لم تنجح القرارات المتتالية الصادرة عن وزارة التربية في تهدئة غضب طلاب الشهادات الرسمية ولا في إنهاء حالة الإرباك التي يعيشها القطاع التربوي. فبينما يواصل طلاب الشهادة الثانوية وطلاب التعليم المهني اعتصاماتهم وتحركاتهم للمطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية ومنحهم إفادات أسوة بزملائهم، تتوسع دائرة المقاطعة في صفوف الأساتذة، ما يضع وزيرة التربية أمام أزمة تتجاوز مجرد تنظيم الامتحانات إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ما زال بالإمكان إجراء هذه الامتحانات أصلاً؟
التحركات الطلابية لم تتوقف منذ إعلان الإبقاء على الامتحانات. الطلاب يرفعون شعار "العدالة للجميع"، معتبرين أنَّ منح الإفادات لفئة وإخضاع فئة أخرى للامتحانات يكرّس تمييزاً بين الطلاب الذين عاشوا الظروف الأمنية نفسها، وعانوا من تداعيات الحرب والنزوح والقلق ذاته.
في المقابل، تبدو وزارة التربية أمام تحديات لوجستية وتنظيمية متراكمة، تزداد تعقيداً مع استمرار المقاطعة الشاملة التي أعلنها أساتذة التعليم الرسمي.
معضلة التعليم المهني
الأزمة لم تعد محصورة بالطلاب. فكل روابط المعلمين في القطاع الرسمي، من ملاك ومتعاقدين، أعلنت موقفاً موحّداً بمقاطعة الامتحانات الرسمية بكل مراحلها، من الأعمال التحضيرية إلى المراقبة والتصحيح وإصدار النتائج.
وفي بيان مشترك، أكدت الروابط أنّ الأساتذة اجتمعوا على موقف موحّد "لأنّ التعليم الرسمي ليس مكسر عصا، ولأن قوة العمل النقابي تكمن في وحدته، ولأن وحدة الموقف هي السبيل الوحيد للدفاع عن المدرسة الرسمية وحقوق طلابها وأساتذتها".
تزداد الأزمة تعقيداً في التعليم المهني، وتفيد مصادر مطلعة أنّ هناك إجماعاً بين الأساتذة على المقاطعة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام جدية حول قدرة الوزارة على تنظيم الامتحانات. ففي حال الفشل في امتحانات المهني، كيف ستبرر الوزارة امتحانات الثانوي. فالامتحانات المهنية تحتاج إلى أساتذة متخصصين ومراقبين ومصححين يمتلكون خبرات تقنية ومهنية محددة، وهو أمر لا يمكن تعويضه بسهولة عبر الاستعانة بكوادر من خارج القطاع. لذلك، يتساءل العاملون في القطاع عن المخرج الذي تملكه وزارة التربية إذا استمر قرار المقاطعة حتى موعد الامتحانات.
تشير مصادر مواكبة للاستعدادات بأن روابط المعلمين ستتدافع عن موقفها حتى اللحظة الأخيرة، وفي حال بقيت الوزيرة كرامي على موقفها ستلجأ الروابط إلى إقفال أبواب مراكز الامتحانات.
ويضاف إلى ذلك تأخر الإجراءات الإدارية المرتبطة بالامتحانات. فحتى الآن، يشير عدد من الطلاب إلى أنهم لم يتبلغوا برامج الامتحانات النهائية أو آليات الترشيح بصورة واضحة، ما يزيد من حالة الضبابية القائمة. ويشير الطالب تيم البلاني إلى استمرار الضبابية، قائلاً: "حتى الآن لم تصلنا طلبات الترشيح، وحتى برنامج الامتحانات لم يصلنا. لماذا؟".
نزوح وعودة... وإرباك في مراكز الامتحانات
من بين المشاكل التي لم تجد لها الوزارة حلاً واضحاً حتى الآن، قضية الطلاب الذين سجلوا لخوض الامتحانات في مناطق نزوحهم خلال فترة الحرب والتوترات الأمنية، ثم عادوا لاحقاً إلى بلداتهم وقراهم بعد تحسن الأوضاع نسبياً.
هؤلاء الطلاب يجدون أنفسهم اليوم أمام تساؤلات مفتوحة: هل سيبقون في المراكز التي اختاروها سابقاً؟ أم ستُتاح لهم إمكانية تعديل طلباتهم والعودة إلى مراكز أقرب إلى أماكن سكنهم الحالية؟ وما هي الآلية التي ستعتمدها الوزارة لمعالجة هذا الملف في ظل ضيق الوقت؟ أسئلة لم تلقى حتى الآن أجوبة واضحة، فيما يقترب موعد الامتحانات وتزداد حالة التوتر بين الطلاب. ووفق مصادر "المدن" يطرح البعض في أروقة الوزارة إمكانية امتحان طلاب النبطية في صيدا، لدواعٍ أمنية، ما يضرب صديقة انتفاء أسباب إلغاء الامتحانات. وتسأل المصادر عن الجهة التي ستتحمل مسؤولية أي مكروه يطال الأساتذة والطلاب خلال الامتحانات.
أزمة مراقبين
ولا تقف العقبات عند حدود المقاطعة الطلابية أو التعليمية. فتنظيم الامتحانات الرسمية يحتاج إلى أعداد كبيرة من المراقبين العامين ورؤساء المراكز، الذين يتم انتقائهم من أساتذة التعليم الرسمي.
وبحسب معلومات "المدن"، فإن عدد المتقدمين حتى الآن لهذه المهمة لا يتجاوز 37 شخصاً فقط، رغم أن الامتحانات تحتاج سنوياً إلى مئات الأساتذة لتولي إدارة المراكز. كما أنّ مقاطعة الأساتذة اللجان الفاحصة يضرب صدقية إي إجراء تلجأ إليه وزارة التربية لتغطية الغجز من القطاع الخاص. وهذا الأمر يُعرّض الامتحانات للطعن بشفافيتها ونزاهتها.
ويكشف هذا الرقم حجم الأزمة التي تواجهها الوزارة، إذ أن نجاح الامتحانات لا يتطلب فقط إعداد الأسئلة وفتح المراكز، بل يحتاج إلى جهاز إداري ورقابي متكامل يبدو اليوم مهدداً بفعل المقاطعة الواسعة.
"يا الكل يا لا"
في ساحات الاعتصام، لا يزال الطلاب متمسكين بمطلبهم الأساسي.
يقول خالد فاعور لـ"المدن": "ما زلنا متأملين، وإن شاء الله يطلع قرار الإفادات، لكن حتى الآن لا أحد أخبرنا أي شيء".
أما محمد حمد فيعتبر أن "إعطاء إفادات لفئة وإجراء امتحانات لفئة أخرى أمر غير عادل. يا الكل يا لا. والحمد لله الروابط معنا وتدعمنا".
"أي وضع أمني يسمح بالامتحانات؟"
المخاوف الأمنية لا تزال حاضرة بقوة في مواقف الطلاب أيضاً. يقول جاد إسماعيل: "أي وضع أمني سنجري فيه امتحانات؟ مديرة مدرسة استشهدت أمس. لا نعلم أين ومتى ومن يضرب الإسرائيلي". ويضيف: "دائماً تنتشر إشاعات عن أخبار إيجابية أو قرارات قريبة، لكن حتى الآن لم يصلنا أي شيء رسمي".
وتختصر هذه المخاوف حالة القلق التي يعيشها كثير من الطلاب، خصوصاً في المناطق التي ما تزال تشهد غارات إسرائيلية متفرقة أو تعيش تحت هاجس التصعيد الأمني المفاجئ.
طلاب المهني: لسنا أقل من غيرنا
في اعتصامات التعليم المهني، يبرز أيضاً مطلب المساواة مع بقية الطلاب. تقول روان حمود، وهي طالبة تمريض تشارك في التحركات: "إذا كنا نحن قادرين على إجراء الامتحانات، فهذا يعني أنَّ الجميع قادر. لذلك نطالب بإعطاء إفادات للجميع".
وترفض حمود اختزال اختصاص التمريض بالتدريب العملي فقط، مضيفة: "التمريض ليس مجرد تطبيق. التطبيق يقتصر على تغيير الشراشف والحفاضات، هناك مواد علمية ودراسية كاملة".
الوزارة أمام قرار حاسم
مع استمرار الاعتصامات الطلابية، واتساع المقاطعة النقابية، وتراجع أعداد المراقبين، وتعثر التحضيرات اللوجستية، يبدو أنّ وزارة التربية تدخل أكثر فأكثر في سباق مع الوقت.
فالامتحانات الرسمية لم تعد مجرد استحقاق تربوي، بل تحوّلت إلى أزمة وطنية تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والتربوية والنقابية والاجتماعية. وبين إصرار الوزارة على المُضيّ بالامتحانات وتمسك الطلاب والأساتذة بمواقفهم، يبقى السؤال معلَّقاً: هل تستطيع وزارة التربية إنقاذ هذا الاستحقاق، أم أنّ قرار الإفادات سيصبح في النهاية المخرج الوحيد من أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم؟




