طرابلس في الحرب: إمارة إسلامية بين الأسد وعرفات

محمد أبي سمراالاثنين 2026/07/20
حركة التوحيد الإسلامي في طرابلس 1983 (Getty)
عارض خميني سلفي أصاب طرابلس مطلع الثمانينات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في 2 تموز الجاري خصّ وزيرُ خارجية الحكومة السورية الجديدة أسعد الشيباني مدينةَ طرابلس بزيارة، فاستقبلته جماعات فيها استقبالًا حارًا، تقدّمه فتوّات أحيائها وأنصارهم من فئات عاميّة فاعلة في المدينة. وقال الشيباني إن زيارته تعبير عن "الوفاء لمن وقفوا إلى جانب الثورة السورية" ضد نظام الأسد. ومن بين ألقاب وصفات كثيرة حظيت بها طرابلس في تاريخها وتعكس محطاته وتقلباته، اختار الوزير السوري لتبجيلها وصفَهُ إياها بـ"عاصمة العلم والعلماء". 

بعد حلقة أولى عن أحوال مدينة طرابلس ومحطات من سيرتها وأقدارها وأسمائها من أيام المماليك حتى لبنان "الهجين"، هنا حلقة ثانية عن الحرب الأهلية الإقليمية في المدينة طوال 10 سنوات (1975- 1986). وهي تبيّن لماذا ناصرت المدينة الثورةَ السورية على نظام الأسد الذي نالها منه قهر ومجازر، فيما هو يساهم مساهمة كبرى في إدارة الحرب الأهلية فيها وعليها.

 

جماعات الحرب والولاء

لم تتوقف الحرب الأهلية الإقليمية التي دامت 10 سنوات في طرابلس (1975- 1986)، إلا بعدما أخضع الرئيس السوري حافظ الأسد (1930- 2000) المدينةَ اللبنانية الشمالية لنظامه الأمني وسيطر عليها سيطرة شاملة، أنجزها متدرجة وعلى مراحل:

1- استمال الأسد زعيمَ زغرتا العشائري سليمان فرنجية (1910- 1992) الذي كان ولده طوني فرنجية (1941- 1978) يقود ميليشيا "لواء/ تيار المردة" الزغرتاوي في حرب السنتين (1975- 1977) بين البلدة المسيحية المارونية على تخوم طرابلس الشرقية، وبين الميليشيات الطرابلسية الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكسب الأسد بهذا ولاء الأب والإبن الزغرتاويين على نحو شخصي وعائلي لنظامه الأمني. ودام هذا الولاء وتأرّث: ورّثه حافظ لولده بشار، كما ورّثه سليمان لحفيده سليمان الذي قتلت "القوات اللبنانية" والده طوني في إهدن، مصيف زغرتا، فتيتّم طفله الذي رباه جدُّه، ولُقّب سليمان الصغير. وبهذا تفرّغ الأسد ونظامه إلى استتباع طرابلس والجماعات والميليشيات الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية فيها.

2- طرد الأسد زعيمَ المنظمة الفلسطينية ياسر عرفات بحرًا من طرابلس في نهاية تشرين الثاني 1983. وكان عرفات قد دخلها من البحر في 16 أيلول من العام نفسه، بعدما طردته إسرائيل بحرًا مع قواته من بيروت في صيف 1982.

3- بعد خروج عرفات منها شنَّ نظام الأسد والميليشيات الموالية له في لبنان حملةً عسكرية على طرابلس، فاجتثّ منها "حركة التوحيد الإسلامي" التي استقبلت عرفات ونصرته. ودامت حرب حصار طرابلس واجتثاث "التوحيد" منها حتى العام 1986.

والحروب الأهلية التي استوطنت لبنان وتنقلت بين مناطقه كلها منذ العام 1975، لم تتوقف بدورها إلا بعدما سيطر الجيش السوري على قصر بعبدا الرئاسي الجمهوري في لبنان، وأخضعت أجهزةُ استخباراته الجماعات والقوى اللبنانية المتقاتله وزعماءها لسلطتها سنة 1990.

أما الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات فكان الجيش الإسرائيلي قد طرده من بيروت صيف 1982، واحتلها مدة قصيرة، واستبقى شريطًا من القرى الحدودية الجنوبية اللبنانية تحت احتلاله حتى العام 2000. وهذا ما أدى إلى ولادة "حزب الله" الرسمية سنة 1985. و"حزب الله" الذي أنشأه "الحرس الثوري الإيراني" وأداره نظام الأسد، ها هو وإيران وإسرائيل يتحكمون حتى الساعة بمصير لبنان الأسود.

 

جبهتا الحرب الطرابلسية

اتخذت الحرب في طرابلس، كسواها من الحروب في مناطق لبنان، طابعًا أهليًا محليًا طرابلسيًا. هذا على الرغم من أن معظم الميليشيات اللبنانية استقدمت إليها مجموعات مقاتلة للمشاركة في محطات من حروبها، وغالبًا بإمرة ضباط نظام الأسد. 

ودارت حروب طرابلس على محورين أساسيين: محور أو جبهة في داخلها، وأخرى على تخومها الشرقية: 

الداخلية، دارت بين منطقتن متقابلتين في المدينة، يفصل بينهما شارع سوريا: 

- منطقة باب التبانة، ذات الأغلبية السنية، والأفقر والأكثف سكانيًا في طرابلس وفي لبنان كله. وكانت الميليشيا المسلحة في أحيائها تُسمى "المقاومة الشعبية"، ويقودها "شيخ" شبابها أو فتوّاتها خليل عكاوي الملقب "أبو عربي" قبل أن ينجب طفلًا ويسميه عربي. وكان عكاوي ومقاومته الشعبية صنيعة منظمة "فتح" الفلسطينية، بعدما كان شقيقه الأكبر علي "شيخ" شباب يقود تمردات مطلبية ومعيشية في باب التبانة على السلطات الأمنية اللبنانية، فاعتقلته وتوفي في السجن قبل الحرب. 

- منطقة بعل/جبل محسن، الفقيرة بدورها، وذات الأغلبية العلوية، وتسيطر عليها ميليشيا "الحزب العربي الديموقراطي" بقيادة علي عيد. ويوالي هذا الحزب نظامَ حافظ الأسد السوري. وكان علي عيد (1940-2015 ) الزعيم الأبرز للطائفة العلوية في لبنان. وقبل تأسيسه الحزب المذكور، كان قد أسس في مطلع السبعينات "حركة الشباب العلوي".

وكانت مثل هذه التسمية على الموضة آنذاك، رغم الاختلافات البيّنة بين حركات الشبيبة تلك. ففي زغرتا مثلًا نشأت "حركة الشباب الزغرتاوي". وهو تجمع شبان متعلمين أرادوا -على خلاف التجمع العلوي- الخروج على العصبيات والولاءات العائلية العشائرية القوية في زغرتا. لكنهم سرعان ما انقسموا بين يمين ويسار في عشايا الحرب الأهلية.

 

الحرب بين طرابلس وزغرتا:  

وهي دارت بين ميليشيات ما كان يسمى "الحركة الوطنية اللبنانية" وأحزابها الطرابلسية الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبين ميليشيا "لواء/تيار المردة" في زغرتا المارونية على تخوم طرابلس الشرقية، بقيادة طوني فرنجية ابن سليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية بين (1970- 1976). وهو كان زعيم زغرتا العشائري. 

توقفت الحرب الطرابلسية-الزغرتاوية في العام 1977، بعد انتهاء عهد سليمان فرنجية الرئاسي، وخروجه من عضوية "الجبهة اللبنانية" المسيحية، وموالاته نظام الأسد، مستعيدًا عهد صداقته القديمة بحافظ الأسد الذي استضافه في منزله، بعد هروبه من زغرتا سنة 1957، لارتكابه مقتلة عشائرية في كنيسة مزيارة. 

وفي حين توقفت الحرب بين طرابلس وزغرتا، فإن الحرب بين باب التبانة وجبل محسن استمرت حتى سيطرة الجيش السوري على المدينة في العام 1986.

 

عارضٌ خمينيٌّ سلفي في طرابلس

قبل حرب السنتين (1975- 1977) عرفت طرابلس جماعات وأفرادًا إسلاميين إسلامًا دعويًا وثقافيًا تبشيريًا. وسرعان ما تحولوا إلى إسلام دعوي مسلح في بدايات الحرب. ويروي طرابلسي كان المسؤول الإعلامي في "حركة التوحيد الإسلامي" المقاتلة أن الشيخ سعيد شعبان (1930- 1998) مع مجموعة من قادة ميليشيات طرابلسية عروبية ويسارية، مالوا إلى الإسلام الدعوي المسلح، وذهبوا في زيارة لطهران الخمينية في أثناء اجتياح الجيش الإسرائيلي لبنان وحصاره بيروت صيف 1982، فاضطروا إلى العودة بحرًا إلى طرابلس. 

كان شعبان قبل ذلك خطيبًا وداعية إسلاميًا مؤثرًا في مسجد التوبة في قلب الأسواق الداخلية القديمة في المدينة، إضافة إلى نشاطه التربوي والتعبوي في الجمعيات والمعاهد الإسلامية في أحياء طرابلس.

وبعد أيام من عودته من طهران نقلت الصحف البيروتية أن "ألوفًا من أهالي المدينة الشمالية احتشدوا في مسجد التوبة، وراحوا يبايعون إمامه وخطيبه الشيخ سعيد شعبان أميرًا إسلاميًا عليهم وعلى طرابلس. ووقف الشيخ الأمير ساعات في مدخل المسجد يتلقى مصافحات مبايعيه، وسرعان ما انتشر مسلحون بكثافة في شوارع المدينة".

وأدى ذلك إلى إنهاء مظاهر الحياة المدينية المحدثة في طرابلس: المرافق والمنتديات الثقافية، الصحف المحلية، دور السينما والمسارح والمسابح والملاهي الليلية، وأنكفأ أهل المدينة على حياة بيتية خائفة وخانقة، فيما نزح عنها معظم أهلها وسكانها المسيحيين.

 

أما العامل الأبرز في سيطرة "حركة التوحيد" وتسلطها على المدينة، فكان اعتناق خليل عكاوي -وُلد في سنة 1955، وقُتل اغتيالًا سنة 1986 في طرابلس- وجماعات "مقاومته الشعبية" في باب التبانة، إسلام خميني سلفي تحت تأثير الثورة الإسلامية في إيران. وبايع عكاوي شعبانَ أميرًا على المجموعات الطرابلسية المسلحة كلها في المدينة.

وبعد تأسيس "حركة التوحيد"، يُظهر تسلسل الحوادث في طرابلس أن ياسر عرفات قرر المجيء إليها بحرًا والتحصن فيها، ليدير معركته الثأرية مع نظام الأسد الذي شقَّ حركة "فتح" وألحقَ به ما سُمّي "فتح الانتفاضة" التي سيطرت على منطقة البقاع والمخيمات الفلسطينية قرب طرابلس. وكان معظم أركان "التوحيد" من مُوالي "فتح" وعرفات السابقين، قبل أن يصيبهم العارض الإسلامي الخميني السلفي، فاستقبلوا الزعيم الفلسطيني في مدينتهم التي انتشر فيها مسلحوهم من العوام والرعاع، وتسلطوا على أهلها تسلطًا عسكريًا دمويًا، تحت لواء فتاوى "إسلامية سلفية عامية"، فيما كانت خطبُ أئمة "التوحيد" تصدح في مساجد طرابلس.

 

الأسد و"التوحيد الإسلامي"

وما أن أقام عرفات مقر قيادته في محلة الزاهرية بطرابلس، حتى بدأت الاشتباكات والمجابهات الحربية في المدينة ومحيطها القريب، بين القوات السورية ومسلحي "التوحيد". ويمكن تلخيص المجابهات على النحو الآتي:

- وحدات القوات السورية و"فتح الانتفاضة" و"القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، تحاصر المدينة وتقصفها. وفي تشرين الأول 1983، قام "جند التوحيد" بحملة تطهير دموية للشيوعيين في مدينة الميناء الطرابلسية، فقتلوا أكثر منهم 50 شيوعيًا واعتقلوا عشرات ونكلوا بعائلاتهم. ووضعوا بعضهم في براميل معدنية كبيرة صبوا عليهم الإسمنت. ثم حاصروا بقايا الشيوعيين في بنايات تحوط بساحات النجمة والكورة في وسط المدينة. وانتهى حصارهم بتدخل عرفات، وقيام خليل عكاوي بنقل بعضهم في سيارات إلى ملجئهم في الكورة جنوب طرابلس.

- في 20 كانون الأول 1983 أُجلي عرفات والخواص من أركانه بحرًا في سفن يونانية، وبوساطة سعودية وفرنسية، وبعدما أعلن الزعيم الطرابلسي التقليدي الرئيس رشيد كرامي (1921- 1987) عن ضرورة انسحاب الزعيم الفلسطيني "لتجنيب المدينة حمام دم ينتظرها".

- كما كان عرفات قد فعل في بيروت قبيل رحيله عنها صيف 1982، وزّع تركته المالية ومخازن أسلحته في طرابلس على "أمراء التوحيد" الذين نشبت المنازعات بينهم، واشتد تسلطهم على المدينة، وأخذ كل منهم يحاول الاستقلال بـ"إمارة" خاصة به فيها. وفي شباط 1984 اغتيل أحدهم، واغتيل آخر في نيسان، ثم انفجرت المعارك بين بعل محسن وباب التبانة التي أعلن زعيم الميليشيا الشاب فيها، خليل عكاوي، انسحابه من "التوحيد". لكنه اغتيل بدوره سنة 1986.

- كانت القوات السورية وحلفاؤها من الشيوعيين والقوميين السوريين تحاصر طرابلس وتقصفها من خارجها. وفي أيلول 1984 ذهب سعيد شعبان إلى دمشق ووقّع هناك، مع "الحزب العربي الديموقراطي" العلوي في بعل محسن، والموالي للنظام السوري، اتفاقًا بوقف الحرب وجمع السلاح وإزالة المتاريس من المدينة. وهذا ما لم يُنفَّذ بسبب خلافات أمراء المجموعات المسلحة وشقاقاتهم حتى هاجمت القوات السورية وأعوانُها المدينة.

 

أيام "التوحيد" السوداء

"حتى لون الهواء تغيّر في طرابلس أيام التوحيد. صار الهواء أصفر باهتًا وثقيلًا، كأنما يغشاه غبار يصفع العيون فيترك فيها رَمَدًا مؤلمًا"، قالت امرأة طرابلسية في شهادة لها عن مدينتها في تلك الأيام ما بين 1983 و1986. وقال طرابلسي إنها كانت "حقبة مظلمة وشنيعة، غيّرت طبيعة الحياة في المدينة". ويندر أن تلقى طرابلسيًا عايش تلك الأيام، لا يجد لديه ما يرويه عن سوادها. والصفة الغالبة على تلك الروايات هي "الإجرام"، على ما قال رجل موظف في مصرف. والمستمع إلى تلك الأخبار والروايات والشهادات، يتهيأ له أن "طرابلس التوحيد" تحضر في ذاكرة الطرابلسيين "كتلة من سواد كثيف وحياة بيتية خانقة ولزجة، كأنما الوقت أَسُن وفسُد في البيوت"، على ما قالت سيدة من سكان شارع عزمي.

واستمرت تلك الأيام في طرابلس والميناء على حال من فوضى أمنية عارمة وخوف مقيم، واهتراء وتحلّل في الحياة اليومية طوال أكثر من سنة سبقت هجوم الجيش السوري وأتباعه عليها في أيلول 1985. استغرق الهجوم شهرًا من القصف المدفعي والصاروخي المدمر والمروع، فنزح ألوف من سكان المدينة وسقط منهم ومن المسلحين مئات القتلى. ولما دخل الجيش السوري أعلن -كما في نهايات اجتياحه مناطق ومدنًا طوال الحروب الملبننة- أن قواته دخلت طرابلس للفصل بين المتحاربين وإيقاف الحرب فيها.

وحده الشيخ سعيد شعبان والخُلّصُ من أتباعه، شملتهم وساطة إيرانية لدى دمشق، وجنبتهم مطاردات المهاجمين واغتيالاتهم واعتقالاتهم. وأعلن شعبان أن "من يتصدى للجيش السوري برصاصة واحدة عميل لإسرائيل ونتبرأ منه". وهذا ما قاله شعبان بعدما انكفأ إلى ضاحية أبو سمرا الطرابلسية، حيث اقتصر نشاطه على إسلام دعوي، تربوي وخطابي وإعلامي، في رعاية النفوذ الأمني والسياسي السوري وطاعته.

 

"لقد صار النظام السوري قدر طرابلس الذي لا راد له، وليس سوى المعتوه ظل على عدائه لسوريا الأسد، بعد اجتياح جيشها المدينة"، قال مساعد سعيد شعبان الدعوي والتنظيمي في شهادته. ثم أضاف: "في أيام صراعات أمراء التوحيد أثناء حصار طرابلس العسكري السوري، كنا في حاجة إلى معركة عسكرية مع اليهود (يقصد إسرائيل) في جنوب لبنان، كي تستعيد التوحيد أصالتها وفكرتها التأسيسية، وتتمكن من فك الحصار عنها".

فـ"حركة التوحيد الإسلامي" الموالية لزعامة ياسر عرفات وللخمينية في طرابلس -كسائر الحركات والمقاومات والانتفاضات، والانقلابيين العسكريين الذين استولوا على السلطة في بلدان عربية كثيرة- لا تشذ عن المنوال الحربي الأصيل في شقاقها واقتتالها الداخلي، وفي اجتثاثها كل من ليس على مذهبها، وفي ترويعها المجتمع والناس، فيما هي تلهج يوميًا بقتال عدو الأمة الأوحد.

 

مقتلة باب التبانة

سيطر الجيش السوري على المدينة، من دون أن يدخل إلى باب التبانة، فأخذ أهلها بقيادة "لجان الأحياء والمساجد" ومؤسسها خليل عكاوي، يتظاهرون في شوارعها، كلما حاولت دورية من أجهزة الأمن السوري دخولها، قبل اغتيال عكاوي في 9 شباط 1986، أي بعد أقل من شهرين على الاجتياح العسكري لطرابلس. وأعقبت عملية الاغتيال سلسلة اعتقالات لأمراء من "حركة التوحيد" ومئات من جندهم وأنصارهم في المدينة، فاقتيدوا إلى السجون السورية التي مكثوا فيها سنوات متفاوتة.

وروى بلال مطر -أحد أركان خليل عكاوي، والمعترض على التحاق "المقاومة الشعبية" في باب التبانة بـ"حركة التوحيد"- أن طوّافة للجيش اللبناني، وبطلب من رئيس الحكومة رشيد كرامي، نقلته وبعضًا من أمثاله إلى صيدا، بعد تشييع عكاوي ودفنه. والتحق مطر وصحبه بالهاربين "التوحيديين" من طرابلس إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب صيدا، التي ظلت خارج السيطرة السورية طوال سنوات الحروب في لبنان، وفق اتفاق ضمني مع إسرائيل التي كان جيشها المحتل لا يزال يرابط في شرق صيدا والجنوب كله، فأخذ الهاربون "التوحيديون" ينظمون عمليات عسكرية ضد الجيشين المحتلين، الإسرائيلي جنوبًا والسوري في طرابلس. 

واعتقلت  المخابرات السورية بلال مطر في بيروت، بعد شهر من انتقاله إلى عين الحلوة. كان عمره 28 سنة آنذاك، ومكث 4 سنوات من التعذيب في السجون السورية، فعاد بعدها إلى باب التبانة، وانخرط في شبكات "الإعالة- الولاء" التي يديرها في طرابلس الأثرياء الطرابلسيون الجدد (نجيب ميقاتي، محمد الصفدي) إضافة إلى رفيق الحريري. ثم ترشح مطر إلى الانتخابات النيابية في طرابلس بدورتيها للعامين 2000 و2005.

 

في باب التبانة، لم يؤدِّ اغتيال عكاوي وسواه من أركان قيادته وتشتيتهم إلى إخضاع جماعاته المسلحة المتجذرة في أحياء المنطقة الفقيرة البائسة. فعكاوي القائد و"شيخ الشباب" وحامي الحارة ونصير أهلها الفقراء، حوّله اغتياله بطلًا مغدورًا في وعي أهالي باب التبانة المستباحين والممتلئين بمشاعر اليتم في غيابه. لذا أخذ بعض بقايا منظمته العسكرية يقومون بعمليات أمنية ضد وحدات الجيش السوري المرابط في طرابلس.

ويروي شهود من المشاركين في حوادث تلك الحقبة، أن الخلايا العسكرية الطرابلسية المهاجرة والمشردة، والأخرى الخائفة في باب التبانة، كانت على صلة ببقايا أجهزة "فتح"، وسمّت نفسها "قوات 9 شباط" تاريخ اغتيال عكاوي. وفي يوم من أيام كانون الأول 1986، نفذت مجموعات من تلك الخلايا ما يشبه انتفاضة مسلحة ضد القوات السورية في طرابلس، فانطلقت من باب التبانة، وقتلت عددًا من الجنود السوريين.

طرابلسيون كثيرون يشبّهون رد فعل الجيش السوري على تلك "الانتفاضة" الصغيرة اليائسة، بما قام به نظام الأسد من مجازر في حماة 1982: طوال أكثر من يومين استباح الجيش السوري طرابلس وباب التبانة في طليعتها، فقام باغتيالات ميدانية واعتقالات. ويقدّر عدد قتلى باب التبانة وحدها بـ400 شخص، حيث قال أحد الشهود: "رأيت أكداسًا من الجثث في أحد الشوارع. وكانت الأداة التنفيذية في عمليات المطاردة والقتل مسلحي الحزب العربي الديموقراطي العلوي الموالي للنظام السوري في بعل محسن".

على هذه الصورة انتهت الحروب الأهلية الإقليمية في طرابلس التي استمرت القبضة الأمنية السورية تحكمها بقسوة لا تلين حتى اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وانتفاضة تحرير لبنان كله من تلك القبضة في 14 آذار 2005. وهي الانتفاضة التي شاركت فيها طرابلس بقوة، معلنةً عن توقها إلى أن تكون حرة ولبنانية. وهذا ما أكدته المدينة الشمالية في انتفاضة 17 تشرين 2019 عندما سميت "عروس الثورة" تلك.

(يتبع حلقة أخيرة عن طرابلس اللبنانية)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث