سيرة طرابلس وأقدارها: من المماليك إلى لبنان "الهجين"

محمد أبي سمراالخميس 2026/07/16
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس (Getty)
استقبال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

زار وزير خارجية الحكومة السورية الجديدة أحمد الشيباني مدينة طرابلس اللبنانية في 2 تموز الجاري، فقال بعد أن استقبلته جماعات طرابلسية استقبالًا حارًا، تتقدمها مجموعات "فتوات الأحياء" الفاعلة في المدينة، إن زيارته تعبير عن "الوفاء لمن وقفوا إلى جانب الثورة السورية". ومن بين ألقاب وصفات كثيرة حظيت بها طرابلس، اختار الشيباني لتبجيلها وصفها بـِ "عاصمة العلم والعلماء".


ألقاب طرابلس وصفاتها

حظيت مدينة طرابلس بألقاب وصفات كثيرة في تاريخها المديد. ولكل صفة معناها ودلالتها وزمنها: 

- "طرابلس المملوكية" التي تعود إلى تاريخها في العصر الوسيط، بعد أن "حرّرها" المماليك من الصليبيين الذين أنشؤوا إماراتهم أو دوقياتهم على سواحل المتوسط الشرقي. وبعد أن دمروا طرابلس الصليبية البحرية (الميناء)، أعاد المماليك بناءها مدينة داخلية على ضفاف نهر أبو علي في أقصى سهلها الفسيح. 

- "مدينة العلم والعلماء" الذي يرد في أدبيات التراث الإسلامي، لكثرة صروح طرابلس المعمارية الإسلامية، وكذلك مدارس الفقه والحديث الإسلاميين، في العهد المملوكي وما بعده. 

- "طرابلس الشام" في الزمن العثماني، لتمييزها عن طرابلس الغرب الليبية. 

- "طرابلس الفيحاء" وهو أشهر ألقابها، لكثرة البساتين التي كانت تحوط بها في سهل ساحلي فسيح تفوح منه روائح عطرة. 

- "عاصمة لبنان الثانية" و"عاصمة الشمال اللبناني" بعد نشوء دولة لبنان الكبير في العام 1920، واعتبارها المدينة الأكبر بعد العاصمة بيروت.

- "أم الفقير" بسبب الهجرة الريفية الكثيفة إليها في القرن العشرين، طلبًا للعمل، خصوصًا من مناطق عكار الفقيرة. 

- "عاصمة السنّة في لبنان" في زمن الحروب الأهلية الإقليمية في لبنان، لأنها تضم أضخم تجمع سكاني سنّي. 

- "قندهار"، وهي الصفة التي أُشِيعت لها في بعض وسائل الإعلام في نهاية الألفية الثانية، بعد أن أنشأ شاب طرابلسي من "الأفغان العرب" العائدين من أفغانستان معسكرًا "جهاديًا" في جرود الضنية. وفي الليلة الأخيرة من الألفية خرجت المجموعة من معسكرها واشتبكت مع وحدات من الجيش اللبناني، فقُتل 41 مسلحًا من المجموعة و13 من الجنود. ولاحقًا تبنى إعلام "الممانعة" هذه الصفة للمدينة. 

- "عاصمة الثورة السورية" وهذه صفة إعلامية اعتمدتها أوساط في المعارضة السورية بعد 2011، لأن طرابلس ناصرت الثورة ضد نظام الأسد السوري. 

- "عروس الثورة" إبان ثورة 17 تشرين الأول 2019 في لبنان ضد نظام "المحاصصة السلطوية الطائفية" أو "نظام المناهبة" المالية والاقتصادية، ولأن طرابلس شاركت بقوة في تلك الثورة.

 

طرابلس ولبنان وبيروت

وإذا كانت طرابلس تتبنى صفاتها السابقة على نشوء لبنان الكبير وضمها إليه، فإنها ظلت قلقة وحائرة حيال صفاتها اللبنانية اللاحقة، لأنها اعتبرت أن لبنان همّشها ولم يتبنَّ صفاتها التاريخية السابقة. وهي لم تكن وحدها في ذينك القلق والحيرة، بل شاركتها فيهما مناطق ومدن وجماعات كثيرة في لبنان.

ولا تعيش طرابلس وحدها اليوم في أهوال التمزق والتهالك المديدين اللذين غرق فيهما لبنان، جماعاتٍ ومناطق ومدن منهكة ومتهالكة كلها، ولو على وجوه شتى، وفي أشكال وبدرجاتٍ ومقادير متباينة ومتفاوتة. 

وإذا كان الجنوب اللبناني قد قاده قدره الجغرافي إلى الذهاب حتى الأقاصي في قلقه واضطرابه اللذين حوّلهما "حزب الله" مقاومة مستميتة ضد إسرائيل وحربًا دائمة عليها وفق استراتيجيات إيرانية، متجاوزًا بذلك الحاجات والضرورات الجنوبية واللبنانية، فإن طرابلس غالبت مديدًا قلقها وحيرتها في لبنان، مدفوعة بقوة شعورها بهويتها وتراثها بصفتها المدينة التاريخية الأقدم والأعرق في لبنان الحديث. وهذا ما أدى إلى وصفها بـ"عاصمة السنّة" في سنوات الحروب الأهلية الإقليمية والطائفية فيه.

وكان قد حال دون قبول طرابلس بصفتها مدينة ثانية في لبنان وعاصمة شماله، أنها تعتبر نفسها الأولى على شاطئ المتوسط الشرقي، منذ "حرّره" المماليك من الإمارات الصليبية، ودمروا طرابلس البحرية (الميناء) وشيدوا بحجارتها مدينة داخلية في السهل الساحلي لحمايتها من الهجمات الخارجية البحرية، وشيدوا خلفها على مرتفع يسمى القبة قلعة حربية لحمايتها من الهجمات البرية.

وسرعان ما ازدهرت طرابلس المملوكية بالصنائع والحرف والتجارة وعلوم الدين الإسلامي في مساجدها وحلقات تصوفه، حتى صارت العاصمة المملوكية على شاطئ المتوسط الشرقي، بعد القاهرة والإسكندرية في مصر على شاطئه الجنوبي. وهذا عندما كانت بيروت بلدة ساحلية صغيرة مهملة، وهو ما حمل ويحمل طرابلسيين كثيرين على القول إن بيروت مدينة حديثة العهد، وتفتقد العراقة والتاريخ، وإن المعايير "الحديثة الهجينة" في تصنيف المدن والحواضر بَخَسَتْ طرابلس حقها في المكانة والتصدّر، منذ نشأة لبنان المعاصر. وينطوي وصف مدينة بيروت بـِ "الهجينة" على موقف طرابلسي سلبي من التحديث اللبناني، لأن طرابلس لم تنلْ منه سوى القليل القليل، وهذا ما أدى إلى انكفائها على تراثها وتاريخها القديمين العريقين.

 

بين عراقتين: طرابلس وصيدا

وإذا اعتُمِدت المعايير الطرابلسية في تصنيف التحديث والمدن وأدوارها، فماذا يمكن القول عن مدينة صيدا التي لا يزال عمرانها التراثي والتاريخي الضخم حيًّا وماثلًا حتى اليوم؟ فتراث صيدا لا يقلّ عراقة وقِدَمًا عن تراث طرابلس. ثم إن صيدا كان لها حضورها ودورها وشأنها في الزمن العثماني وفي زمن إمارة الشوف المعنية بجبل لبنان. 

لكن هذا لم يحمل صيدا على أن تعتب على لبنان المعاصر وعاصمته بيروت، وعلى الاعتداد والزهو بعراقتها التاريخية، لتكون صاحبة شأن ودور كبيرين في لبنان المعاصر. هذا على الرغم من أن أهلها يقولون إنها "أعطته" رئيسي حكومة "استثنائيين"، انتميا اجتماعيًا وسياسيًا وانتخابيًا إلى بيروت وأسسا فيها زعامتهما السياسية: رياض الصلح الميثاقي والدستوري والمتخلي عن ميله إلى "وحدة عربية" مع سوريا، ومتبني الاندماج بلبنان من دون التخلي عن الانتماء الحضاري العربي والإسلامي. ثم رفيق الحريري "رجل الإعمار" وإعادة لبنان إلى الخريطة العربية والدولية بعد حروبه الأهلية الإقليمية المدمرة.

أما رؤساء حكومة لبنان الطرابلسيين، فاحتفظوا بطرابلسيتهم لمنافسة زعماء بيروت على رئاسة الحكومة.

 

أقدار المدن الجيوسياسية

قد ينطوي تقلّب مصائر المدن وتقلّب أدوارها على بعد جيوسياسي، إلى جانب العراقة والإرث التاريخي اللذين يتراجع دورهما أمام عامل تقلب أحوال الدول وحدودها وشبكاتها الاقتصادية ومراكز السلطة فيها.

ففي الزمن العثماني الإمبراطوري المديد ياما تقلبت وتغيّرت جغرافية الولايات وعواصمها. وهذا ما أصاب ولاية طرابلس التي أُنشئت سنة 1579 وكانت المدينة عاصمتها. لكنها أُلغيت في العام 1888 وضُمت طرابلس إلى ولاية بيروت التي ازدهرت كميناء متوسطي ناشط متصل بمتصرفية جبل لبنان والتجارة الأوروبية، وحلّت فيها جاليات أجنبية وجماعات مشرقية جديدة، فيما كانت الإمبراطورية العثمانية في طور انهيارها الأخير أمام نهوض التنوير والتحديث الأوروبيين المديدين اللذين بلغا أوجهما في العصر الصناعي والتوسع الاستعماري البريطاني والفرنسي في العالم كله.

وربما منذ ذلك الوقت، أي منذ نهضة بيروت الحديثة وصيرورتها عاصمة ولاية عثمانية، بدأت طرابلس تشعر بفقدانها مكانتها ودورها، فانكفأت على ما تراه عراقتها وتراثها التاريخي اللذين تحسَبُ أنهما يؤهلانها لتكون مدينة أولى أو عاصمة في لبنان الكبير، وليس عاصمته الثانية أو عاصمة شماله.

وهذا ما أصاب مثلًا مدينة ليون في وسط فرنسا وشعرت به حيال باريس. فليون كانت عاصمة فرنسا عندما كان البحر المتوسط مركز العالم وحضارته، قبل اكتشاف أميركا الذي أدى بأوروبا إلى أن تتوجه غربًا نحو الأطلسي. وشيئًا فشيئًا فقدت ليون دورها فانكفأت على عراقتها القديمة، بعدما صارت باريس عاصمة فرنسا، لأن أوروبا مالت إلى الشمال الغربي وصارت أطلسية.

صيدا بدورها كانت عاصمة ولاية عثمانية. لكن واليها أحمد باشا الجزار (1734- 1804) نقل عاصمتها إلى عكا جنوبًا، فتراجع دورها وصار ثانويًا بعد ضمها إلى ولاية بيروت، ثم إلى لبنان الكبير. وبدورها سُميت عاصمة لبنان الجنوبي، واحتارت إلى أين توجه وجهها: أإلى الجنوب حيث كانت تربطها مصالح ووشائج حيّة بجبل عامل وفلسطين، أم إلى الشمال نحو العاصمة اللبنانية بيروت. لكنها سرعان ما رضيت، ولو على مضض بأن تستدير بوجهها شمالًا نحو بيروت. وقد أجبرها على ذلك قدرٌ يستحيل عليها مجابهته: نشوء دولة إسرائيل في العام 1948.

ومنذ ذلك الوقت عزفت صيدا عن مغالبة حيرتها وقلقها، فأدارت وجهها شمالًا إلى بيروت ولبنان، بعدما كانت تديره جنوبًا. وهذا على الرغم من أنها لا تقل عن طرابلس عراقة وتراثًا معماريًا قديمًا، ولا تقل عنها أيضًا في انتمائها وميلها إلى العروبة في أطوارها المتلاحقة.

 

صورة المدينة

وكانت طرابلس ما قبل لبنان الكبير مشدودة إلى الداخل السوري، حيث تربطها شبكات تجارية بمدن حمص وحماة وحلب، بل أبعد منهما شمالًا، أي بعاصمة الإمبراطورية العثمانية اسطمبول، أكثر بكثير مما ربط بيروت بتلك العاصمة. ولما نشأت متصرفية جبل لبنان بحكمها الذاتي المحلي في العام 1860، وفصلت بين طرابلس وبيروت، ظلت طرابلس مشدودة وتوجه وجهها نحو الشمال والشمال الشرقي. وهناك من يقول اليوم إن مرتفع رأس الشقعة الذي يتقدم في البحر ويخترقه نفق شكا، يقف كحدّ طبيعي يعزل طرابلس عن جنوبها.

وحين يروي "مثقف إسلامي" طرابلسي (ولد سنة 1954) مقتطفات ومحطات من تاريخ مدينته، يصرُّ على أن يسميها "طرابلس الشام"، ويرسم لها صورًا شبه ملحمية متقطعة ومتباعدة زمنًا، وأبطالها المدينة وأهلها وتراثها وعائلاتها "العريقة" في مواجهة قدرها اللبناني الذي بَخَسَها حقها وتراثها العريق، وفي أن تكون مدينة نشيطة ونامية ومزدهرة. واحتج الراوي على الصورة التي يقدمها الإعلام لطرابلس من أنها مدينة "عنيفة ومخيفة ومتطرفة". أما هي في حقيقتها التي يكتشفها زائرها كلما توغل في شوارعها وأحيائها وأسواقها التراثية القديمة، فعلى خلاف تلك الصورة تمامًا: مدينة "حميمة وأليفة وحنونة". وهذا ما يكتشفه الزائر أثناء احتكاكه بأهلها "الطيبين" وتراثها العريق.

وفسّر "المثقف الإسلامي" الطرابلسي تسمية مدينته "مدينة/عاصمة العلم والعلماء"، فقال: العائلات الطرابلسية في معظمها تعود بأصلها ونسبها إلى تقاليد المشيخة الدينية. وحتى التاجر الطرابلسي، أي تاجر فيها، يعود نسبه إلى شيخ أول مؤسس. والمدينة القديمة تغصُّ بالمساجد القديمة، بعدما كانت تغص في تاريخها العريق بمدراس الفقه والحديث الإسلاميين.

 

الفيضان والنفط العراقي

وذكرت مدرِّسة جامعية طرابلسية حدثين أساسيين ساهما بعدم نمو طرابلس الاقتصادي وتحديثها: فيضان نهر أبو علي سنة 1953، وإقفال "شركة نفط العراق البريطانية: I.P.C." فيها قبيل بداية الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975. 

ففيضان أبو علي دمر أجزاء من أحياء طرابلس الداخلية التراثية، وخلف أكثر من 400 قتيل من سكانها، وشوّه نسيج المدينة العمراني والمعماري. والحي السكني الذي أنشئ لإيواء الأهالي المدمرة بيوتهم حمل اسمًا كارثيًا: المنكوبين.

وفي العام 1943 كان قد جرى تدشين مشروع جر النفط العراقي الخام بالأنابيب من كركوك إلى طرابلس وحيفا، مرورًا بالأراضي السورية. وبعد توقف ضخ النفط إلى مصفاة حيفا في العام 1948، جراء "نكبة" فلسطين، بلغ عدد موظفي وعمال (I.P.C.) في طرابلس 4800 شخص أقاموا في المدينة مع أسرهم، فشكلوا "جالية كبرى"، وكانت بينهم نسبة عالية من طرابلس. فضخ هذا العدد السكاني الضخم حيوية كبرى في قطاعات ودوائر ومجالات مختلفة في طرابلس طوال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات.

وسُمّي موظفو الشركة "جالية الـI.P.C." التي أنشأت مجتمعًا جديدًا وحديثًا في المدينة، اختلط فيه الطرابلسي بالبقاعي بالزغرتاوي بالبيروتي، إضافة إلى الأجانب، خصوصًا البريطانيين (بين 500 -600 موظف)، والفلسطينيين القادمين من حيفا. وأنشأت الشركة البريطانية مطار القليعات واستعملته لرحلات بين بريطانيا والعراق والخليج.

وشغلت مكاتب الشركة الإدارية ثكنة عسكرية فرنسية قديمة في محلة القبة. أما مخازن تجهيزاتها فتوزعت بين طرابلس وعرمان والمنية. وقرب المصفاة في البداوي أقامت الشركة مبنى لإدارة موظفيها أيضًا. وعلى تلة عند مدخل طرابلس الجنوبي أنشأت مجمعات سكنية (30 مبنى) لموظفيها الأجانب بين غابات الصنوبر والزيتون، تقليدًا لقرية سكنية بريطانية، سكنها نحو 500 شخص مع أسرهم. وقرب ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة الله، ثم النور لاحقًا) استأجرت الشركة 5 بنايات كسكن مؤقت وعابر لموظفيها وزوارها العابرين. وعلى طريق الميناء شيّدت بناية من 5 طبقات وجعلتها ما يشبه فندقًا خاصًا للموظفين غير المقيمين في المدينة. وفي نهاية شارع عزمي أنشأت مستشفىً خاصًا لموظفيها. وهو الذي صار لاحقًا "المستشفى الإسلامي" بعدما وهبته الشركة للوقف الإسلامي، عندما أنهت أعمالها في المدينة. وقرب ساحة التل الرئيسية في طرابلس أقامت الشركة ناديها الترفيهي، الاجتماعي والثقافي. وكان للنادي الذي أحيا نشاطات ثقافية وفنية مشهودة في المدينة، عدد من الشاليهات في الأرز ومسبح وملعب للغولف والتنس، ومسبح آخر على شاطئ طرابلس الجنوبي.

ولك أن تتخيل أثر هذا كله في المدينة، وأثر زواله منها فجأة في عشايا نكبة طرابلس ولبنان كله في الحروب الأهلية البادئة سنة 1975.

(تتبع حلقتان عن طرابلس في زمن الحرب، وما بعدها)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث