سقط المفتاح: حين يهرب السجّان من وجه السجين

بثينة عوضالجمعة 2026/07/17
سجن إفرادي تابع للفرقة ٢١٥ للاستخبارات العسكرية في دمشق (غيتي)
يظل السجان الوجه الأكثر قسوة، والعدو الذي يرافق المعتقل في تفاصيل ألمه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم أكن أعرفه، لكن صديقي لم يكفّ عن الحديث عنه، كان اسمه يتردد في كل مرة نستحضر فيها ثمانينيات القرن الماضي؛ تلك الحقبة التي ابتلعت رجالاً خرج بعضهم منها بملامح شيوخ، بينما لم يخرج آخرون إلا كأطياف محفورة على جدران الذاكرة. حين جلست إليه أخيراً، لم أرَ سجيناً سياسياً سابقاً، بل رجلاً أنهكته الحياة أكثر مما أتعبه الزمن، كانت تجاعيد وجهه تروي حكاية لا تفصح عنها الكلمات، وضحكته بدت وكأنها غريبٌ يستعيد ألفته مع الحياة على مهل، بينما كان يرفع كأس العرق؛ لا ليتملى في الاحتفال، بل ليتحرر للحظات من زنزانةٍ لم تغادره رغم حريته الجسدية.

 

اللقاء مع سجّانه القديم

كنت أراقبه أكثر مما أنصت إليه، مدفوعاً بفضولٍ يتجاوز الحكايات المعتادة عن الزنازين والتعذيب. كان ثمة سؤالٌ قسري يلحّ عليّ: لماذا يضحي الإنسان بأجمل سنوات عمره في العتمة؟ ما الذي يغري المرء باختيار طريقٍ نهايته محتومة خلف أربعة جدران، حين كان بإمكانه أن يعيش حراً ويؤثر في مجتمعه؟

 

ظننتُ السؤال مشروعاً، لكنه نظر إليّ طويلاً، كأنه يعيد ترتيب أربعة عقود من عمره في رأسه، قبل أن يهمس: "كل تلك السنوات، بكل وجعها، منحتني لحظة واحدة تستحق كل شيء"، لم أفهم، فألححت بالسؤال: كيف؟

 

للمرة الأولى، أشرقت في عينيه ابتسامة حقيقية، ثم انفجر ضاحكاً حتى اغرورقت عيناه بالدمع، وبدأ يروي: "بعد خروجي بسنوات، كنت في ساحة الشيخ ضاهر باللاذقية، فجأة لمحته.. سجاني القديم؛ الرجل الذي كان يملك مفاتيح الزنازين، وبإشارة من يده يحدد من يذهب إلى غرف التعذيب ومن يعود إلى ظلام القبو".

 

يضيف: "التقت عيناه بعينيّ، وفي تلك اللحظة تبدلت الأدوار تماماً، ما إن عرفني حتى شحب وجهه واستدار هارباً، وانطلقت خلفه أطارده بين الناس لعشر دقائق، لم أرد قتله، ولا حتى ضربه، أردت فقط أن أراه يركض"، ثم قال جملةً لم تبارح ذاكرتي: "لن أنسى الخوف الذي رأيته في عينيه؛ كان هو ذاته الخوف الذي كان يسكنني كلما سمعت صرير المفتاح في باب الزنزانة".

 

ساد الصمت، أدركت حينها أنه لم يكن يحتفل بالانتقام، بل كان يشهد لحظة انهيار تلك الصورة التي طاردته سنوات، السجان الذي بدا داخل الزنزانة إلهاً صغيراً لا يُقهر، تلاشى فجأة ليظهر إنساناً يقتات على الخوف مثل سائر البشر.

 

في تلك الليلة، لم يغمض لي جفن. ظلت هذه الثنائية تطاردني؛ هل تكفي فكرة "القوي والضعيف" لفهم آليات الاستبداد؟ أم أن الأمر أعقد من ذلك؟

 

ميشيل كيلو: تفكيك المنظومة

في الصباح، قصدت مقهى الروضة في دمشق، حيث كان يجلس المفكر الراحل ميشيل كيلو، يفكك الواقع كما يفكك رواية معقدة. طرحت عليه سؤالي، فابتسم ليقينٍ يملكه، وقال: "إن العلاقة بين السجين والسجان ليست دائماً كراهية محضة، في السجون طويلة العمر، قد تتسلل الإنسانية من شقوق الجدران".

 

حكى لي عن سجانٍ كان يخبئ تفاحة في جيبه كل ليلة ليقدمها سراً لمعتقل؛ لم يكن بوسعه تحريره، لكنه حاول إنقاذ بقايا إنسانيته، وحين كُشف أمره، عوقب بقسوة، لأن القاعدة في الأنظمة الشمولية صارمة: "ممنوع أن ترى الإنسان في عدوك".

 

لاحظ كيلو حيرتي، فتابع بهدوئه المعهود: "السجان ضحية أيضاً. النظام يحوله إلى آلة، وكلنا ضحايا بدرجات متفاوتة". وأشار إلى النادل: "حتى هذا قد يكون مخبراً، لكن حين تدرك أنه يشبهك، وأن خوفه ليس أقل من خوفك، تستطيع أن تنسج معه علاقة".

 

ثم روى واقعة طريفة وموجعة في آن. كان يجلس مع عبد العزيز الخير، بينما كان مخبر يدور حولهما بفضول، فناداه كيلو قائلاً: "لا تتعب نفسك، أكمل عملك وأنا سأكتب لك التقرير الأمني بنفسي في نهاية الدوام". ضحك المخبر، ومنذ ذلك اليوم، أصبح التقرير الذي يكتبه كيلو يُرضي رؤساء المخبر لدرجة أنه نال ترقية.

 

أدب السجون

لم تكن الطرافة هي ما علق بذهني، بل الفكرة الكامنة خلفها: الأنظمة الشمولية لا تصنع سجناء فحسب، بل تصنع سجانين ومخبرين وموظفين يرتجفون تحت وطأة الخوف. إنها لا تكتفي بسلب حرية الضحية، بل تعيد صياغة الجلاد ليغدو ترساً في آلة أكبر منه، يظن أنه يقودها بينما هي التي تبتلعه.

 

ربما لهذا لم أندهش كثيراً حين رأيت، بعد سقوط النظام، شرطي مرور يتعرف إلى سجانه السابق ويسمح له بالعبور بسلام، دون انتقام، لم يكن مشهداً للبطولة الأخلاقية بقدر ما كان إعلاناً عن نهاية زمن؛ لقد سقط النظام الذي يمنح السجان "ألوهيته"، وبقي رجلان مجردين من كل شيء إلا ذاكرتهما.

 

في "القوقعة"، يظل السجان الوجه الأكثر قسوة، والعدو الذي يرافق المعتقل في تفاصيل ألمه، لكن الأدب يروي ما يراه السجين من خلف القضبان، أما الحكاية المنسية، فهي كيف يحوّل الاستبداد السجانَ نفسه إلى أداة فاقدة للإرادة. ولعل أصدق المشاهد كان استعصاء "صيدنايا"، حين ذعر السجانون وهم يرون السجناء يخرجون؛ لقد انهارت في لحظة واحدة أسطورة القوة، واكتشف الجميع أن الخوف لم يكن يسكن طرفاً واحداً من القضبان، بل كان يقيم على ضفتيها معاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث