طرابلس اللبنانية في كرنفال وداع لبنان

محمد أبي سمراالجمعة 2026/07/24
ساحة النور3.jpg
نالت طرابلس في انتفاضة 2019 لقب "عروس الثورة" (الأرشيف، جنى الدهيبي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في 2 تموز الجاري خصّ وزيرُ خارجية الحكومة السورية الجديدة أسعد الشيباني مدينةَ طرابلس بزيارة، فاستقبلته جماعات فيها استقبالًا حارًا، تقدّمه فتوّات أحيائها وأنصارهم من فئات عاميّة فاعلة في المدينة. وقال الشيباني إن زيارته تعبير عن "الوفاء لمن وقفوا إلى جانب الثورة السورية" ضد نظام الأسد. ومن بين ألقاب وصفات كثيرة حظيت بها طرابلس في تاريخها وتعكس محطاته وتقلباته، اختار الوزير السوري لتبجيلها وصفَهُ إياها بـِ "عاصمة العلم والعلماء".

وبعد حلقة أولى عن أحوال مدينة طرابلس ومحطات من سيرتها وأقدارها وأسمائها من أيام المماليك حتى لبنان "الهجين"، وثانية عن الحرب الأهلية الإقليمية في المدينة طوال 10 سنوات (1975- 1986). هذه حلقة ثالثة وأخيرة عن طرابلس اللبنانية وتقلّب مزاجها اللبناني. 

 

سياسات الخوف والوئام الضئيل

منذ إنشاء الدولة اللبنانية المعاصرة سنة 1920، عاشت طرابلس على قلق في انتمائها إليها، فتعايشت معها ومع نظامها السياسي -نظام "المارونية السياسية" حسب مصطلح ابتكره ابن العائلة السياسية البيروتية والكاتب منح الصلح- بوئام ضئيل. ووُصف نظام لبنان السياسي بأنه نشأ على "أرجحية مسيحية" في إدارة الحكم والسلطة. أرجحية كان ركنها وعِمادها امتلاك رئيس الجمهورية الماروني عرفًا سلطاتٍ دستورية واسعة، قيل إنه ورثها عن المندوب السامي الفرنسي الذي كان يحكم لبنان قبل استقلاله سنة 1943.

لكن طرابلس لم تكن وحدها على وئام ضئيل مع انتمائها إلى لبنان السياسي، بل شاركتها في ذلك سائر الجماعات اللبنانية غير المسيحية، وتحديدًا غير المارونية. أما الجماعات المسيحية فعاشت قلقًا من نوع آخر معاكس: كانت ولا تزال تقلق وتخاف على لبنان ودولته ونظامه، فيما عاشت الجماعات الأخرى وتعيش على قلق وخوف منه. 

وهذا يعني أن الجماعات اللبنانية تتساوى في قلقها وخوفها على هوياتها المتباينة ووجودها ومصيرها. ويعني أيضًا أن محور الحياة السياسية في تاريخ لبنان المعاصر، أو المحور التاريخي في حياته السياسية المعاصرة، هو تبادل جماعاته القلق والخوف، وهشاشة الوئام في ما بينها. وقد سُمّي هذا "سلمًا أهليًا باردًا" في مقابل انخراط الجماعات اللبنانية في نزاعات وحروب أهلية إقليمية.

وفي أزمنة "السلم الأهلي البارد"، غالبًا ما نشطت في أوساط جماعات لبنانية غير مسيحية مطالبات اجتماعية وسياسية بـ"المشاركة" في الحكم وتقاسم السلطة والنفوذ في أجهزة الدولة ومؤسساتها. وبعد هزيمة حزيران 1967 العربية، تقاطعت تلك المطالبات وتداخلت مع تصاعد نشاط "العمل الفدائي" الفلسطيني المسلح في لبنان، وهذا ما أدى إلى اندلاع حروب أهلية إقليمية ملبننة (1975- 1990).

 

في طرابلس دامت تلك الحروب 10 سنوات، فأدت، كما في غيرها من المناطق والمدن اللبنانية، إلى أن تتسلط عليها منظمات عسكرية أهلية متناحرة في رعاية قوىً إقليمية، تصدّرها أخيرًا نظام الأسد السوري. أما المطالبات بالمشاركة في الحكم وبإصلاح النظام السياسي ومؤسسات الدولة اللبنانية، فانجلت عن تدمير البنى السياسية والاجتماعية ومرافق الخدمات العامة في البلاد، وعن تصدّع الدولة ونظامها السياسي على نحوٍ لا يلوح الشفاء منه في المدى المنظور.

وتميزت طرابلس بأنها خرجت من الحرب مصابة بعارضين: نكبتها بتسلط "حركة توحيد إسلامي" خميني سلفي عليها طوال 3 سنوات (1982- 1985). ووراثتها "ثأرًا" مكبوتًا على نظام الأسد الذي ارتكب مجازر فيها، أذلّها وتسلط عليها تسلطًا أمنيًا قاسيًا، مدّعيًا أنه خلّصها من عارض "التوحيد" المدمّر وأوقف الحرب فيها. وقد عبّرت طرابلس عن ذاك الثأر المكبوت وعما تريده من لبنان في مناسبات عدة: بتوقها إلى أن تحظى بحصتها من الازدهار اللبناني وموارده الاقتصادية، لتكون لبنانية. وبمناصرتها الثورة السورية ضد نظام الأسد، واستقبال جماعات منها بعد انتصار تلك الثورة أخيرًا، بقيادة "هيئة تحرير الشام" وأحمد الشرع وزوال نظام الأسد، بحرارة وفرح غامرين انسحبا على استقبال المدينة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني في 2 تموز الجاري.

 

بين طرابلس وبيروت

يقول كثيرون إن طرابلس غالبًا ما تعبّر عن "نبض الشارع السني في لبنان"، وتجذب إليها أرياف لبنان الشمالي في الضنية وعكار، حيث أكثرية السكان من السنّة: يقدّر عددهم بنحو مليون نسمة، يشكلون نصف سنّة لبنان. ويحوز السنّة في خريطة التوزيع الطائفي للمقاعد النيابية 27 مقعدًا نيابيًا، حصة سنّة الشمال منهم 11 مقعدًا.

ويبلغ عدد سكان طرابلس بنحو 850 ألف نسمة، يشكل السنّة 80 في المئة منهم، والعلويون 10 في المئة. أما المسيحيون الطرابلسيون، وهم غالبًا من الأرثوذوكس، فتضاءل كثيرًا عددهم وحضورهم في أزمنة الحرب وبعدها. أما عندما كانوا يشكلون قبلها 10 في المئة من سكانها، فكان لديهم حضور ثقافي وتربوي واجتماعي في المدينة يفوق عددهم، لكنه ضعف كثيرًا وتضاءل اليوم. 

وفي زمن الحرب خسرت طرابلس إقامة نحو 400 عائلة مسيحية فيها، عادت إلى إقامتها في مواطنها الأولى -وخصوصًا في زغرتا القريبة والقرى المسيحية الأخرى- وإما هاجرت إلى خارج لبنان. وهناك من يشبّه تركيب طرابلس الديموغرافي، عاداتها وتقاليدها، بتلك المعروفة في مدن سورية وتركية.

 

ومن أولى نكبات طرابلس فيضان نهر أبو علي في العام 1953، وجرفه أجزاء من قلب المدينة القديمة على ضفتيه، مخلفًا نحو 400 ضحية من سكانها، وتشريده مئات من عائلاتها، جرى إيوائهم في ناحية منها سُمّيت المنكوبين. أما تصفية "شركة نفط العراق" البريطانية أعمالها في المدينة عشية الحرب الأهلية، فأفقدتها إقامة أكثر من 600 موظف مع عائلاتهم من الأجانب، وضعف هذا العدد من مناطق لبنانية عدة فيها. وقد أدى هذا، مع تداعيات الحرب الطرابلسية، إلى تداعي جسور الاختلاط الاجتماعي في المدينة، وإلى تقطع خيوط تواصلها ببيروت، التي نشأت وتنامت منذ العام 1920، عندما بدأ يقيم في العاصمة اللبنانية موظفون طرابلسيون من الفئة الأولى وسواها من الفئات في إدارات الدولة ومؤسساتها.

وهذا ما تزايد في العهد الرئاسي الشهابي (1958- 1970)، خصوصًا ضباط الجيش وجهاز الأمن الداخلي، من دون أن تنقطع صلة هؤلاء الموظفين بمدينتهم الشمالية التي أعادتهم الحرب إليها وقطعت صلتهم ببيروت. ثم سرعان ما تضاءل عدد الموظفين الطرابلسيين في إدارات الدولة ومؤسساتها في سنوات الحرب الطويلة التي صدّعت الدولة ومزقت أوصالها، ولم يتجدد حضور طرابلسيين في إداراتها وأجهزتها إلا بنسبةٍ ضئيلة. وعلينا أن نضيف إلى هذه الظواهر إقفال مطار القليعات، وإهمال معرض طرابلس الدولي الذي أُنشئ على مساحات شاسعة في بدايات العهد الشهابي.

 

شوارع المدارس وعزمي والميناء

منذ عشرينيات القرن الماضي بدأت تتكاثر المدارس الإرسالية والرهبانية في طرابلس في شارع سُمّي "شارع المدارس". تزامن ذلك مع ظهور فئات اجتماعية جديدة، أقبلت على التعليم المحدث، وعلى الخروج من السكن في المدينة القديمة. وفي الخمسينيات برز في طرابلس شارع عزمي كسوق تجاري محدث استجاب لوظائف وأذواق اجتماعية مدينية تتطلبها فئات وسطى طرابلسية، ساهم في نشأتها تعلُّمها في شارع المدارس الطرابلسي.

لكن كما هجرت المدارس شارعها في المدينة، تراجع دور شارع عزمي في زمن الحرب وخمد بريقه المحدث، فتغيرت الفئات الاجتماعية التي كان يستقطبها، فصار "العابر فيه يشعر كأنه في مدينة حمص السورية"، قالت سيدة طرابلسية من الفئات الوسطى، وأضافت: "عتقت فيه المقاهي، ولم يعد يدخلها سوى الرجال من مدخني النراجيل. بهتت واجهات محاله التجارية وبناياته كمدت وأهملت". 

وإذا كانت التسعينيات قد جدّدت الحياة في شارع عزمي بعض الشيء، فإن تعويض الفئات الوسطى الطرابلسية ما فوّتته عليها سنوات الحرب من حياة ترفيهية محدثة، أدى إلى نشأة شارع جديد للحداثة المدينية الجديدة. إنه الشارع الذي يصل طرابلس بالميناء، وسماه الطرابلسيون شارع الميناء -رياض الصلح حسب التسمية الإدارية الرسمية- الذي كثرت فيه المقاهي الجديدة وفروع مطاعم الوجبات السريعة البيروتية، وبعض متاجر الألبسة الجاهزة من ماركات عالمية مشهورة.

وأُنشئ في الشارع مجمع تجاري كبير باسم "سيتي كومبلكس"، فضم صالات للسينما ومتاجر ألبسة ومطاعم ومكاتب للأعمال والسفر، إلى جانب المركز الثقافي الفرنسي. لكن ظاهرة إقفال المدارس في شارعها أفقدت طرابلس ريادتها الشمالية في مجال التعليم وصناعة النخب، وفي إضفاء حيوية على مشهد الحياة اليومية باختلاط الجنسين من التلامذة والطلاب. وكانت الكورة وجهة انتقال المدارس الخاصة من المدينة: الفرير، الليسيه الفرنسية. ثم إن مدرسة الشويفات افتتحت فرعًا لها في الكورة أيضًا، بدلاً من أن تفتتحه في طرابلس.

أما آخر صيحات الموضة في الملبس وفي مستحضرات التجميل، وعمليات الجراحة التجميلية النسائية، وإحياء سهرات باذخة وعشاءات عامرة وحفلات أعراس مشهودة... فغالبًا ما "يهاجر" طرابلسيو وطرابلسيات الفئات الميسورة وأبناء العائلات إلى بيروت للحصول عليها. ولأن المسابح تغيب عن شواطئ طرابلس، فهناك مسابح البترون وجبيل للراغبين في نهار استجمام واستحمام بحري من أبناء مدينة التراث العريق. وفي السنوات الـ 15 الأخيرة ظهرت منطقة "الضم والفرز" مكان بقايا البساتين جنوب طرابلس، لسكن الميسورين الجدد في بنايات جديدة خارج صخب وقدم الأحياء التي كانت جديدة في التسعينيات، فافتُتِحت في هذه المنطقة أفخم المطاعم والمقاهي وأحدثها في طرابلس، فيما كانت تتراجع وتخفت أو تعتق حداثة التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة في شارع الميناء.

 

معجزة سياسية مستحيلة

على الرغم من نسبة حوادث طرابلسية إلى ميل المدينة اللبنانية الشمالية إلى مزاج أو عادات وتقاليد تجمعها بمدن سورية أو تركية، يبيّن العرض السابق لتقلبات أحوالها أنها، كسائر المناطق والمدن والجماعات اللبنانية، تعيش على إيقاعات الحوادث والتحولات والمنعطفات في لبنان. لبنان الذي لا يجمع جامع مشرك بين مدنه وجماعاته ومناطقه، سوى انتسابها إلى الجغرافيا البشرية اللبنانية، وصوغها هوياتها وأمزجتها الخاصة المتباينة، ميولها وخياراتها السياسية، في ضوء التحولات الإقليمية والقوى الأساسية أو الكبرى الفاعلة فيها. هذا ما دام لبنان السياسي وهويته الوطنية الجامعة ليسا سوى متّحد من الجماعات القلقة وأمزجتها المتقلبة وهوياتها المتباينة، في أحوال "السلم الأهلي البارد"، كما في أحوال الحروب الأهلية الإقليمية.

ولبنان المتهالك اليوم دولةً فاشلة، وجماعاتٍ ومجتمعات متنافرة، وحياة سياسية ونظامًا سياسيًا خاويين، ربما لم يعد في وسع أية جماعةٍ فيه أن تحاسب الأخريات على سلوكها وخياراتها السياسية، ما دامت الجماعات كلها تتساوى في خياراتها المتقلِّبة والمتنافرة.

وعلى الرغم من التباين والتنافر في الخيارات بين "طرابلس حركة التوحيد الإسلامي" و"ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان حزب الله الخميني" و"جبل لبنان قوات بشير الجميل اللبنانية"، هناك ما يجمع على الأرجح بين هذه الخيارات: ذهابها بعيدًا في المَقاتل والتدمير الذاتي، وتأسيسها بين الجماعات والمناطق اللبنانية ما يصعب تجاوزه إلا بمعجزة سياسية يعجز الداخل اللبناني الخاوي عن توفيرها، وكذلك المحيط الإقليمي الذي تكرست فيه الحروب الأهلية نظامًا سياسيًا، فيما السياسات والقوى الدولية تذهب بعيدًا في اضطرابها واستقطاباتها وحروبها الهجينة.

 

طرابلس اللبنانية في انتفاضتين

لكن طرابلس، كمعظم جماعات لبنان، أصابها عارضان لبنانيان عوّلت فيهما فئات متباينة في اتساعها من الجماعات اللبنانية على تأسيس داخل لبناني سياسي مشترك ومتماسك: انتفاضة 14 آذار 2005، للاستقلال والسيادة، بعد اغتيال رفيق الحريري. وانتفاضة 17 تشرين الأول 2019، للخلاص من طغمة مالية واقتصادية وسياسية حاكمة، أدت إلى إفلاس مالي واقتصادي وسياسي.

ففي 14 آذار 2005 هبّت طرابلس بقوة لافتة إلى المشاركة في انتفاضة الاستقلال اللبناني، مدفوعة بعاملين اثنين: وفاؤها لرفيق الحريري الذي بنى فيها تيارًا سياسيًا شدّها إلى لبنان وعاصمته بيروت، على الرغم من عتب فئات طرابلسية عليه حيال تقديمه إعمار بيروت وإنهاضها على تنمية طرابلس. وخلف هذا العامل الطرابلسي الملتبس، كمن عامل أقوى: حاجة المدينة الشمالية أكثر من سواها من مدن لبنان إلى الخلاص من كابوس نظام الأسد الأمني الذي ارتكب فيها مجزرة دامية بعدما دخلها جيشه في العام 1985، وحكمها حكمًا أمنيًا قاسيًا كالمدن السورية.

لكن انتفاضة الاستقلال اللبناني المغدورة، تركت في طرابلس غصّة ذهاب الانتفاضة تلك أدراج الرياح. وسرعان ما استبشرت عاصمة شمال لبنان خيرًا بالثورة السورية على نظام الأسد في العام 2011، فنصرتها كأنها تناصر نفسها، وأوت الجرحى السوريين من مقاتل الأسد و"حزب الله" في سوريا الثائرة. ولما استعصى سقوط نظام المجازر والدمار في سوريا، واستقوى "حزب الله" على اللبنانيين من أنصار الشعب السوري الثائر، وتمكّن مع حليفه ميشال عون في سدة الرئاسة من السيطرة على أجهزة الدولة، عمِل حزبُ القتل والتدمير في سوريا على شيطنة طرابلس، فاتهمها بـِ "الداعشية" وسجن كثيرين من شبانها بتهمة "الإرهاب".

أما انتفاضة 17 تشرين 2019 المديدة، فنالت فيها طرابلس لقب "عروس الثورة". وقال شاب لبناني من بيروت زار طرابلس أثناء تلك الانتفاضة، إنه رأى في حشود "ساحة النور" الطرابلسية ملامح ذكرته بالثورة في مدينة حمص السورية في العام 2011. 

وفي احتشادهم الجامع في تلك الساحة كان الطرابلسيون كأنما يقولون لأنفسهم ولسواهم من اللبنانيين: "انظروا. طرابلس كلها هنا منتفضة مثلكم". وهي في صورها هذه إنما تنتفض على تلك الصورة التي شاعت عنها بأنها مثلومة اللبنانية في خياراتها، وتقليدية محافظة وموصومة بتطرفها الديني.

 

لقد كانت طرابلس سعيدة بصورتها الجديدة عن نفسها في انتفاضة تشرين تلك. وأهلها كانوا ينتفضون على هامشية مدينتهم في الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية اللبنانية. كأن المدينة الشمالية كانت تقول: لم أعد حائرة إلى أي ناحية أدير وجهي. أنا مدينة لبنانية كاملة ومكتملة وغير منقوصة اللبنانية.

لكن هل يمكن القول إن مأساة طرابلس تكمن في أنها غالبًا ما تصل متأخرة. فهي يممت وجهها جنوبًا نحو لبنان وعاصمته بيروت، بعد أن ابتعد لبنان عن نفسه وصار غريبًا عنها ولم يعد يتعرف عليها. وقد تكون مأساة طرابلس هذه مثالًا لمأساة انتفاضة تشرين. 

ففي وجه من وجوهها ووجوه قولها المضطرب والمتلعثم، أرادت تلك الانتفاضة استئناف صورة ما فائتة للبنان وتجديدها في لحظة غروبه وأفوله، واستحالة استعادة زمن لبناني فات وانطوى إلى غير رجعة وصار من الذكريات. ذكريات وصور تشعل حنينًا إلى لبنان الذي صنعته مخيلة رومنطيقية طروبة وآفلة.

وبهذا المعنى ربما كانت انتفاضة تشرين 2019 كرنفالًا رثائيًا وداعيًا للبنان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث