زوطر الغربية فقدت ملامحها: بيتي تدمّر، ضيعتي ماتت، بس اشتقت

نغم ربيعالأحد 2026/07/26
زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)
ينتشر الجيش اللبناني الذي يتولى تنظيم عملية الدخول (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

على مدخل زوطر الغربية، باتجاه الصوان، حيث الطريق الوحيد المفتوح حالياً المؤدي إلى البلدة، لا يشبه الانتظار أي انتظار آخر. هنا، يقف أهالي البلدة ينتظرون لحظة اللقاء بقرية حُرموا منها لأشهر طويلة. يتصافح أبناء القرية، يتعانقون، يسألون بعضهم عن الأحوال، ويهنئون بعضهم بالسلامة، في مشهد يشبه لقاء الناجين بعد غياب قسري طويل.

 

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

منذ ساعات الصباح الأولى، بدأت السيارات تتجمع تباعاً عند المدخل. عشرات العائلات وصلت باكراً، بعضها يحمل المياه والطعام، وبعضها الآخر لا يحمل سوى شوق العودة وأمل العثور على شيء من المنزل ما زال قائماً. وفي الحديقة الواقعة بين قعقعية الجسر وزوطر الغربية، تتشكل يومياً صورة أخرى للحكاية؛، فهي تحولت إلى مساحة انتظار طويلة يتجمع فيها الأهالي بانتظار دورهم للدخول إلى البلدة.

هناك، يختلط ثقل المشهد ببساطة التفاصيل اليومية. أطفال يحملهم آباؤهم على الأكتاف، وآخرون يركضون ويلهون غير مدركين تماماً حجم الدمار الذي ينتظرهم في الجهة الأخرى من الطريق. يجلس كبار السن على الأرصفة أو تحت ظلال الأشجار، يراقبون المدخل بصمت، فيما يفترش بعض الرجال الأرض لأداء الصلاة، وتحضر عناصر من كشافة الرسالة الإسلامية لتوزيع المياه والطعام على المنتظرين، محاولة التخفيف من مشقة ساعات الانتظار الطويلة.

 

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

لم يعد التعب خافياً على الوجوه. ساعات طويلة من الانتظار داخل السيارات، تحت الشمس، قبل أن يحين الدور. ومع ذلك، لا أحد يغادر الطابور. فكل دقيقة انتظار، بالنسبة إلى هؤلاء، تبقى أهون من أشهر الغياب التي سبقتها.

 

دخول على دفعات... 

ينتشر الجيش اللبناني الذي يتولى تنظيم عملية الدخول. الآلية دقيقة، وتعكس حجم الحساسية الأمنية التي ما زالت تحيط بالبلدة. تُسجل أرقام السيارات، ثم تُقسم إلى دفعات، تضم كل واحدة منها نحو 10 سيارات، قبل أن يرافقها فوج الهندسة إلى الداخل.

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

ولا يقتصر دور فوج الهندسة على مرافقة الأهالي، بل ينفذ أيضاً مسحاً ميدانياً للمنازل والطرقات، تحسباً لوجود أجسام مشبوهة أو مخلفات حرب، في بلدة لم تُعلن آمنة بالكامل بعد. لذلك، تُنظم حركة الدخول والخروج بعناية، لتجنب الاكتظاظ داخل الأحياء المدمرة، ولإتاحة المجال أمام الفرق العسكرية لاستكمال أعمالها.

ورغم تفهم كثيرين لهذه الإجراءات، إلا أن الانتظار الطويل أثار امتعاض عدد من الأهالي.

يقول أحد المنتظرين لـِ "المدن": "إذا كان علينا أن نأتي إلى البلدة كل يوم وننتظر ثلاث ساعات حتى يُسمح لنا بالدخول، فهذا أمر مُرهق ومستنزف. وأظن أنهم يعتمدون هذه الآلية لأنهم لا يريدوننا أن نأتي".

تختلط في كلماته مرارة الانتظار بحرقة الشوق إلى البلدة، أكثر مما تعكس اعتراضاً على دور الجيش أو الإجراءات الأمنية، إذ يدرك معظم الأهالي أن تنظيم الدخول يرتبط باستمرار المخاطر داخل القرية، لكنهم لا يخفون ضيقهم من طول الانتظار في سبيل لقاء منازلهم.

زوطر الغربية الجنوب

قرية فقدت ملامحها

ما إن تعبر السيارات المدخل، حتى تبدأ الصدمة الحقيقية. زوطر الغربية لم تعد تشبه الصور المحفورة في ذاكرة أهلها. أحياء بكاملها اختفت، والساحة التي كانت قلب البلدة لم يعد كثيرون قادرين على التعرف إليها. الطرقات تغيرت، والبيوت تحولت إلى أكوام من الركام، فيما تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف البلدة تعرض لدمار كامل. يقول أحد أبناء البلدة وهو يتلفت ويتأمل بلدته لـِ "المدن": "صحيح لم يمت لي أحد من عائلتي... لكن ضيعتي ماتت".

جملة تختصر شعوراً جماعياً لدى كثيرين ممن عادوا للمرة الأولى، فالفقد هنا لا يقاس بعدد الضحايا فقط، بل أيضاً بغياب المكان نفسه، وباختفاء التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع معنى العودة.

 

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

العودة... حتى إلى الركام

ورغم أن عدداً من الأهالي تمكنوا من دخول البلدة للمرة الأولى يوم الجمعة، فإن كثيرين عادوا إليها مجدداً السبت. يقول أحدهم: "اتيت اليوم أيضا، بالرغم من أن بيتي تدمر. اشتقت، ولم أشبع بالأمس من الضيعة".

أما آخر، فلم يعد بحثاً عن مكان للعيش، بل عن بقايا حياة عالقة تحت الركام. يقول لـِ "المدن": "أخذنا أمس بعض الثياب، واليوم عدنا مجدداً لنفتش إن كان لا يزال هناك شيء يمكن أن نخرجه من بين الأنقاض".

لا يبحث هؤلاء عن أثاث أو مقتنيات ثمينة بقدر ما يبحثون عن أثر شخصي، صورة، ألعاب، ثياب، أو أي تفصيل صغير نجا من القصف.

Image-1784986445.Jpeg

في موازاة الزيارات، وعلى المدخل نفسه، تعمل جرافات على إزالة الأعشاب البرية. ووفق معلومات "المدن"، فإن الأعمال تهدف إلى توسيع أماكن ركن السيارات وتسهيل حركة الأهالي مع تزايد أعداد الوافدين. كما يجري تركيب حمام.

 

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

ليلة فوق السطح

في شوارع زوطر التي لم يعرفوها، كان الأهالي يتنقلون بين المنازل المتضررة، يفتحون الأبواب التي بقيت قائمة، ويفتشون بين الركام عن أي أثر يمكن إنقاذه. بعضهم وقف صامتاً أمام ما تبقى من منزله، يحاول مطابقة المكان الحالي مع صورة البلدة التي يحملها في ذاكرته، فيما انشغل آخرون بجمع ما يمكن حمله من مقتنيات وذكريات.

وبين الداخلين، اختارت بعض العائلات ألا تغادر البلدة مع انتهاء ساعات الزيارة الأولى يوم الجمعة. لم يكن قرار البقاء سهلاً، فالبيوت مدمرة، والخدمات غائبة، والمكان لا يزال يحمل آثار القصف في كل زاوية، لكن العودة لساعات قليلة لم تكن كافية لإشباع شوقهم إلى الأرض والبيت.

زوطر الغربية الجنوب (مصطفى جمال الدين)

تقول سيدة مسنّة لـِ "المدن": "فرشت فرشة ونمت على سطح بيتي". لم يكن في المنزل ما يصلح للنوم، ولا كهرباء أو ماء، لكن مجرد وجودها داخل منزلها، فوق السطح الذي احتضن سنوات عمرها، كان بالنسبة إليها أكثر دفئاً من أي مكان آخر.

لم تكن تلك الليلة بحثاً عن الراحة بقدر ما كانت محاولة لاستعادة صلة انقطعت قسراً مع المكان. فبعد أشهر من النزوح، بدا النوم في البلدة، ولو فوق سطح منزل متضرر، وكأنه تأكيد بأن أصحابها عادوا إليها، وأن زوطر الغربية، رغم كل ما أصابها، لا تزال تنتظر عودة أهلها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث