"أم الجمال" الأثرية: جوهرة سوداء وسط الصحراء الأردنية

قلعة أم الجمال الأثرية في الأردن (رشا سليمان)
تعاقبت على المدينة حضارات الأنباط والرومان والبيزنطيين والأمويين والعباسيين (رشا سلميان)
حجم الخط
مشاركة عبر

تقف الطفلة عبير أمام بوابة تاريخية ضخمة من الحجارة السوداء، متسائلة عن آلية صناعتها بمعدات بدائية، وعن كيفية فتحها وإغلاقها أو تحريكها. لكن سرعان ما تغادرها تلك الأسئلة عندما تبدأ بتأمل ما بقي من أعمدة وأقواس ونقوش من حولها. هذا كل ما تتذكره الثلاثينية عبير شميس عن رحلتها المدرسية إلى منطقة "أم الجمال" الأثرية شمال الأردن.


أدرجت على لائحة اليونسكو

تقول عبير إنَّ تلك الرحلة قفزت إلى ذاكرتها، بعد أن علمت عن أدراج اليونسكو موقع أم الجمال الأثري في قائمة التراث العالمي، محاولةً استرجاع ما شاهدته ولمسته من آثار، لتعود إلى المكان وترى ما لم تستطع أعين الطالبة الصغيرة إدراكه قبل عشرين عاماً.


وفي أرجاء موقع "أم الجمال" الأثري المقام على مساحة 6 آلاف متر مربع، يتجول سعيد مرقد، الفرنسي من أصول جزائرية، منبهراً بجمال المكان، الذي جعله يشعر بأن الأقوام التي عاشت فيه، ما زالت تلف بأرواحها المكان، لتحرس ما تبقى من مدينتهم التي "عبثت بها الحروب، وقسوة الطبيعة".


وقال سعيد لـِ "المدن" إن انبهاره بالمكان يأتي من اهتمام الأمم السابقة بتفاصيل البناء، وحرصهم على زخرفتها بالرسومات والنقوش، لإظهار مدينتهم بأجمل صورة، حسب وصفه.
 

قلعة أم الجمال الأثرية في الأردن (رشا سليمان)


وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" موقع "أم الجمال" الأثري في قائمتها لمواقع التراث العالمي الإنساني، بعد أن تبين أن تاريخ الهياكل المكتشفة في الموقع "يعود إلى القرن الأول الميلادي، عندما شكلت المنطقة جزءاً من مملكة الأنباط. وتوفر المجموعة الغنية من النقوش باليونانية والنبطية واللاتينية والعربية، التي اكتشفت في الموقع ويمتد عمرها إلى بضعة قرون، رؤىً حول تاريخها، وتلقي الضوء على التغييرات في المعتقدات الدينية لسكانها".

موقع عابر للتاريخ
تحمل قرية أم الجمال الواقعة في محافظة المفرق على بعد نحو 90 كيلومتراً من العاصمة الأردنية عمان، هذا الاسم نسبة إلى استخدام الجمال والإبل في مسير القوافل التجارية، المارة عبر طرق تجارية عدة من أهمها طريق "تراجان"، الذي يربط مدينة البترا وهي العاصمة القديمة للأنباط بالعاصمة الجديدة في "بصرى" وفق معلومات مديرية الآثار العامة الأردنية.


وأكد مدير دائرة المواقع الأثرية في المديرية حسين صالح أن موقع "أم الجمال" يلقّب بـِ "الواحة السوداء" لأنه مبني من الأحجار البازلتية السوداء بالكامل. ويضم ثكنة عسكرية و3 مساجد، ومعبداً و17 كنيسة ترجع إلى العصر البيزنطي، وخزاناً مائياً وحوالى 33 بركة مياه تعود للعصور الرومانية والنبطية، ومحكمة وأسوار حجرية، إضافة إلى بوابة الإمبراطور الروماني "كومودوس"، إلى جانب العديد من النقوش النبطية واليونانية واللاتينية والعربية تعود لفترة ما قبل الإسلام.


وقال صالح إن الموقع يكتسب أهمية كبيرة عبر التاريخ. ففيه استوطن الأنباط، في القرن الأول الميلادي، قبل أن تتحول المنطقة للديانة المسيحية خلال الفترة البيزنطية. ثم جاءت الحقبة الأموية، التي حوّلت جزءاً من الكنائس إلى مساجد، وجرى تشييد البيت الأموي الذي يستخدم حالياً مركزا لزوار "أم الجمال" ومتحفاً.
 

قلعة أم الجمال الأثرية في الأردن (رشا سليمان)


أما أستاذ الآثار في جامعة الحسين بن طلال الدكتور محمد الطراونة فرجّح أن تكون مدينة "أم الجمال" مسكونة للمرة الأولى منذ أكثر من 2000 عام. ويستند في ذلك إلى شكل الأبنية والطراز المعماري في المدينة الأثرية، مذكّراً أن حضارات الأنباط والرومان والبيزنطيين والأمويين والعباسيين تعاقبت على المدينة.


وشرح أن الموقع شهد تحولات عدّة في كل حقبة، كان أهمها فترة حكم مملكة الأنباط القديمة، الممتدة بين عامي 169 قبل الميلاد و106 بعد الميلاد، وكانت تتخذ من البترا عاصمة لها. وتمتد هذه المملكة على طول صحراء الأردن ومنطقة حوران وسيناء والنقب وجنوب شرقي فلسطين وأجزاء من شمال شبه الجزيرة العربية. 

 

وأضاف أن الإغريق والرومان كانوا يطلقون على مملكة الأنباط، التي تضم "أم الجمال"، اسم بلاد العرب الحجرية أو الصخرية. ونقش الأنباط كتاباتهم باللغة العربية والحرف الآرامي على أبنية وحجارة "أم الجمال".
وأشار الطراونة إلى أن المسلمين فتحوا المدينة أثناء الحكم الأموي في القرن السابع الميلادي، وأجري عليها الكثير من التعديلات داخل الأبنية لتظهر الطابع الإسلامي. لكن لم يدم ذلك طويلاً. ففي عام 749 نزح سكان "أم الجمال" بعد أن ضربها زلزال قوي أدى إلى تدمير غالبية أبنيتها.
 

قلعة أم الجمال في الأردن (رشا سليمان)


فرصة للاستثمار السياحي
بإدراج اليونسكو موقع "أم الجمال" الأثري في قائمة التراث العالمي، يصبح عدد المدن الأثرية الأردنية المسجلة بالقائمة العالمية سبع مدن، هي البترا، وقصير عمرة، وموقع أم الرصاص، ووادي رم، والمغطس، والسلط.


واعتبرت وزارة السياحة والآثار أن الأمر يشكل فرصة مهمة لترويج المدينة سياحياً لاستقطاب السياح من الأردن ومختلف دول العالم، وتعريفهم على أهمية هذا المكان التاريخي وقيمته العالمية الاستثنائية التي أدرج بسببها على لائحة التراث العالمي، كما أكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة محمد بني ملحم.


وبيّن بني ملحم أن الوزارة بالتنسيق مع وزارة الاستثمار، ومؤسسات حكومية أخرى، وضعت سريعاً خطة لترويج المدينة سياحياً، واستقطاب الاستثمارات السياحية إليها، وإقامة فنادق ومراكز تسوق قريبة من الموقع الأثري.


وذكر أن إدراج "اليونسكو" لـِ "أم الجمال" جاء بعد ارسال وزارة السياحة والآثار ملف ترشيح لإدراج الموقع على قائمة التراث العالمي عام 2022. ثم عدّلت الوزارة بعض الملاحظات الشكلية على الملف عام 2023، قبل أن تقوم لجنة التراث العالمي باعتماد المدينة كموقع أثري عالمي.

ويوجد في الأردن عشرات آلاف المواقع الأثرية والتاريخية، إلا أن المسجل منها رسمياً لدى دائرة الآثار العامة يصل إلى يقتصر على نحو 15 ألف موقع، تتميز بمعالم وآثار للعديد من الحضارات التي مرت في تاريخ الأردن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث