زوطر الشرقية: بوابة الحل حرباً أم سلاماً؟

أحمد اسماعيلالثلاثاء 2026/07/14
قلعة الشقيف (لطف الله ضاهر)
أهمية زوطر الشرقية الجغرافية أنها تجاور قلعة الشقيف وأرنون وتلال علي الطاهر (لطف الله ضاهر)
حجم الخط
مشاركة عبر

سألني عدد من الإعلاميين في بداية الأحداث: لماذا اختار الاحتلال الإسرائيلي الدخول إلى زوطر الشرقية تحديدًا؟

في تقديري، لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا. فزوطر، التي تُعرف بأنها إحدى أجمل قرى جبل عامل وتُلقّب بـِ "عروس الليطاني"، تحتل موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية. فهي تشرف على الممرات المؤدية إلى شمال نهر الليطاني، وتجاور قلعة الشقيف وأرنون وتلال علي الطاهر، وهذا ما جعلها تاريخيًا نقطة عبور استراتيجية في أي مواجهة عسكرية. كما يمكن أن تكون اليوم نقطة انطلاق لأي مسار سياسي أو أمني.

 

أصل تسمية زوطر 

لا يمكن فهم أهمية زوطر من خلال موقعها فقط، بل أيضًا من خلال تاريخها العريق. فقد تعددت الروايات حول أصل اسمها. فمن الباحثين من يرجعه إلى اللاتينية أو الرومانية، ومنهم من ينسبه إلى السريانية أو الكنعانية. كما تروي بعض المصادر الكنسية الإيطالية رواية عن ملكة تُدعى "زوترا" قيل إنها دُفنت في المنطقة، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى اكتشافات أثرية ظهرت خلال أعمال حفر في زوطر الغربية. ورغم أن هذه الروايات تحتاج إلى مزيد من البحث العلمي، فإنها تعكس عمق الحضور التاريخي للبلدة.

 

النبيذ والكرمة الزوطرانية

ومن أكثر التفسيرات التي تستوقفني تلك التي تربط اسم زوطر بالأرض الحمراء، في إشارة إلى لون تربتها الخصبة التي عُرفت بإنتاجها الزراعي الوفير، ولا سيما كروم العنب التي اشتهرت بها البلدة لعقود طويلة. وكان "العنب الزوطراني" علامة جودة معروفة في لبنان، حتى إنني أتذكر في عام 1984 بائعًا متجولًا في منطقة الصنائع في بيروت كان ينادي: "العنب الزوطراني". وعندما سألته عن سبب التسمية، أجاب بأنها تدل على نوعية ممتازة من العنب، كانت تُستخدم في صناعة النبيذ وتُصدَّر إلى الخارج، كما استُخدمت محليًا في صناعة العرق.

 

لكنّ زوطر لم تكن معروفة بالزراعة وحدها، بل كانت أيضًا نموذجًا للتنوع الثقافي والاجتماعي. فقد عُرفت بارتفاع نسبة المتعلمين فيها، واستقطبت مدرستها الرسمية معلمين من مختلف المناطق اللبنانية، الأمر الذي أسهم في تكوين بيئة ثقافية منفتحة وتعددية سياسية واجتماعية، انعكست في حضور المرأة والشباب والتعليم الجامعي بصورة لافتة مقارنة بقرى المنطقة.

 

صعود الأحزاب الدينية

غير أنّ هذه الصورة بدأت تتغير منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، مع صعود الأحزاب ذات الطابع الديني والمذهبي وتراجع القوى السياسية التعددية. وأدى ذلك، من وجهة نظر كثيرين، إلى تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة، انعكست على طبيعة الحياة العامة في البلدة.

ومن المهم هنا التمييز بين المقاومة كفعل في مواجهة الاحتلال وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلدة لاحقًا. فالقول إن هذا التحول كان نتيجة طبيعية للمقاومة وحدها لا يبدو، في رأيي، تفسيرًا كافيًا. فقبل تلك المرحلة كان أبناء زوطر، على اختلاف انتماءاتهم، من أوائل من قاوم الاحتلال، وقدّموا شهداء وأسرى، من دون أن يعني ذلك تبنيهم جميعًا للمسار السياسي الذي ساد لاحقًا.

 

كما أنّ أهالي البلدة عبّروا في مراحل مختلفة عن رفضهم إقامة قواعد عسكرية أو منصات لإطلاق الصواريخ داخل الأحياء السكنية، خوفًا من أن تتحول البلدة إلى هدف مباشر للهجمات الإسرائيلية، وهو موقف انطلق، بحسب أصحابه، من الحرص على حماية المدنيين والحفاظ على أمنهم.

 

الترتيبات الأمنية والسياسية

واليوم تعود زوطر إلى واجهة الأحداث مع الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. وهنا يبرز السؤال الأساسي: إذا كانت زوطر قد شكّلت في الماضي بوابة لعبور الاحتلال إلى شمال الليطاني، فهل يمكن أن تصبح اليوم بوابة لخروج الاحتلال من الأراضي التي ما زالت محتلة؟ وهل تتحول من رمز للحرب إلى بداية مسار نحو الاستقرار والسلام؟

 

هذه الأسئلة لا تخص أبناء زوطر وحدهم، بل تعني لبنان كله. فمصير البلدة قد يحمل دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح نموذجًا لما قد يكون عليه مستقبل الجنوب: إما طريقًا نحو الطمأنينة واستعادة الأرض وبناء السلام، وإما استمرارًا لدوامة الحروب والدمار والتهجير.

 

لهذا، فإن حكاية زوطر لم تعد مجرد قصة قرية جنوبية، بل أصبحت عنوانًا لمرحلة مفصلية، تختصر الصراع بين العبور إلى الحرب والعبور إلى السلام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث