الرفيقة أم محمد... رحلت في زمن القهر

أحمد اسماعيلالثلاثاء 2026/07/21
Image-1784582607.Jpg
لم تكن أم محمد امرأة ميدان فحسب، بل كانت صاحبة رأي وفكر (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة أشخاص لا يرحلون حين يغادرون الحياة، بل يتحولون إلى جزء من ذاكرة الوطن. والرفيقة أم محمد كانت واحدة من هؤلاء. رحلت في زمن القهر، في وقت يمر فيه الجنوب بأشد مراحله قسوة، فكأن غيابها لم يكن خسارة لعائلتها وحدها، بل خسارة لذاكرة النضال ولجيل كامل من الرجال والنساء الذين صنعوا التاريخ بصمت، بعيداً عن الأضواء.

 

قبل الحديث عن سيرتها النضالية، لا بد من التوقف عند ملامحها الإنسانية. وُلدت في بلدة قبريخا الجنوبية، واقترنت بالمناضل والمربي علي ظاهر من كفررمان. جمع بينهما الحب والوفاء، ووحّدهما الإيمان بالوطن والإنسان، فأسسا معاً بيتاً لم يكن مجرد منزل، بل مدرسة في الأخلاق والوطنية والتربية. وأنجبا عائلة أصبحت مثالاً يحتذى في الجنوب؛ أبناءً وبناتٍ جمعوا بين الثقافة والعصامية والالتزام الوطني، فغدا هذا البيت رمزاً للعائلة الجنوبية الأصيلة، وسيرةً حية للهوية اللبنانية التي زرع بذورها المربي علي ظاهر، الرجل الذي يستحق أن يُكتب عنه الكثير.

 

لكن رحيل أم محمد أعاد فتح دفاتر الذاكرة، واستفز ما اختزنته السنوات من حكايات لا تزال تنتظر من يرويها. وما سأذكره هنا ليس سوى صفحات قليلة من سيرة طويلة، لأن ما أعرفه عنها يفوق ما تتسع له الكلمات. كانت أم محمد في الحياة الاجتماعية امرأة هادئة، رقيقة الحضور، واسعة القلب، لكنها في ميادين النضال كانت من فولاذ. كانت تجمع بين الحنان والحزم، بين الابتسامة والإرادة، بين رقة الأم وصلابة المناضلة. لم تعرف الخضوع لظلم، ولم تتصالح مع قهر، وبقيت وفية لفكرها الوطني حتى آخر العمر.

 

عرفها كثيرون باسم "أم جمول"، لأنها احتضنت مقاومي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في أحلك الظروف، وخصوصاً بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يومها لم يكن بيتها مجرد منزل، بل كان ملاذاً آمناً، ومستودعاً للأسرار، ومحطةً للمقاومين، تختزن جدرانه وحجارته ما لا تزال دفاتر التاريخ عاجزة عن تدوينه كاملاً.

 

أعود بذاكرتي إلى ثمانينيات القرن الماضي، إلى زمن المطاردة والخوف والتحايل على الاحتلال. كان بيت علي ظاهر وأم محمد عنواناً للأمان، وركناً ثابتاً في مسارنا النضالي. أذكر كيف كانت تؤمن نقل السلاح وإخفاءه بمساعدة نساء شجاعات يشبهنها. وأذكر يقظتها في مراقبة الطرق، وحرصها على حماية رفاقها من أي خطر يقترب.

 

وأذكر سفرتها العامرة التي لم تغلق يوماً في وجه مناضل، وكيف كانت لقمة الخبز فيها تحمل معنى الكرامة قبل أن تكون طعاماً. وأذكر أيضاً كيف كانت تضمّد جراح المصابين، وتبتكر الوسائل لإيصالهم إلى مستشفيات صيدا، متحدية الحواجز والرقابة والمخاطر، وكأنها كانت تمتلك شجاعة لا تعرف المستحيل.

 

ولم تكن أم محمد امرأة ميدان فحسب، بل كانت صاحبة رأي وفكر. كانت جلساتها مدرسة في النقاش السياسي والوطني والاجتماعي، وكانت تملك قدرة نادرة على قراءة الأحداث واستشراف الحلول. ولم يكن ذلك غريباً، فقد جمعها بزوجها علي ظاهر رابط فكري ونضالي متين مع المناضل الراحل حبيب صادق، في علاقة قامت على الثقة والأخلاق والممارسة الوطنية الصادقة.

أما علاقتي بهذا البيت، فلم تنقطع حتى بعد خروجي من المعتقل. بقيت المحبة كما هي، وبقي الوفاء عنواناً دائماً. وما زلت أذكر زيارات أبي محمد وأم محمد إلى منزلي، وكيف كانت تقول لي كلما قصدت قبريخا: "أول محطة عندك، في الذهاب أو في الإياب." كانت كلمات بسيطة، لكنها كانت تختصر عمق المحبة وصدق العلاقات التي صنعتها سنوات النضال.

 

اليوم، ونحن نودع أم محمد، لا نرثي امرأة فقط، بل نودع مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب، مرحلة كتبتها نساء مجهولات لم يبحثن عن مجد شخصي، بل قدمن أعمارهن بصمت من أجل وطن يستحق الحياة. رحلت أم محمد، لكن سيرتها ستبقى شاهدة على أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها أيضاً أمهات يمتلكن الشجاعة والإيمان والوفاء. وفي زمن تتراجع فيه القيم، تبقى أم محمد نموذجاً لما يجب أن يبقى حياً في وجدان اللبنانيين.

 

رحلت، لكن الحلم الذي عاشت من أجله لن يرحل. وسيبقى اسمها جزءاً من ذاكرة الجنوب، ومن ذاكرة كل من عرف معنى التضحية الصامتة، لأن الرجال والنساء من طراز أم محمد لا يغيبون، بل يتحولون إلى ضمير وطن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث