توثيق الأطفال الشهداء في مواجهة روايات الحرب الإسرائيلية

نغم ربيعالسبت 2026/07/25
حبات القلوب مبادرة توثيق الأطفال الشهداء
مبادرة"حبات القلوب"توثق أسماء الأطفال الشهداء ووجوههم وأحلامهم
حجم الخط
مشاركة عبر

وراء كل صورة طفل شهيد، حكاية لم تكتمل. مقعدٌ مدرسي بقي فارغاً، لعبة لم تُجمع، ودفترٌ توقفت صفحاته عند آخر واجب. هذه الحكايات التي غالباً ما تبتلعها أرقام الضحايا، تحاول مبادرة "حبات القلوب" استعادتها، عبر موقع إلكتروني يوثّق أسماء الأطفال الشهداء ووجوههم وأحلامهم، ويفتح مساحة للأطفال الجرحى ليرووا تجاربهم بأقلامهم.

ويشكل الموقع أول قاعدة بيانات مفتوحة توثق الأطفال الشهداء دون سن 18 الذين سقطوا منذ خريف العام 2023، وتجمع ما تفرّق من معلومات عنهم، في محاولة لحماية ذاكرتهم من الضياع، وتوفير مرجع أولي للإعلاميين والباحثين والحقوقيين والفنانين، تحت شعار "نتذكر. نقاوم. ننهض."

 

أكثر من 700 طفل

حتى الآن، وثقت المبادرة 743 طفلاً شهيداً، قضوا خلال العدوان الإسرائيلي، بينهم نحو 72 طفلاً سورياً و26 طفلاً فلسطينياً، فيما يشكل اللبنانيون الغالبية.

لكن بالنسبة إلى مؤسس المبادرة الدكتور حسام مطر، تكمن أهمية المشروع في تحويله إلى قاعدة بيانات يمكن البناء عليها لاحقاً. يقول لـ"المدن" إن المبادرة جاءت لسد فراغ في عملية التوثيق، بعدما كانت المعلومات متناثرة أو غير موجودة، من دون وجود مرجع واحد يجمعها.

ويشير إلى أن الموقع يشكل نقطة انطلاق يمكن للجهات الإعلامية والحقوقية والقانونية الاعتماد عليها لاستكمال أعمالها، إلى جانب استخدامه في حملات تعريفية داخل لبنان وخارجه لحجم ما تعرض له الأطفال خلال الحرب.

 

مواجهة الرواية الإسرائيلية

خلف المشروع هدف آخر يتجاوز التوثيق التقني. يقول مطر إن فكرة المبادرة ولدت من محاولة مواجهة الرواية الإسرائيلية التي تصوّر الحرب على أنها موجهة ضد طرف عسكري واحد، بينما تكشف أعداد الأطفال الضحايا، وتوزعهم الجغرافي، صورة مختلفة تماماً.

فبحسب التوثيق الذي أنجزته المبادرة، سقط الأطفال في 18 قضاء لبنانياً، ولم تقتصر الإصابات على المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة، بل امتدت إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال، من بعلبك إلى بعبدا وصولاً إلى زغرتا.

وبرأي مطر، فإن هذا الانتشار يؤكد أن الحرب لم تكن محصورة بمواجهة تنظيم عسكري، بل أصابت المدنيين والأطفال في مناطق لبنانية واسعة، وهو ما تسعى المبادرة إلى توثيقه وتثبيته ضمن سردية وطنية مضادة للرواية الإسرائيلية.

 

توثيق شارك فيه المجتمع

عملية جمع الأسماء لم تعتمد على مصدر واحد. فالبداية كانت، كما يروي مطر، من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي استقطب مئات التعليقات التي تضمنت أسماء الأطفال وصورهم، قبل أن ينتقل فريق العمل إلى مراجعة المواقع الإخبارية، والمواد الإعلامية التي تناولت المجازر، ثم التواصل مع القرى والعائلات، وصولاً إلى أقرب المقربين من الضحايا.

وبعد إطلاق الموقع، تحولت عملية التوثيق إلى جهد جماعي، إذ تلقى الفريق مئات الرسائل والاتصالات التي صححت معلومات أو أضافت أسماء وصوراً وتفاصيل جديدة.

ويؤكد مطر أن المجتمع نفسه أصبح شريكاً في بناء قاعدة البيانات، والفريق عمل على تنظيم المعلومات للوصول إلى أعلى درجة ممكنة من الدقة.

 

من الشهداء إلى الجرحى

لا يكتفي الموقع بعرض أسماء الضحايا. فهو يضم أقساماً متعددة، بينها صفحة خاصة للأطفال الذين استشهدوا مع أشقائهم أو ضمن الأسرة نفسها، إذ وثقت المبادرة نحو 170 عائلة فقدت طفلين أو أكثر.

كما يضم قسماً بعنوان "لن ننساهم"، يكتب فيه الأهالي والمعلمون والأقارب شهاداتهم عن الأطفال، في محاولة لإحياء سيرتهم بعيداً عن الأرقام. أما القسم الخامس، "درب التعافي"، فيخصص للأطفال الجرحى، حيث يروون بأنفسهم، أو يروي ذووهم، رحلة العلاج واستعادة الحياة بعد الإصابة.

 

"ليست مبادرة للموت"

يرفض مطر اختزال المشروع في كونه أرشيفاً للحربويقول إن "حبات القلوب" ليست مبادرة للموت، بل للحياة، لأنها تحاول إظهار قدرة المجتمع على التعافي رغم الخسائر.

فالموقع لا يكتفي بعرض كيفية استشهاد الأطفال، بل يضيء أيضاً على حياتهم، وإنجازاتهم، وأحلامهم، والأنشطة التي كانوا يمارسونها، من التفوق المدرسي إلى الكشافة، وصولاً إلى الأطفال الذين كانوا يستعدون لدخول الجامعة.

ويضيف أن الهدف هو إبراز حجم ما خسره المجتمع، وفي الوقت نفسه إظهار قدرته على النهوض واستعادة إرادة الحياة، مستلهماً من الأطفال الجرحى والأسر المكلومة نموذجاً للصمود والتعافي.

 

إلى خارج الشاشة

ولا يتوقف المشروع عند الموقع الإلكتروني، إذ يعمل فريق "حبات القلوب" على إطلاق نسخة باللغة الإنجليزية، بهدف إيصال هذه الشهادات إلى جمهور أوسع خارج لبنان.

كما يجري التحضير لمعرض متنقل يجوب المناطق اللبنانية، لينقل قصص الأطفال وصورهم إلى الناس مباشرة، في محاولة، كما يقول مطر، لبناء مساحة مشتركة بين اللبنانيين حول قضية إنسانية تتجاوز الانقسامات السياسية.

فالمبادرة، في نظره، لا توثق ضحايا الحرب فحسب، بل تحاول أيضاً إعادة بناء ذاكرة وطنية مشتركة، تقوم على الاعتراف بالخسارة الجماعية، ومواجهة كل محاولات تقسيم اللبنانيين أو حصر الحرب بسردية واحدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث