التكنولوجيا وكرة القدم: السحر مقابل الدقة الهندسية

نافع سعدالاثنين 2026/07/06
الحكم يراجع تقنية الفار مونديال ٢٠٢٦(غيتي)
الأدوات المنفصلة باتت منظومة واحدة، تتحدث فيها الكرة مع الكاميرات مع سماعات الحكام (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الدقيقة 38 من مباراة إنجلترا وألمانيا في مونديال 2010، سدد فرانك لامبارد كرة ارتطمت بالعارضة وسقطت داخل المرمى بمسافة واضحة. لم يحتسب الحكم الهدف. تلك اللحظة، التي شاهدها العالم بالإعادة البطيئة بينما وقف الحكم عاجزاً عن رؤيتها، كانت الشرارة التي أنهت عقوداً من رفض الفيفا إدخال أي تقنية إلى الملعب. الأمين العام للاتحاد حينها، جيروم فالكي، أعلن أن ذلك سيكون "آخر مونديال بنظام التحكيم الحالي".

 

منذ ذلك الحين، تحولت كرة القدم من رياضة ترفض فكرة الكاميرا المساعدة، إلى رياضة تُدار بشبكة من المستشعرات والذكاء الاصطناعي وكاميرات تتعقب كل لاعب خمسين مرة في الثانية. لكن الرحلة لم تكن خطاً مستقيماً نحو "العدالة الكروية"، بل مساومة مستمرة بين الدقة والروح، بين الحقيقة الرقمية وسحر لعبة تغذّت دائماً على غموضها وأخطائها البشرية.

 

من خط المرمى إلى الذكاء الاصطناعي

تقنية خط المرمى كانت أول ما دخل الملعب، كاميرات سريعة تحدد بدقة خمسة مليمترات إن كانت الكرة قد عبرت الخط بكاملها، وترسل إشارة اهتزاز إلى ساعة الحكم خلال أقل من ثانية. اعتُمدت رسمياً عام 2012، ودخلت مونديال 2014 في البرازيل، حيث كان أول هدف تُثبته التقنية في مباراة فرنسا وهندوراس. لم تثر جدلاً كبيراً، لأنها تجيب عن سؤال ثنائي: هل عبرت الكرة الخط أم لا؟ لا اجتهاد ولا تأويل هنا.

 

الجدل بدأ فعلياً مع تقنية VAR، التي دخلت الملاعب الكبرى تدريجياً منذ 2016 حتى تم اعتمادها رسمياً في مونديال روسيا 2018. هنا لم تعد التقنية تقيس مسافة، بل تتدخل في قرارات اجتهادية: هل كانت هذه لمسة يد عقوبتها ركلة جزاء؟ هل كانت هذه عرقلة تستحق بطاقة حمراء؟ فجأة، أصبح الهدف الذي يحتفل به الجمهور قابلاً للإلغاء بعد دقائق من المراجعة، والفرحة العارمة تتحول إلى انتظار صامت. لهذا يقول كثيرون إن كرة القدم فقدت لحظتها الأنقى: تلك الثانية التي ينفجر فيها الملعب بلا تردد ولا قيد.

 

ثم جاءت تقنية التسلل شبه الآلية (SAOT) في مونديال قطر 2022: اثنتا عشرة كاميرا فوق الملعب تتعقب تسعة وعشرين نقطة من جسد كل لاعب، وكرة بها مستشعر يرسل بيانات اللمسة 500 مرة في الثانية، ليرسم الذكاء الاصطناعي خط تسلل ثلاثي الأبعاد خلال ثوانٍ. الجمهور بات يرى رسوماً دقيقة توضح حالة التسلل بدل الجدل الذي كان يعقب كل قرار. لكن هذه الدقة فتحت جبهة جدل فلسفية: حين يُلغى هدف بفارق أصابع قدم، هل هذا عدل أم تفريط في روح اللعبة لمصلحة الدقة الهندسية؟

 

بالتوازي مع ذلك، كانت ثورة أخرى أقل ضجيجاً تعيد تشكيل اللعبة من الداخل: تحليل البيانات. شركات مثل Opta و Stats Bomb، حوّلت كل مباراة إلى آلاف نقاط البيانات: من "الأهداف المتوقعة" (xG) إلى خرائط الضغط الدفاعي، بخوارزميات تقرأ الأنماط أسرع من أي محلل بشري. نتائج التحليل طالت غرف تدريب الأندية أيضاً: تراجع التسديد من خارج منطقة الجزاء في الدوري الإنكليزي بنحو الثلث خلال عقد، لأن البيانات أثبتت أنه خيار غير مجدٍ إحصائياً. والسؤال نفسه يتكرر هنا: هل يُفقر هذا التحليل الجرأة والعفوية وجمالية اللعبة، أم يمنح المدربين أدوات أدق لفهم لعبة كانت تُدار سابقاً بالحدس وحده؟

 

مونديال 2026: الكرة تتحدث مع الحكم

مونديال هذا العام، المقام في أميركا وكندا والمكسيك، يمثل قفزة نوعية. الأدوات المنفصلة باتت منظومة واحدة، تتحدث فيها الكرة مع الكاميرات مع سماعات الحكام في الوقت الحقيقي.

 

الكرة الرسمية "تريوندا" من أديداس تحمل مستشعراً وزنه أربعة عشر غراماً يرسل بيانات كل ميلي ثانيتين، ليحدد بدقة لحظة لمس الكرة. حالات التسلل الواضحة باتت تُرسل مباشرة إلى سماعة الحكم المساعد، بدلاً من المرور أولاً عبر غرفة الفيديو، وهذا ما يقلص وقت القرار بشكل كبير. وللمرة الأولى في تاريخ المونديالات، يرتدي الحكام كاميرات صغيرة (RefCam)، تنقل للمشاهد منظوراً جديداً: كيف يرى الحكم اللحظة فعلياً، وأحياناً كيف يُحجب نظره بلاعب أمامه.

 

صلاحيات VAR نفسها توسعت هذا العام بقرار من الاتحاد الدولي لقوانين اللعبة (IFAB): بات بإمكان حكم الفيديو التدخل أيضاً في حالات البطاقة الصفراء الثانية الخاطئة بوضوح، وحالات معاقبة لاعب بدلاً من زميله، وبعض ركلات الزاوية الممنوحة خطأً. أول تطبيق فعلي لهذا التوسع جاء في مباراة الولايات المتحدة وباراغواي، حين صحّح VAR بطاقة صفراء كانت قد أُشهرت خطأً بحق قائد المنتخب الأميركي بدل اللاعب المعني فعلياً.

 

الفيفا أعلنت الأمر بصراحة لافتة: الهدف لم يعد "القرار الصحيح" فقط، بل "القرار الصحيح السريع". مسؤول الابتكار في الفيفا يوهانس هولتسمولر قال إن المنظومة الجديدة تتيح للحكام "رفع الراية فوراً" بدلاً من الانتظار. المنطق هنا تسويقي بقدر ما هو تقني: قرار يستغرق أربع دقائق يترك الجميع غاضبين حتى لو كان صحيحاً، بينما قرار سريع برسم ثلاثي الأبعاد واضح يبدو أكثر قبولاً، حتى لو لم يكن أقل إثارة للجدل.

 

هاجس السرعة امتد أيضاً إلى قوانين اللعبة: عداد تنازلي من ثماني ثوانٍ لحارس المرمى، يظهر على الشاشة بعد الثانية الخامسة، وإن تجاوزها الحارس تُمنح ركلة زاوية للفريق المنافس مباشرة. المبدأ نفسه يحكم رميات التماس، فأصبحت مؤقتة بعداد لخمس ثوانٍ، وإن تأخر تنفيذها تُمنح الرمية للفريق المنافس، وذلك للحد من إضاعة الوقت وإبقاء اللعب متدفقاً. 

 

وفي جانب أقل ظهوراً، أطلقت الفيفا بالتعاون مع Lenovo أداة "Football AI Pro"، مساعداً تحليلياً بالذكاء الاصطناعي متاحاً للمنتخبات الـ 48 كلها بالتساوي، يفكك تقارير المباريات المعقدة (التي كانت تصل أحياناً إلى ستين صفحة يحتاج المحللون أياماً لتفسيرها) إلى ملخصات تكتيكية سريعة أمام المدربين. لا تصحيح لقرار حكم هنا، بل "دمقرطة" للتحليل، كي لا يبقى امتيازاً حصرياً للمنتخبات الغنية القادرة على تمويل غرف تحليل ضخمة.

 

الجدل لم يهدأ

كل هذا التطور لم يُنهِ الجدل، بل بدّل طبيعته فقط. ألمانيا، حاملة اللقب أربع مرات، خرجت من الدور الأول من الأدوار الإقصائية (32) بعد إلغاء هدف في الوقت الإضافي ضد باراغواي، إثر مراجعة اعتبرت أن هناك مخالفة على حارس المرمى. مدرب ألمانيا يوليان ناغلسمان وصف القرار بأنه "مزحة"، فيما اعتبر محللون أن التدخل نفسه كان "تدخلاً ضعيفاً وقراراً مخيباً". البرازيل تقدمت بشكوى رسمية إلى الفيفا بعد إلغاء هدف لفينيسيوس جونيور أمام اسكتلندا. وفي مباراة سويسرا وقطر، تعطلت تقنية التسلل عن إظهار الرسم البياني، وهذا ما اضطر الفيفا لإصدار بيان توضيحي بعد انتقادات واسعة لغياب الشفافية. وفي مباراة البرتغال وكرواتيا، أُلغي هدف كرواتي في الدقيقة 103 بعدما أثبت مستشعر داخل الكرة لمسة خفيفة لم يرها أحد، ليكون الهدف العاشر الذي يُلغيه VAR في البطولة، وسط احتجاج جماهيري بإلقاء الزجاجات على الملعب.

 

بمعنىً آخر: التكنولوجيا لم تُلغِ الخطأ البشري، بل نقلته من عين الحكم المجردة إلى غرفة المراجعة، حيث يبقى القرار النهائي بيد حكام يفسرون ما تعرضه الشاشات. الآلة تقيس بدقة، لكن الحكم على "المخالفة" أو "النية" يبقى اجتهاداً إنسانياً، وهذا ما يجعل الجدل أبدياً مهما تطورت الأدوات.

 

السحر مقابل الدقة

هذا هو جوهر القصة. أنصار التقنية يقولون إنه ما دامَ ملايين المشاهدين يرون الإعادة البطيئة من بيوتهم، فمن غير المنطقي أن يُحرم الحكم من هذه الإمكانية، وأن أخطاء فادحة مثل "يد الإله" لمارادونا أو هدف لامبارد كانت ستُكتشف خلال ثوانٍ لو وُجدت هذه الأدوات. أما المعارضون، ومنهم رئيس سابق للاتحاد الويلزي لكرة القدم، فيصرون على أن "العنصر البشري جزء جوهري من اللعبة... وهذا ما يبقي الناس يتحدثون في المقاهي بعد المباراة". الجمال في كرة القدم، كما يراه هؤلاء، يكمن في تدفقها المستمر وفي تلك اللحظة غير المشروطة من الفرح حين تهتز الشباك، لا في دقة باردة تُجمّد الاحتفال دقائق بانتظار "التأكيد".

 

إلى أين؟

الاتجاه العام واضح: مزيد من الأتمتة، ومزيد من الشفافية. هناك تجربة جارية لقاعدة تسلل جديدة يقترحها أرسين فينغر، تعتبر اللاعب في وضع قانوني ما دامَ أي جزء من جسمه المستخدم في التسجيل لا يزال مساوياً لخط الدفاع الأخير، ولا تزال قيد الاختبار. كذلك تطرح الفيفا نسخة مبسطة وأرخص من تقنية الفيديو للدوريات العاجزة عن تمويل الأنظمة المكلفة، في محاولة لتعميم العدالة التقنية لا حصرها بالنخبة.

 

لكن لا أحد في الفيفا ولا في الاتحاد الدولي لقوانين اللعبة يتحدث اليوم عن "حكم آلي" بالكامل. كل الأنظمة، مهما بلغت دقتها، تبقى مساعِدة لا بديلة. وربما هذا بالذات ما يضمن بقاء كرة القدم على حافة التوتر ذاته الذي ولد معها: رياضة تريد أن تكون عادلة بقدر الممكن، لكنها تخشى، في أعماقها، أن تصبح عادلة تماماً، فتفقد ما جعلها لعبة الجماهير الأولى منذ أكثر من قرن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث