زوطر الشرقية والغربية: نموذج القرى الجنوبية المحتلة والمدمرة

نغم ربيعالسبت 2026/07/11
زوطر
التجارب الطويلة مع الاحتلال جعلت الأهالي يدركون أن الانسحاب لن يكون سهلاً (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

"توجهت نحو الجنوب وأنا أتمنى أن أصل إلى زوطر. بكيت على الطريق. نحن لا نستطيع العودة، وهذا أمر يقهر". بهذه الكلمات يختصر مختار زوطر الغربية محمد عنيسة حكاية بلدتين ما زالتا عالقتين خلف خطوط الاحتلال. كلمات قليلة، لكنها تختزن وجع أشهر طويلة من الانتظار، والعجز، والحنين إلى مكان بات أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.

بعد إعلان ما سمي بـِ "وقف إطلاق النار"، كان الطريق إلى الجنوب مفتوحاً أمام كثيرين. عاد بعض الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، ولو وسط الدمار وصعوبة الحياة. عادت الحركة إلى النبطية تدريجياً، وعاد الناس إلى شوارعها، وإن كانت المدينة نفسها ما تزال تنفض عنها غبار الحرب. لكن على بعد كيلومترات قليلة منها، بقيت زوطر الغربية والشرقية خارج نطاق عودة السكان إليهما.

 

بلدتان خارج الخريطة

يكتفي بعض أبناء زوطر الشرقية وزوطر الغربية اليوم بالتوجه إلى النبطية للاطمئنان إلى الأقارب والأصدقاء، أو لقضاء بعض الحاجات اليومية. يقفون هناك على مقربة من بلدتيهما، لكنهما تبقيان بعيدتين، محجوبتين خلف الاحتلال الإسرائيلي الذي ما زال يمنع الأهالي من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم. 

لا يتحدث أبناء الزوطرين عن احتلال للأرض فحسب، بل عن محاولة لاقتلاع المكان من ذاكرته وسكانه. فالدمار الذي أصاب البلدتين لم يقتصر على المنازل، بل امتد إلى كل ما يشكل نبض الحياة فيهما. لذلك يتردد بين الأهالي شعور متزايد بأن ما جرى يتجاوز منطق الحرب التقليدية، وأن الزوطرين تُتركان لتتحولا إلى ما يشبه "منطقة تجريبية" خالية من سكانها وحياتها وتفاصيلها اليومية.

يقول رئيس بلدية زوطر الشرقية محمد إسماعيل لـِ "المدن" إن أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن يصل إلى النبطية، ويرى بلدته على مرمى النظر تقريباً، لكنه لا يستطيع أن يطأ أرضها. فالاحتلال الإسرائيلي ما زال حاضراً هناك، يفرض واقعاً يمنع الأهالي من العودة إلى منازلهم وأرضهم. والأهالي ما زالوا ينتظرون لحظة لا أحد يعرف متى ستأتي.

 

ويضيف أن الصور الجوية أظهرت دماراً كلياً في نحو 30 في المئة من مباني البلدة، فضلاً عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والممتلكات المتبقية. 

لا يخفي إسماعيل تشاؤمه. يقول إن التجارب الطويلة مع الاحتلال جعلت الأهالي يدركون أن الانسحاب لن يكون سهلاً، وأن الغموض ما زال يلف مستقبل البلدة. لذلك لا يملك سوى التمسك بالدعاء والأمل، على أمل أن يأتي الفرج.

 

فيلم رعب

على كتف الليطاني، تتربع زوطر الغربية. بلدة يسكنها أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة نسمة بين مقيم ومغترب، كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة واللقاءات والوجوه المألوفة. أما اليوم، فيصفها أبناؤها بأنها منكوبة.

يقول الأديب والشاعر إبراهيم مصطفى لـ"المدن" إن الاحتلال دمّر ما يقارب 80 في المئة من منازل البلدة بين دمار كلي وجزئي. لكن الكارثة لا تُقاس بنسبة البيوت المهدمة فقط، بل بما أصاب روح المكان نفسها.

جُرفت الطرقات الرئيسة والفرعية. اختفت الساحة التي كانت تجمع الأهالي في أفراحهم وأحزانهم. استُهدف النادي الحسيني، الذي شكّل على مدى سنوات طويلة القلب الاجتماعي والروحي للبلدة. طال التخريب الجامع الجديد، وتعرض مبنى البلدية للقصف، فيما سُوي النادي الثقافي بالأرض. لم يبقَ تقريباً مكان يحمل ذاكرة جماعية إلا وطاله الدمار. يقول مصطفى: "بيوتنا كلها مُسحت. زوطر منكوبة بكل ما للكلمة من معنى. إذا أردت أن تصف المشهد، فهو أشبه بفيلم رعب".

جامع زوطر

حين تضيع الذاكرة

لكن أكثر ما يؤلم إبراهيم مصطفى ليس الجدران التي سقطت، بل ما كان داخلها. يتحدث عن منزل وضع فيه تعب عمره كله، وعن منزل شقيقه الذي كان قائماً فوقه، وعن مكتبة ضمت كتباً ومخطوطات وأوراقاً وصوراً وذكريات تراكمت عبر سنوات طويلة. يقول بحزن: "خرجنا من المنزل ولم نستطع أن نحمل شيئاً معنا. اليوم لم نجد شيئاً. كل ذكرياتنا ضاعت".

في الحروب، يمكن للناس أن يعيدوا بناء الجدران. لكن ماذا عن الذكريات؟ ماذا عن الصور القديمة؟ ماذا عن الكتب التي حملت أسماء أصحابها وهوامشهم وملاحظاتهم؟ ماذا عن الأماكن التي كبر فيها الناس، وتعارفوا، وأحبوا، وبنوا حياتهم؟ هنا تكمن الخسارة الأكبر.

 

"أريد أن أقبّل تراب زوطر"

رغم كل هذا الخراب، لا يزال محمد عنيسة يحتفظ بصورة زوطر القديمة في ذاكرته. يتحدث عن هوائها، وعن الوديان المحيطة بها، وعن البيوت التي كانت تملأ التلال، وعن الناس الذين كانوا يعرفون بعضهم بعضاً بالاسم والوجه والحكاية.

يقول إن البلدة منكوبة، وإن التجريف طال معظم أحيائها ومرافقها. لكنه عندما يتحدث عنها لا يتحدث بلغة الأرقام، بل بلغة الحنين. يختصر كل مشاعره بجملة واحدة: "أريد أن أقبّل تراب زوطر عندما أصل إليها".

في الزوطرين، لا يتحدث الناس اليوم عن العودة القريبة، بل عن سنوات قد تكون مطلوبة لإعادة بناء ما تهدم، إذا توافرت الإمكانات والدعم أصلاً.

يقول إبراهيم مصطفى إن الحرب السابقة خلّفت أضراراً لم تتجاوز نسبتها 25 في المئة من البلدة، أما هذه المرة "فلم يتركوا شيئاً يمتّ إلى الحياة بصلة". لذلك فإن إعادة الحياة إلى القرية قد تحتاج إلى ثلاث أو أربع سنوات على الأقل.

بين الركام المنتشر في الشوارع، والمنازل المهدمة، والساحات التي اختفت، تبدو الزوطران اليوم نموذجاً لبلدات جنوبية ما زالت معلقة بين الاحتلال والدمار والنزوح. أما أهلها، فلا يملكون سوى التمسك بأمل واحد: أن يأتي يوم يتمكنون فيه من العودة إلى المكان الذي ما زالوا يعتبرونه حياتهم كلها، لا مجرد بلدة على الخريطة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث