانعها فقط، بل في تكامل منظومتها الصناعية من مواد خام تصل من حقول القطن، ثم تنتقل إلى المحالج، فمصانع الغزل، ثم الحياكة والصباغة والتجهيز، قبل أن تتحول إلى ألبسة ومفروشات جاهزة للتصدير.
حين صمتت الأنوال
لكن الصناعات، مهما بلغت قوتها، تبقى رهينة الاستقرار، ومع اندلاع الحرب عام 2011، دخل قطاع النسيج واحدة من أصعب مراحله منذ نشأته، كانت حلب، التي مثلت لعقود القلب الصناعي لسوريا، في قلب المعارك أيضاً. توقفت خطوط الإنتاج، وانقطعت الكهرباء، وتعطلت سلاسل النقل، وتعرضت مئات المصانع للتدمير أو النهب، بينما وجد آلاف العمال أنفسهم خارج معامل كانوا يعتقدون أنهم سيقضون فيها أعمارهم.
لم تكن الخسارة في الإسمنت والحديد والآلات فقط، الخسارة الحقيقية كانت في الإنسان.
غادر مهندسون، وفنيون، وحرفيون، وأصحاب مصانع، يحمل كل واحد منهم خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة. بعضهم خرج وفي ذهنه أنه سيعود بعد أشهر، لكن الأشهر تحولت إلى سنوات، والسنوات صنعت واقعاً جديداً.
في تلك المرحلة، لم تتوقف الأنوال لأنها نسيت كيف تنسج، بل لأنها فقدت المكان الذي كانت تدور فيه.
يومها أدركتُ فعلاً إصرار ذلك الرجل العجوز على الاحتفاظ بالنول الخشبي. سارعتُ إلى البحث عنه في التكية التي تحوّلت، في أيام النظام السابق، إلى مستعمرة تعود ملكيتها لأسماء الأسد تحت اسم العلامة التجارية "أبها". أجدُ الرجل جالسًا في أحد المحال، وكأنها حوّلته إلى تحفةٍ للفرجة. يدخل فيعرّفني، ثم يصمت، وكأن ما تكسّر بداخله أكبر من أن يُقال. وكما هاجر هو من محله الذي ورثه عن أجداده رغماً عنه... هاجر النسيج أيضاً.
من حلب إلى مصر... عندما هاجرت المصانع قبل أصحابها
كانت مصر الوجهة التي استقبلت الجزء الأكبر من هذه الهجرة الصناعية، وللمرة الأولى في تاريخ الصناعة السورية، لم يهاجر العمال فقط، بل هاجرت المصانع نفسها.
فككت خطوط الإنتاج، ونقلت الآلات، وشحنت المعدات، وغادرت معها خبرة تراكمت في حلب على مدى أكثر من قرن. وفي مدن مثل السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان، والعبور، وبدر، بدأت مصانع جديدة تحمل بصمة الصناعي السوري.
لم يحتج هؤلاء إلى سنوات طويلة حتى يثبتوا حضورهم. فقد نقلوا معهم ثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وخبرة النساجين، وشبكات التوريد، وحتى العلاقات التجارية التي بنتها الصناعة السورية عبر عقود.
وخلال سنوات قليلة، أصبحت الاستثمارات السورية من أبرز الاستثمارات العربية في قطاع الملابس والمنسوجات في مصر، وأسهمت في إنشاء مئات المصانع والورش، وتوفير آلاف فرص العمل، وتعزيز الصادرات المصرية إلى الأسواق الخارجية.
كانت تلك واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً، فالصناعة التي صنعت مجد حلب، كانت تواصل نجاحها خارج حلب. لكنها، في الوقت نفسه، حافظت على هويتها. فالخبرة بقيت سورية، والحرفيون ظلوا ينسجون بالطريقة نفسها، وكثير من المنتجات التي خرجت من تلك المصانع حملت الروح ذاتها التي ولدت في الأزقة الصناعية لمدينة حلب.
ولذلك، يمكن القول إن صناعة النسيج السورية لم تمت خلال سنوات الحرب، بل غيرت عنوانها مؤقتاً.
محاولة لالتقاط الخيط من جديد
اليوم، وبينما تستضيف دمشق معرض "ناس تكس 2026" برعاية الرئيس أحمد الشرع، يبدو المشهد مختلفاً.
فالحديث لم يعد يدور فقط حول بيع الأقمشة أو توقيع العقود، بل حول إعادة بناء قطاع عرف السوريون قيمته جيداً، قطاع يمتلك تاريخاً يمتد لآلاف السنين، وخبرات ما زالت حية، وأسواقاً لم تنس جودة المنتج السوري.
ولعلّ الرسالة الأهم التي يحملها المعرض هي أن التعافي الاقتصادي لا يبدأ دائماً من الصناعات الجديدة، بل من الصناعات التي أثبتت قدرتها على البقاء. فالنسيج السوري لم يكن مجرّد تجارة؛ كان هويةً، وكان ثقافةً، وكان ذاكرةَ وطن.
لا أعرف أين أصبح ذلك الحرفي الذي كنت أجلس أمامه في التكية السليمانية، ولا أعرف إن كان النول الذي كان يحركه بيديه ما زال يدور، أم أصبح قطعة صامتة في زاوية من زوايا المكان، لكنني أعرف شيئاً واحداً، كلما رأيت قطعة بروكار، أو سمعت صوت نول، أو قرأت خبراً عن مصنع عاد إلى العمل، يعود ذلك الرجل إلى ذاكرتي.
أتذكر ابتسامته الهادئة، وأصابعه التي كانت تتحرك بثقة، وكأنها تعرف أن الخيوط، مهما تشابكت، لا بد أن تجد طريقها في النهاية.




