تسجل هذه المرويات عن بنت جبيل وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. فبعد حلقة أولى عن حوادث وصور من عقد الستينيات في البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان، وثانية عن سوقها الأسبوعية وحرفها وصلتها بفلسطين، وثالثة عن عمليات التهريب الحدودي وتجارته منها ومن شبعا، بعد إنشاء دول في لبنان وسوريا وفلسطين، وإقامة حدود بينها، هنا حلقة رابعة عن الحرف التقليدية البنت جبيلية وتحولها صناعة ناشطة، قبل أن تندثر وتصير حكاية.
السَّكَفَة مهنة شائعة
يرجِّح منذر جابر في دراسة له عن بنت جبيل ("50 سنة على حرب لبنان 1975: الآثار والمتغيرات"، "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات")، أن نشأة "الصّنْعَة" في البلدة العاملية "قديمة" و"موصولة بحرفيّي الجليل الفلسطيني". وهو يخصُّ بالذِّكر "يهود صفد" الذين قد يكون قدامى حرفيّي بنت جبيل تعلموا الصنائع على أيديهم في أسواق المدينة الفلسطينية التجارية القديمة وطوائف حرفها.
فحاضرة جبل عامل الجنوبية والقرى المحيطة بها كانت تتبع لواء صفد في الزمن العثماني ومشدودة إليه، وإلى الجليل الأعلى ومدن الساحل الفلسطيني طوال حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتفيد مرويّات بنت جبيليين معمرين، عملوا في فتوّتهم إلى جانب آبائهم وأقاموا في الجليل الأعلى، أن الذهنية والأخلاق الإنكليزية كانت تقدّر الصنائع والحِرف اليدوية، وتنزلها منزلة محترمة بين الأعمال.
وبعد تعليله ازدهار الصنائع في بلدته العاملية بقِلَّة محصول "الزراعة" ومردودها فيها، و"بضيق مساحتها العقارية"، يذكر منذر جابر أن "الصنعة في بنت جبيل (كانت) تعني مهنة السَكَفَة حصرًا، وممتهنها (هو) الإسكافي أو الكندرجي. ومجمل مواليد (البلدة) الصبيان في السنوات الثلاثين الأولى من القرن العشرين، عملوا في هذه الصنعة، إذ لم يكن في بنت جبيل صنعتان. وحتى هجرات بنت جبيليين إلى حوران، كانت على قاعدة العمل في صنعة الأحذية".
أما مرويات أهالي البلدة فـَ "تقدّر عدد عمال هذه الصنعة فيها في الستينيات بحدود 500 عامل، كانوا يمدّون بمهنتهم مشاغل الشام وحلب وبيروت". لكن جابر يرى أن الصحافية هيام قصيفي تبالغ في عدد مشاغل الأحذية في بنت جبيل، حين تذكر في تحقيق نشرته "النهار" البيروتية في العام 1995، أن عددها كان 200 مشغل في العام 1966.
ومع كثافة الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان في السبعينيات، "راحت أعداد العاملين في صنعة الأحذية تتآكل في البلدة التي تزايدت حركة النزوح منها، لتذكر صحيفة "السفير" البيروتية أن عدد "الكندرجية فيها لا يتجاوز 15 عاملًا في العام 1977". لكن هذا الرقم "ارتفع إلى ما يزيد عن 200 عامل في 84 مشغلاً في العام 1988"، بعدما أنشأ الاحتلال الإسرائيلي المنطقة الأمنية في قرى وبلدات الشريط الحدودي اللبناني المحتل في العام 1978. واستمر التدني في الحرفة ومشاغلها في بنت جبيل، إلى 150 عاملاً في 66 مشغلاً سنة 1990، حتى شارفت الصنعة على الانقراض بعد العام 2000، لتصير "حكاية عن تاريخ البلدة".
هيا إلى العمل، هيا إلى الحرفة
روى أبو علي المولود سنة 1943 في قرية عيترون القريبة من بنت جبيل، أن غلبة النشاط الحرفي والتجاري كمصدر أساسي للعمل والرزق والمعيشة في البلدة العاملية الكبيرة، "حرّر" كثرة كبرى من عامة أهلها من ربقة ارتباطهم العضوي بالأرض الزراعية، الصغيرة المساحة فيها أصلًا، كما "حرّرهم" تاليًا من الملاّك الإقطاعيين. أما عيترون ونحو 40- 50 قرية عاملية في محيط بنت جبيل، فكان معظم أهلها فلاحين فقراء يعملون في أراضي إقطاعيين بعضهم من بنت جبيل، ويتزوّدون من سوقها ومشاغلها الحرفية بما يحتاجونه من سلع ضرورية لمعيشتهم. لذا كان البنت جبيلي يقول لأهالي القرى العاملية المجاورة في سوق بلدته: أنتم أهل القرايا تموتون جوعًا وحفاةً لولانا، ولما تذوقتم طعم اللحم لولا الذبائح التي تُعلّق في سوقنا نهار الخميس لكفايتنا وكفايتكم.
وبعدما لم يكن يتوافر الكندرجي والحداد والنجار لأهالي تلك القرى العاملية إلا في بنت جبيل، صارت لا تتوافر إلا فيها أيضًا عيادة الطبيب والصيدلي، والمتجر الذي يبيع بالجملة، في الربع الثاني من القرن العشرين (1925- 1950) وستيناته.
وحتى أواسط الستينيات التي انتشر التعليم في سنواتها الأولى بين أبناء العامة في مدارس بنت جبيل الرسمية أو الحكومية، ظل أهل الحرف في البلدة العاملية الجنوبية الكبرى، يورِّثون حِرَفهم إلى أبنائهم الذين كان آباؤهم يقولون لهم، حسب أبو علي: يا الله عَ الحِرْفة أو الصنعة. ذلك أن العمل المهني أو الحرفي يُكسِبُ مردودًا ماليًا مباشرًا. لذا ظل الحرفيون يكتفون بأن يحصّل أبناؤهم تعليمًا مدرسيًا ابتدائيًا، قبل انقطاعهم عن استكماله، لمزاولة حِرفة موروثة. فشقيق أم علي الأكبر مثلًا، قال له والده النجار، بعد تحصيله شهادة السرتفيكا: يكفي تعليمًا، هيا إلى الشغل، هيا إلى الحرفة أو الصنعة.
السوق والحرفة التجارية
تفيد دراسات الأنثروبولوجيا الاجتماعية والاقتصادية أن للأسواق الأسبوعية التقليدية في البلدات الريفية الكبرى، دور فاعل في تنامي الحرف وازدهارها فيها. فمن يقصدون أسواقها من أهالي القرى القريبة منها، للتزوّد بحاجاتهم وأدوات يستعملونها في أعمالهم وبيوتهم، يضاعفون الإنتاج الحرفي في تلك البلدات.
وبدل أن يقتصر عمل الحرفيين على إنتاج أحذية (وهذه مهنة حرفيّي بنت جبيل الأساسية والواسعة الانتشار فيها) تلبية لطلب زبائن يعرفونهم ويوصونهم عليها، يشرَعون في صنع أحذية لزبائن مغفلين أو مجهولين يؤمون سوق بلدتهم. وهكذا يتحول ما ينتجه الحِرفي سلعة حرفية وتجارية في وقت واحد، لزبائن متوقعين لا يعرفهم.
وروت أم علي وشقيقها أن أبناء قدامى الكندرجية طوّروا حرفة آبائهم في بنت جبيل. فبدل انتظارهم من يوصيهم كي يفصّلوا له حذاءً جديدًا، أو من يصلحون حذاءه العتيق، أخذوا يصنعون أحذية لبيعها من زبائن سوق بلدتهم المتكاثرين، فصاروا بذلك صانعي أحذية تجارية. وهذا قبل العام 1948 الذي شهد نكبة فلسطين، وبتر بنت جبيل وسوقها عن محيطهما الفلسطيني الواسع من الجليل الأعلى إلى حيفا ويافا.
وأدت قطيعة البلدة العاملية الجنوبية، الحرفية والتجارية، بفلسطين إلى موجة هجرة واسعة منها إلى بيروت وضواحيها الشرقية خصوصًا، النبعة وبرج حمود موطن الأرمن الحرفيين وأعمالهم الحرفية. وخالط حرفيو الأحذية البنت جبيليون أقرانهم وأشباههم الأرمن في أحياء تلك الضاحية، فشاركوهم وتعلموا منهم تطوير حرفتهم، وحدّثوا صناعة الأحذية، وأنشؤوا لها فبارك أو مصانع صغيرة، يعمل في بعضها أكثر من 20 عاملاً. وهذا ما مكّن هذه الصناعة من تصدير بعض منتجاتها إلى بلدان الخليج العربية، قبل أن تنكمش حيال منافسة الأحذية الإيطالية التي غزت الأسواق اللبنانية والعربية.
وبعد أن أدى العمل الفلسطيني المسلح من جنوب لبنان والاعتداءات الإسرائيلية على قراه وبلداته الحدودية، إلى نزوح وتهجير جديدين من بنت جبيل إلى بيروت وضواحيها بين العامين 1968 و1975، سرعان ما أدت حروب لبنان الأهلية الداخلية في تلك الضواحي إلى نزوح معاكس منها إلى بنت جبيل في حرب السنتين (1975- 1977)، فعاد إليها مؤقتًا بعض النشاط الحرفي الذي كان توطّن في برج حمود والنبعة منذ الخمسينيات.
هكذا يمكن القول إن ما لم تستطع حرب 1948 ونكبة فلسطين إجهاضه في بنت جبيل -إذ كان فيها في الستينيات ما بين 30- 40 مصنعاً صغيراً للأحذية، وربما كان مثلها لأصحاب هذه الصنعة البنت جبيليين في برج حمود في الستينيات- أجهضته حروب لبنان الأهلية والإقليمية وقضت عليه، لتتحول صناعة الأحذية البنت جبيلية من مهنة إلى حكاية ومرويات تراثية.
(يتبع)




