خلّفت الحرب في جنوب لبنان أيضاً ملفاً مفتوحاً للمفقودين، لا تزال فصوله غامضة حتى اليوم. عائلات تنتظر خبراً أو أثراً أو معلومة تُنهي أياماً من القلق والترقب، فيما تتأرجح بين الأمل والخشية من المجهول. ومن بين هؤلاء، يبرز اسما محمد عبد الرحمن عصفور وهارون العقاد، اللذين فُقد أثرهما منذ 27 أيار الماضي، بعدما توجها نحو الجنوب وانقطعت أخبارهـما بالكامل، لتبدأ منذ ذلك اليوم رحلة بحث طويلة لم تفضِ إلى أي إجابة حاسمة بشأن مصيرهما.
رحلة لم تنتهِ
في يوم الثلاثاء الموافق 27 أيار 2026، والذي صادف عيد الأضحى، خرج الشابان محمد عبد الرحمن عصفور (26 عاماً) وهارون العقاد (22 عاماً) على متن دراجة نارية من مدينتهم الأم، صيدا،، متجهين نحو الجنوب.
محمد، خريج قسم الصحافة والإعلام من دفعة عام 2025، كان يعمل في توصيل الطلبات لدى شركة "توترز"، فيما كان هارون يعمل خبازاً في فرن تديره عائلته بالشراكة بين الإخوة.
يقول طارق عصفور، شقيق محمد، لـ"المدن"، إن العائلة لم تكن تعلم أن محمد متجه إلى الجنوب في ذلك اليوم. ويضيف: "قبل خروجه، كان قد تحدث مع أحد أصدقائه وقال له: بشوفك بالليل، بدي نام. لم يُخبر أحداً عن وجهته، لكننا عرفنا لاحقاً أن هارون تواصل معه، ثم توجها معاً إلى الجنوب".
استهداف وانقطاع
خلال رحلتهما، صوّر محمد مقطع فيديو على طريق حبوش وأرسله إلى مجموعة واتساب تضم زملاءه في العمل لدى "توترز"، وذلك قرابة الساعة 12:30 ظهراً.
عند الساعة 2:15 بعد الظهر، اتصل محمد بأحد أصدقائه في صيدا وأبلغه بأن طائرة مسيّرة استهدفتهما. وبحسب رواية شقيقه، أخبر محمد صديقه بأنه مصاب وينزف، وأن هارون أيضاً ينزف وقد فقد وعيه. خلال المكالمة، طلب إرسال سيارة إسعاف بشكل عاجل، مردداً عبارة: "لا تتركونا وحدنا".
سارع صديقه إلى التواصل مع فرق الإسعاف، إلا أن الرد كان أن الوصول إلى المنطقة غير ممكن بسبب الوضع الأمني. وعندما أبلغ محمد بذلك خلال اتصال لاحق، قيل له إن منطقة زوطر الشرقية التي كانا موجودين فيها مصنفة منطقة محظورة، ما يمنع وصول فرق الإنقاذ إليها.
كانت الساعة تقترب من الثالثة بعد الظهر عندما جرى آخر اتصال مع محمد. عند الساعة 2:50 تحديداً، تحدث للمرة الأخيرة مع صديقه، قبل أن ينقطع التواصل نهائياً.
لغز الهاتف
مرت الأيام من دون أي أثر للشابين. وبعد نحو شهر على اختفائهما، تمكنت العائلة من الحصول على نتائج تتعلق بآخر تحركات هاتف محمد.
تكشف هذه المعطيات أن هاتف محمد الذي كان موجوداً في زوطر الشرقية انتقل لاحقاً إلى منطقة السلطانية. كما أظهرت السجلات وجود اتصال وارد من رقم خاص (Private Number) إلى هاتف محمد في ذلك اليوم.
يقول طارق: "لا نعرف إذا كان محمد قد أجاب على هذا الاتصال أم لا، لكن ما نعرفه أن موقع الهاتف تغيّر بعد ذلك، ومنذ تلك اللحظة لم نحصل على أي معلومة جديدة".
بالنسبة إلى العائلة، لا يشكل انتقال الهاتف تفصيلاً عابراً، بل يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لم تجد حتى الآن أي إجابة رسمية: كيف انتقل الهاتف؟ وهل كان محمد أو هارون لا يزالان على قيد الحياة حينها؟
بحث بلا نتائج
منذ الأيام الأولى للاختفاء، حاولت العائلة اللجوء إلى مختلف الجهات المعنية أملاً في العثور على أي خيط يقود إلى الشابين.
ويقول طارق: "تواصلنا مع آلية الميكانيزم في بداية اختفائه للبحث عنهما، لكن الجواب كان أن الجانب الإسرائيلي لم يوافق على تنفيذ عملية البحث".
ومنذ ذلك الوقت، لم تُسجل أي عملية بحث ميدانية جدية، وفق ما تؤكد العائلة، فيما بقي الملف عالقاً بين الإجراءات والانتظار.
بين الأسر والشهادة
بعد أكثر من شهر ونصف على اختفاء محمد وهارون، لم تعد العائلة تبحث عن تفسير لما جرى بقدر ما تبحث عن إجابة واضحة.
يقول طارق: "نريد فقط أن ينتشر خبر فقدان أخي وهارون، لعل ذلك يدفع الجهات المعنية إلى التحرك. نريد أن نعرف الحقيقة مهما كانت". يصمت قليلاً قبل أن يختصر معاناة العائلة كلها في سؤال واحد: "هل هو أسير؟ هل استشهد؟ أم أنه موجود في مكان ما ولم يتم العثور عليه بعد؟".
أسئلة تتكرر يومياً داخل منزل العائلة، من دون أن تجد جواباً. أما محمد عصفور وهارون العقاد، فما زالا حتى اليوم في عداد المفقودين، في ملف يضاف إلى ملفات أخرى لشبان اختفوا في الجنوب خلال الأشهر الماضية، تاركين خلفهم عائلات معلقة بين الأمل والخوف، وبين انتظار خبر قد يأتي... أو لا يأتي.




