في صيف 1994، تابع العالم مونديال الولايات المتحدة بأرقام لم تتكرر: أكثر من 32 مليار مشاهدة تراكمية عبر 188 دولة؛ أي نحو ستة أضعاف سكان الأرض حينها. التفسير البسيط لهذا الرقم الخيالي أنّ البث كان مجانياً، حتى إن عُرضت بعض المباريات في أوقات متأخرة. في لبنان، تمتد الذاكرة أبعد من ذلك. يقول الصحافي الرياضي أحمد خواجه لـِ "المدن" إن الناس في الثمانينيات "كانوا يربطون أجهزة التلفاز الصغيرة ببطاريات السيارات ليتمكنوا من مشاهدة مباريات كأس العالم. لم تكن هناك كهرباء ولا إنترنت، مجرد بث هوائي". ويستعيد مونديال 1998 حين نقل تلفزيون لبنان البث بتعليق مدحت شلبي، ومونديال 2002 على شاشة LBC: "حينها كان كل الناس بلا استثناء يتابعون كأس العالم".
بعد ثلاثة عقود، يحتاج المشاهد العربي لمتابعة مونديال 2026 إلى اشتراك إلزامي في beIN أو منصتها TOD، بكلفة تتراوح بين 100 و160 دولاراً للباقة، مع تأكيد رسمي أنه لا بث مجاني في أي دولة عربية. فكيف نُزعت اللعبة الأكثر شعبية في العالم من الفضاء العام وأُعيدت تعبئتها كمنتج باهظ الثمن؟
من البث المفتوح إلى التشفير
هذا التحول تمت هندسته على مرحلتين. عالمياً، بدأت القصة في أيار 1992 حين دفعت شبكة Sky التابعة لروبرت مردوخ 304 ملايين جنيه إسترليني مقابل حقوق الدوري الإنكليزي لخمس سنوات، نحو ثمانية أضعاف الصفقة السابقة. مردوخ وصف الرياضة بأنها "الكبش الذي يدق الأبواب" لصناعة البث المدفوع. اليوم تبلغ قيمة الصفقة المحلية للدوري نفسه 6.7 مليارات جنيه.
عربياً، جاءت الضربة الأولى عام 2006 حين اشترت شبكة ART حقوق ثلاث نسخ من المونديال حصرياً بـِ 220 مليون دولار، فخرجت البطولة من الشاشات المفتوحة لأول مرة، وكتب معلّقون عرب حينها أن "لعبة الفقراء صارت للأغنياء فقط". وفي 2009 اشترت الجزيرة القنوات الرياضية من ART، ثم أعادت تسميتها beIN Sports مطلع 2014، لتصبح صاحبة أكبر محفظة حقوق رياضية في العالم. ولفهم منطق الأرقام، لا يكفي المنطق التجاري: باحثون يقرأون استثمار قطر في beIN كجزء من استراتيجية "قوة ناعمة" هدفها النفوذ قبل الربح، وهذا ما يفسر جزئياً لماذا لا تخضع الأسعار لمنطق العرض والطلب.
التسعير كإقصاء طبقي
الجمهور لم يعد جمهوراً، بل زبائن. مئة دولار وأكثر رقم بسيط في دول الخليج، لكنّه في لبنان أو مصر يوازي جزءاً معتبراً من دخل شهري كامل. يصف خواجه، المقيم جزئياً في الجنوب بعد عودته إثر الحرب، الواقع بدقة: الاشتراك يتطلب "جهاز استقبال خاص بشبكة beIN مع اشتراك سنوي، ثم دفع ما يقارب 95 دولاراً إضافياً خصيصاً لمتابعة كأس العالم"، فيما تفتقر قرى بأكملها إلى البنية التحتية أصلاً. ويشير إلى أنّ أغلب الناس باتوا يكتفون بمشاهدة الملخصات أو متابعة النتائج عبر نشرات الأخبار.
وحتى المقهى كبديل يدور في الدوامة نفسها. يضيف خواجه أن المقاهي بدورها ترفع أسعارها لأنها تتكبد مبالغ طائلة لقاء حقوق البث التجاري، فتنقل الكلفة إلى "كاهل المواطن البسيط عبر فرض حد أدنى للطلب ومضاعفة الأسعار". ويختصر المشهد بواقعة عائلية: "أخبرني خالي مؤخراً أنه لم يتمكن من مشاهدة أي مباراة في كأس العالم الحالي حتى الآن".
القرصنة: أثر للتسعير لا رفض للدفع
الرد الجماهيري على هذا الإقصاء خلق بحراً من القرصنة. لكنَّ قراءتها كرفض مبدئي للدفع قراءة خاطئة، والأرقام تثبت العكس. دراسة أجرتها Ampere Analysis لصالح Synamedia عام 2021 قدّرت خسائر قرصنة البث الرياضي بما يصل إلى 28.3 مليار دولار سنوياً، لكنها وجدت أن 74 في المئة من المشاهدين المقرصنين مستعدون للتحول إلى الخدمات الشرعية إن توافر بديل معقول، وأن أكثر من نصف الفئة المرشحة لهذا التحول تدفع أصلاً مقابل خدمات قرصنة مدفوعة. بعبارة أحد معدّي الدراسة: "هناك أسطورة راسخة بأن المشاهد المقرصن لن يدفع أبداً. هذا البحث يقلب ذلك الفهم الشائع".
خواجه يؤكد الخلاصة نفسها من قلب السوق اللبناني: "إذا أُعيد النظر في سياسة الأسعار وصارت التكلفة في متناول اليد، أعتقد أن الجميع سيشتركون، بل إن الشركات صاحبة الحقوق ستجني أرباحاً أعلى بكثير لأن حجم المشتركين سيتضاعف". وهو يوضح أنه لا يطالب ببث مجاني مطلق، "فهناك حسابات تجارية وتكاليف إنتاج باهظة، لكن يجب أن تتناسب الأسعار ولو قليلاً مع الدخل الفردي في هذا البلد".
ثم إن "الحصرية" نفسها وهمٌ من الناحية العملية. في عصر IPTV، لا توجد مباراة محجوبة فعلياً عمّن يستطيع إيجادها؛ ما تشتريه المنصات هو الحق القانوني والرقم الرسمي أمام المعلنين لا منع المشاهدة. القانون الأوروبي يرفض الحصرية المطلقة: بريطانيا تفرض منذ 1996 قائمة "أحداث محمية" يجب أن تصل مجاناً إلى 95 في المئة من البيوت وعلى رأسها كأس العالم، ولهذا تُعرض مباريات 2026 كلها مجاناً على BBC وITV. لا يوجد قانون مماثل في أي دولة عربية.
الكلفة الخفية: أمنك الرقمي
للقرصنة ثمن لا يظهر في الفاتورة. رصدت Kaspersky تطبيقات بث مزيفة تحمل أحصنة طروادة مصرفية تتجسس على كلمات المرور، وقدّر تحليل لشركة Webroot أن 92 في المئة من مواقع البث الرياضي غير الشرعي تحمل محتوى خبيثاً. وخلال البطولة الحالية، تعقبت Microsoft حملة إعلانات خبيثة انطلقت من مواقع بث مقرصن وصلت إلى نحو مليون جهاز. والتجربة اليومية تطابق الأرقام؛ يصفها خواجه: روابط "لا تتوقف عن التقطع، وانتقال قسري من رابط إلى آخر وكثرة إعلانات، وتوقف مفاجئ للمباريات". وحين يكون الهاتف محفظة رقمية وحساباً مصرفياً، يدفع محدود الدخل مرتين: مرة بالحرمان، ومرة بالمخاطرة.
نماذج بديلة "شرعية"
هل النموذج المغلق قدر حتمي؟ التلفزيون البولندي الرسمي يعرض مباريات 2026 كلها مجاناً، وسويسرا تفعل الشيء نفسه، وهذه القنوات تبث فضائياً على قمر Hotbird بما يجعلها قابلة للالتقاط في معظم المنطقة العربية، نقول هذا كمثال وليس دعوة لاعتمادها كبديل عن الناقل الإقليمي. بل إن الذاكرة العربية القريبة تحفظ النقيض: يتذكر خواجه أن مباريات كثيرة من مونديال قطر عُرضت مفتوحة، بينها نصف نهائي المغرب وفرنسا الذي شاهده الجميع عبر قنوات beIN المفتوحة على نايل سات، "أما هذا العام فلم تُعرض أي مباراة مفتوحة حتى اللحظة، وهي ملاحظة تستدعي التساؤل". الإتاحة إذن ممكنة، والانغلاق خيار تجاري لا ضرورة تقنية أو قانونية.
نحو معادلة رابحة للطرفين
الحل ليس مطالبة المنصات بالتخلي عن الربح، بل على العكس: سعر أدنى يوسّع القاعدة الجماهيرية للمنصة أولاً، باقات مرنة، ومستويات مدعومة بالإعلانات ربما. تجربة منصات البث الترفيهية تقول إن هزيمة القرصنة لم تتحقق بالملاحقة القانونية وحدها، بل بجعل الطريق القانوني ميسّراً وأكثر أماناً من الطريق المقرصن.
على المنصات الرياضية أن تتوقف عن التعامل مع الحصرية كمعطىً قانوني ثابت، وأن تنظر إليها كمسألة تسويق وجدوى اقتصادية. عندها لا تربح المنصة وحدها، ولا يربح الجمهور وحده، بل تستعيد كرة القدم شيئاً من معناها الأصلي: لعبة شعبية، لا ترفاً للأكثر حظاً.




