ضجت مجموعات مدراء المدارس والثانويات الرسمية بتحويل وزارة التربية الأموال المخصصة لمدارس الإيواء إلى مدارس لم تعتمد كمراكز إيواء، فيما ما زالت مدارس الإيواء بلا أموال منذ شهر آذار المنصرم. وخرجت الأمور عن السيطرة ما استدعى من وزيرة التربية ريما كرامي إصدار تعميم يوم أمس الجمعة حمل الرقم 44/ع يتضمن الإرشادات والتوضيحات العامة حول إدارة وتنظيم قيود وإنفاق الأموال المحوَّلة، والتي سيتم تحويلها حديثًا، إلى صناديق المدارس والثانويات الرسمية التي اعتُمدت كمراكز إيواء لاستقبال الأهالي الذين تركوا منازلهم بسبب العدوان الإسرائيلي.
إعادة مراجعة الجداول
أتى التعميم على أساس أنه سيعيد إصلاح الخلل الذي حصل لناحية تحويل أموال غير مستحقة لمدارس غير معتمدة كمراكز إيواء، وحدد رسمياً التعويضات لفريق مركز الإيواء على أساس 400 دولار لمدير المدرسة، أي رئيس المركز و300 دولار للناظر والأستاذ، و350 دولاراً لعامل المكننة و250 دولاراً للمستخدم على أن تدفع "التعويضات المستحقة وفق جداول الحضور الفعلية كما هو وارد في التعميم رقم 22/2026 تاريخ 2026/3/17 والموقع من رئيس المركز والمصادق عليها من المنطقة التربوية المعنية". إلا أن التعميم، كما سنرى لاحقاً، ينطوي على التهرب من قانون المحاسبة العمومية.
وحيال الخطأ الفاضح الذي حصل، طلبت وزيرة التربية إعادة مراجعة الجداول لمعرفة اسم المدرسة التي حوّلت لها الأموال لاسترجاعها. لكنَّ هذا الطلب أتى بعد ما خرجت الفضيحة إلى العلن وأدت إلى مشاكل مع غالبية مدراء المدارس المعتمدة كمراكز إيواء. وعدا عن ذلك كانت الأمور تسير من دون معرفة أي جهة رقابية، ذاك أنّ إنفاق الأموال يتم من خلال مكتب الوزيرة كرامي مباشرة.
اليونيسف والإنفاق المجهول
وتبيّن أن وزيرة التربية استقدمت أموال من منظمة اليونيسف ودفعت للعديد من "لجان المدارس" عن شهر آذار ولغاية العاشر من نيسان. لكنَّ الأموال لم تكف كل المدارس حينها وبقيت العديد من اللجان بلا بدلات أتعاب، ولا بدلات مصاريف تشغيلية إلى غاية اليوم. وعندما يراجع المدراء المعنيين كانوا يقولون لهم إن هناك معلومات ناقصة في الجداول التي أُرسلت وأدّت إلى تأخر الدفع. أما الحقيقة فكانت أنّ اليونيسف رفضت دفع الأموال للموظفين، طالما أنّهم يفترض أن يكونوا على عاتق الدولة. وحيال هذه المعضلة، وبما أنه لا يمكن لوزارة التربية صرف الأموال من ميزانية التربية (لأنها غير ملحوظة)، تقرَرَ الدفع من خلال الهيئة العليا للإغاثة عبر وزارة المالية. فكيف برّرت الوزارة صرف الأموال الأولى من اليونيسف؟
تحويل أموال لمدارس غير مستحقة
بيد أنَّ الفضيحة ظهرت عندما جرى تحويل الأموال للمدارس غير المعتمدة كمراكز إيواء، فيما لم يحوَّل أي قرش لغالبية المدارس المعتمدة كمراكز إيواء. وتلقّت بعض المدارس غير المستحقة ملياري ليرة، علماً أنّ بدلات أتعاب لجان المدرسة لجميع الأعضاء، وعن ثلاثة أشهر إيواء، تصل إلى نحو 360 مليون ليرة. فقد تبين أنَّ وزارة التربية تدفع عشوائياً وليس بناءً على جداول منظّمة من لجان المدارس. وبحسب مصادر "المدن"، البعض يلقي اللوم على أحد مستشاري الوزيرة كرامي المُكلف بهذه المهمة، والبعض الآخر يضع اللوم على مديري التعليم الابتدائي والثانوي، جورج داوود وخالد الفايد.
ووفق المصادر، البعض يشير إلى أنّ مستشار الوزيرة أخطأ برفع جداول جميع المدارس التي كان يفترض أن تُخصص كمراكز إيواء ولم يصار إلى اعتمادها لاحقاً، أي أنّه رفع الجداول بالمدارس المقترحة. فيما البعض الآخر يؤكد أنّ المسؤولية تقع على عاتق داوود والفايد كونهما معنيان بالأمر مباشرة.
وتشرح المصادر، أنَّ التعاميم على مديري المدارس هي أن يصار إلى تسجيل العاملين ودواماتهم والمصاريف التشغيلية ورفعها إلى المنطقة التربوية المعنية، ثم يقوم رئيس المنطقة التربوية برفعها إلى مديري التعليم الابتدائي والثانوي. وهذان الأخيران يحولاها إلى مكتب الوزيرة لمباشرة الدفع. ما يعني أنّ حجة إرسال الجداول إلى الهيئة العليا للإغاثة بجميع المدارس المقترحة، وليس حصرها بتلك التي اعتُمدت فعلياً، ساقطة وغير منطقية. فوزارة التربية تذرَّعت سابقاً بأن سبب عدم دفع البدلات يعود إلى أنَّ الجداول المرسلة من المدارس تحتوي على أخطاء، ما يعني أن الدفع يفترض أن يكون بحسب الجداول المرسلة من مراكز الإيواء وليس بحسب الجداول التي اقترحتها وزارة التربية على لجنة إدارة الكوارث عندما اندلعت الحرب وحصلت موجات النزوح. ففي الشمال، على سبيل المثال، جرى رفع أكثر من اسم 120 مدرسة، فيما لم تستخدم الوزارة إلا نحو مئة مدرسة منها. والسؤال الذي يطرحه بعض المدراء هو: لماذا لم يحوّل مديرا التعليم الأساسي والثانوي الجداول المرسلة من المدارس التي اعتُمدت كمراكز إيواء، ورفعا الجداول بالمدارس المقترحة؟ فعدد المدارس المقترحة يصل إلى نحو ألف مدرسة، فيما اعتُمد أقل من نصفها كمراكز إيواء.
خارج أصول المحاسبة العمومية
وبعيداً عن عدم ممارسة المديريتين أي رقابة على مدى صحة الجداول المرسلة من المدارس (لا أحد يعلم إذا داومت اللجنة فعلياً أم اقتصر الأمر على عضو واحد فيها) كيف تنفق الوزارة عبر الهيئة العليا للإغاثة أموالاً عامة من دون أي رقيب أو حسيب؟
وتضيف المصادر، أنه مقابل هذا الإنفاق العشوائي، الذي تدور حوله الشكوك ويُذكِر بالفساد القائم بين بعض مدراء المدارس ومديريتي التعليم الثانوي والابتدائي، لم تدفع وزارة التربية أي قرش لرؤساء المناطق التربوية واللجان فيها.
وبحسب المعلومات، في بداية الأزمة كلّفت وزارة التربية لجنة في كل منطقة تربوية مؤلفة من رئيس المنطقة التربوية ومساعدين له لمتابعة ملف الإيواء والنزوح، تماماً مثل اللجان على مستوى المدرسة، وحددت لهم بدلات أتعاب. لكن لم يتلقوا أي قرش لا من وزارة التربية في السابق على حساب اليونيسف ولا من الهيئة العليا للإغاثة. وقد عقدوا اجتماعاً مع وزيرة التربية مؤخراً وكان صاخباً. فعندما طالبوها بدفع بدلاتهم قالت لهم إنه لم يكن هناك أموالاً مرصودة لهم في الأساس.
ما حصل في وزارة التربية لا يمكن اعتباره مجرد خطأ. فالخطأ بحسب القانون الإداري ليس عبثياً، بل يفترض القانون سوء النية، إلى حين إثبات العكس. وهذا لا يتم من دون ممارسة الأجهزة الرقابية دورها بملاحقة الموضوع، وعدم القبول بالمتابعة الإدارية الحالية التي يقوم بها فريق الوزيرة كرامي لإعادة تحويل الأموال للمدارس المستحقة. وهذا الأمر معطوف على أنّ التعميم الآنف الذكر، الذي صدر يوم أمس لإصلاح الخلل، يحتوي على مخاطر جسيمة مفادها التهرب من قانون المحاسبة العمومية. فالتعميم يجيز تجزئة النفقات، على اعتبار أنها نفقات طارئة. أولاً، هي لم تعد طارئة لأنَّ أزمة النزوح باتت شبه منتهية. وثانياً، حتى لو كان الإنفاق استثنائياً فهو يستوجب الخضوع لقانون المحاسبية العمومية، وإذا كان لها ما يسوغها فعليا من ظروف طارئة أو عدم امكانية الحصول على الخدمة أو السلعة إلا بالتجزئة أو لضرورات العمل، فلا يجوز التجزئة إلا وفقاً لقانون المحاسبة ولقانون الشراء العام. أما التعميم فيضع الرقابة بعهدة مديريتي التعليم الثانوي والابتدائي، المشكو منهما، فيما هي من اختصاص الأجهزة الرقابية ولا سيما التفتيش المالي وديوان المحاسبة.




