مغادرة راهبات الفرنسيسكان في حلب.. قرار تنظيمي يثير الجدل

Image-1784793956.Jpeg
يأتي الجدل حول مغادرة راهبات الدير في حلب في سياق أوسع يتعلق بالتحديات التي تواجه الوجود المسيحي في سوريا
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار مقطع فيديو يوثق مغادرة مجموعة من الراهبات ديرهن في مدينة حلب موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ربطت تعليقات متداولة الخطوة بتطورات سياسية وأمنية في سوريا، قبل أن تصدر جهات كنسية بيانات وتصريحات رسمية تنفي مغادرة الراهبات سوريا، وتؤكد أن القرار تنظيمي قديم يقضي بانتقالهن إلى محافظة الحسكة.
بدأت القصة مع تداول مقطع فيديو عبر منصة "قد السما" يظهر قداساً ووداعاً للراهبات داخل دير "الفرنسيسكان" في حلب، الأمر الذي دفع عدداً من الصفحات والمستخدمين إلى الحديث عن "إغلاق الدير" أو "مغادرة الراهبات سوريا". وسرعان ما انتشرت روايات متباينة حول أسباب الخطوة، ما دفع النائب الرسولي للاتين في سوريا، المطران حنا جلوف، إلى توضيح الأمر عبر وسائل الإعلام.
وأكد المطران جلوف أن الفيديو المتداول يوثق قداس شكر على سنوات الخدمة في مدينة حلب، وليس حدثاً مرتبطاً بظروف سياسية أو أمنية في سوريا، نافياً ما أشيع أيضاً عن ارتباط القرار بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى سوريا.
وقال جلوف، في تصريح إعلامي حصلت عليه "المدن"، إن مغادرة راهبات الإرسالية الفرنسيسكانية لمريم مدينة حلب "قرار تنظيمي داخلي يجري العمل عليه منذ خمس سنوات، وليس حدثاً طارئاً".
وأكد جلوف أن الراهبات عملن خلال السنوات الماضية على إعادة ترتيب وضعهن في سوريا بهدف تجميع قواهن، مشيراً إلى أن الرهبنة اختارت تعزيز حضورها في الحسكة، إلى جانب دعم وجودها في دمشق بمنطقة الصالحية.
ووفق المطران جلوف، فإن العمل الذي كانت تقوم به الراهبات في مدينة حلب سيستمر عبر الآباء السالزيان.

 

قرار يعود إلى عام 2018
في السياق ذاته، أكدت المستشارة الإقليمية لرهبنة الإرسالية الفرنسيسكانية لمريم في الشرق الأوسط بياريت جبور، أن قرار مغادرة راهبات الرهبنة ديرهن في مدينة حلب هو قرار داخلي بحت، ولا يوجد أي تدخل أو تأثير خارجي فيه.
وقالت جبور، في تصريح إعلامي حصلت عليه "المدن"، إن قرار مغادرة دير حلب استند إلى مقررات المجمع الإقليمي للرهبنة الذي عقد عام 2018، والذي ناقش إعادة توزيع الراهبات بسبب نقص الدعوات الرهبانية وارتفاع أعمار عدد كبير منهن، مشيرة إلى أن المجمع قرر إغلاق عدد من الأديرة في مصر ولبنان وحلب.

 

لماذا الحسكة؟
وأوضحت جبور أن قوانين الرهبنة تنص على أن يتألف كل دير من أربع راهبات على الأقل، وأن الرهبنة تشجع على التوجه إلى الأماكن التي يقل فيها الحضور الكنسي، لذلك تقرر إعادة افتتاح دير الحسكة، الذي كان قد أُغلق سابقاً بسبب الحرب وصعوبة الطرق، مع الإبقاء على دير دمشق.
وأضافت أن تأخر تنفيذ قرار مغادرة دير حلب يعود إلى الجهود التي بذلتها الرهبنة لإيجاد من يواصل العمل الرسولي في المدينة، مؤكدة أن الدير سيبقى مفتوحاً بإدارة الآباء السالزيان، كما ستستمر بعض أنشطته، ومنها مركز "النبأ" لذوي الاحتياجات الخاصة وفوج الكشافة الرابع.
ودعت جبور إلى عدم نشر الشائعات المتعلقة بمغادرة الراهبات، مستنكرة استخدام مقطع الفيديو الذي نشرته منصة "قد السما" عن قداس الشكر، وإرفاقه بتعليقات قالت إنها سعت إلى تسييس الحدث واستغلاله، كما أكدت أن الصور المتداولة التي قيل إنها توثق مغادرة الراهبات لا تعود إلى راهبات الإرسالية الفرنسيسكانية لمريم، وإنما إلى رهبنة أخرى.
وختمت جبور بالتأكيد أن الراهبات لن يغادرن سوريا، بل سيواصلن رسالتهن في أديرة أخرى داخل البلاد، داعية إلى تحري الحقيقة وعدم الانجرار وراء الشائعات.

 

خلفية تاريخية
وتشير المصادر التاريخية إلى أن راهبات الإرسالية الفرنسيسكانية لمريم وصلن إلى مدينة حلب عام 1914، لكنهن غادرن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثم عدن بعد انتهائها.
وفي عام 1929، وُضع حجر الأساس لمجمع دير الإرسالية الفرنسيسكانية لمريم في حي السبيل، بحضور والي حلب وممثلي سلطات الانتداب الفرنسي، بعد تبرع السيدة ماري أسود غزالة بتمويل المشروع.
وافتتح المبنى في 13 كانون الأول 1931، وضم مدرسة، وميتماً للفتيات، ومدرسة مجانية للأطفال الفقراء، ومركزاً لخدمة المحتاجين واللاجئين. ثم أضيفت حضانة للأطفال عام 1937، وضم المجمع لاحقاً كنيسة مريم الآلام والدير، فيما شيدت الكنيسة الحالية عام 1932.

 

تحديات الوجود المسيحي
يأتي الجدل حول مغادرة راهبات الدير في حلب في سياق أوسع يتعلق بالتحديات التي تواجه الوجود المسيحي في سوريا، بعدما أدت سنوات الحرب والهجرة والأوضاع الاقتصادية إلى تراجع أعداد المسيحيين وانخفاض عدد المنخرطين في الحياة الرهبانية.
وتشير تقديرات كنسية ودولية إلى انخفاض عدد المسيحيين في سوريا من نحو مليوني شخص قبل عام 2011 إلى ما يقارب 600 ألف حالياً، وهو ما دفع عدداً من الكنائس والرهبانيات إلى إعادة تنظيم وجودها ومؤسساتها بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث