في طفولتي، كنت أزاحم أطفال القرية على لعبة كرة القدم، بكرةٍ مصنوعة من الورق. كانوا يشكّلون الفريق، وأُصرّ أنا على أن أكون حارسة المرمى، لكن الأمر كان ينتهي دائماً بطردي، فقط لأنني فتاة لا تصلح ـ في نظرهم ـ لهذه اللعبة.
كانت والدتي تحاول امتصاص صدمتي، فتصنع لي دمية من أعواد الخشب، وتحيك لها فستاناً صغيراً، لكنني كنت أكسر الدمية وأعود لأقتحم الملعب الترابي، وأفسد اللعبة، وفي رأسي سؤال كبير لا يفارقني: لماذا هذه اللعبة حكر على الفتيان؟
تابعت لاحقاً، وأغرمت بالكابتن ماجد، واليوم أتابع كأس العالم وأشجّع كريستيانو رونالدو، ربما كردّ اعتبار متأخر، أو سداد لعقدة نقص طفولية، وربما أيضاً لأنه يستحق ذلك.
ليست مجرد لعبة
أجلس اليوم في مقاهي بيروت، والكل منشغل بالرياضة، بعد حرب ساخنة أعقبتها هدنة، ربما ما كانت لتحدث بهذا التوقيت لولا كأس العالم.
ثمة وهم جميل يحب كثيرون تصديقه، وهو أن الرياضة عالم منفصل عن السياسة، وأن الملاعب ينبغي أن تبقى بعيدة عن صخب السلطة وصراعاتها وحساباتها المعقدة. في المخيلة العامة، تبدو الرياضة مساحة للمتعة والمنافسة والمهارة؛ عالماً تحكمه الأهداف والنقاط والميداليات، لا التحالفات والصفقات والحروب.
غير أن التاريخ، إذا قرأناه جيداً، يخبرنا بشيء مختلف تماماً. فالرياضة لم تكن يوماً مجرد لعبة؛ لقد كانت مراراً لغة سياسية كاملة، وأداة نفوذ، ورمزاً للقوة، بل وأحياناً ستاراً كثيفاً تمر خلفه أحداث كبرى، فيما تكون أنظار العالم معلقة بالملعب.
وفي زمننا الحديث، لم تعد الرسائل السياسية تُصاغ فقط عبر الخطب الرسمية أو المؤتمرات أو البيانات الدبلوماسية، الصورة باتت تسبق الكلام، وأحياناً تلغيه بالكامل. لقطة قصيرة لزعيم يركض، أو يبتسم، أو يسدد كرة نحو السلة، قد تحمل من الرسائل ما لا تحمله ساعات من التصريحات.
هنا، تتحول حركة الجسد نفسها إلى خطاب سياسي، وتصبح الصورة رسالة مدروسة بعناية، لكن العلاقة بين السياسة والرياضة لا تقف عند هذا الحد.
أحياناً لا تستخدم السلطة الرياضة لإرسال رسالة مباشرة فحسب، بل تستفيد أيضاً من أمر آخر بالغ الأهمية: انشغال العالم بالرياضة.
خلال البطولات الكبرى، خصوصاً كأس العالم أو الألعاب الأولمبية، ينشغل مليارات البشر بالمباريات والنتائج والنجوم والتحليلات، تخصص وسائل الإعلام ساعات طويلة للنقل المباشر، وتمتلئ منصات التواصل بالنقاشات الرياضية، بينما يتراجع كل شيء تقريباً إلى الخلف.
وهنا تبرز مفارقة لافتة، فبينما يهتف الملايين لهدف في الدقيقة الأخيرة، قد تكون خرائط سياسية كاملة تُعاد صياغتها في مكان آخر، وبينما يحتفل جمهور بانتصار تاريخي، قد تكون حرب قد بدأت، أو صفقة أُبرمت، أو قرار مصيري اتُّخذ خلف أبواب مغلقة.
التاريخ يتكلم
في صيف العام 1982 كان العالم يعيش حمّى كأس العالم في إسبانيا، الجماهير تتابع البرازيل وإيطاليا والأرجنتين، والإعلام غارق في التحليل الرياضي، وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت الدبابات الإسرائيلية تتقدم داخل لبنان، وكانت بيروت تدخل واحدة من أكثر مراحل تاريخها الحديث دموية وتعقيداً. في مكان كان العالم يصرخ فرحاً بهدف، وفي مكان آخر كان الناس يركضون هرباً من القصف.
هذه المفارقة تكشف شيئاً مهماً: الرياضة لا تصنع فقط لحظات جماعية من الفرح، بل قد تتحول، بقصد أو من دون قصد، إلى ستارة دخان إعلامية تخفف من تركيز العالم على أحداث أخرى.
لكن الجانب الآخر من القصة لا يقل إثارة. فالسياسيون أنفسهم أدركوا منذ زمن طويل أن الرياضة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة فعالة لصناعة الصورة.
أولمبياد برلين عام 1936م يقدم مثالاً صارخاً، أدولف هتلر لم يتعامل مع الألعاب الأولمبية بوصفها حدثاً رياضياً عادياً، بل حوّلها إلى عرض سياسي ضخم لتسويق صورة ألمانيا النازية باعتبارها نموذجاً للقوة والانضباط والتفوق. أراد أن يجعل من الملعب مسرحاً لعرض الهيمنة. لكن المفارقة جاءت حين حطم العداء الأمريكي جيسي أوينز هذه السردية بحصوله على أربع ميداليات ذهبية، موجهاً ضربة رمزية للفكر العنصري النازي من قلب الملعب نفسه.
بعد ذلك بعقود، وخلال الحرب الباردة، ظهر مثال مختلف تماماً. لم تكن مباريات تنس الطاولة بين الولايات المتحدة والصين عام 1971م مجرد منافسات رياضية عادية، بل تحولت إلى ما عُرف لاحقاً باسم "دبلوماسية البينغ بونغ"، كرة صغيرة فوق طاولة كانت كافية لفتح ثغرة في جدار قطيعة سياسية عميقة بين قوتين عظميين. هنا لم تكن الرياضة انعكاساً للسياسة فقط، بل أصبحت أداة لصناعة السياسة نفسها.
الصورة
وفي عصر الصورة، ازدادت العلاقة تعقيداً، لم تعد الدول فقط تستخدم الرياضة، بل الزعماء أيضاً. فلاديمير بوتين، على سبيل المثال، لم يظهر مراراً في رياضات مثل الجودو والهوكي مصادفة، هذه المشاهد ساهمت في بناء صورة الرجل الصلب، المنضبط، المسيطر، القادر على فرض حضوره وهيبته. الجسد هنا لم يعد جسداً رياضياً فقط، بل تحول إلى أداة سياسية.
في المقابل، استخدم باراك أوباما كرة السلة بطريقة مختلفة تماماً، لم يكن الهدف صناعة صورة القائد الخشن أو الرجل الحديدي، بل تقديم صورة القائد العصري، الحيوي، القريب من الناس، والمنسجم مع الحياة اليومية للأمريكيين. الرياضة هنا لم تُستخدم لبناء الهيبة بقدر ما استُخدمت لبناء الألفة.
وهنا نصل إلى سؤال جوهري: ماذا يعني أن يظهر سياسي وهو يمارس رياضة معينة؟
الإجابة غالباً تبدأ بسؤال آخر: لماذا هذه الرياضة تحديداً؟ فلكل رياضة حمولة رمزية تراكمت عبر الزمن، كرة القدم ترتبط بالجماهيرية والقدرة على مخاطبة الشارع الواسع، الفروسية تستدعي الهيبة والتقاليد والسلطة.
هدف الشرع
ومن هنا يمكن قراءة مشهد الرئيس أحمد الشرع وهو يسدد كرة نحو السلة، قد يراه البعض مجرد لقطة عابرة، لكن عيناً صحفية مدرّبة على قراءة الرموز ستتوقف عند تفاصيله، خصوصاً إذا جاء في سياق سياسي حساس سبق أو تزامن مع انفتاح على الولايات المتحدة.
هل كانت اللقطة عفوية؟ ربما. لكن السؤال الأهم ليس إن كانت عفوية أم لا. السؤال الحقيقي هو: ماذا قالت الصورة؟
في السياسة، الصورة نادراً ما تكون بريئة بالكامل، حتى حين تولد بعفوية، فإن إعادة نشرها وتداولها يحولها إلى رسالة عامة قابلة للتأويل.
على المستوى الخارجي، اختيار كرة السلة ليس تفصيلاً صغيراً، هذه الرياضة مرتبطة، في المخيال العالمي، بالثقافة الأمريكية الحديثة، الظهور في هذا السياق قد يحمل رسالة ضمنية تقول: أنا قادر على فهم هذا العالم والتحرك داخل رموزه.
أما داخلياً، فالصورة قد تساعد في إعادة تشكيل الانطباع عن الشخصية السياسية نفسها، بدلاً من صورة السياسي الجامد المحاط بالبروتوكولات والخطابات الثقيلة، يظهر شخص يتحرك بخفة، يمارس نشاطاً مألوفاً ويبدو أقرب إلى الحياة اليومية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في العلاقة بين الرياضة والسياسة، لرياضة قادرة على حمل نقيضين في آن واحد. قد تكون جسراً للسلام، وقد تصبح امتداداً للصراع، قد توحد الشعوب، وقد تؤجج القومية. قد تكون رسالة انفتاح، وقد تتحول إلى ستار يخفي وراءه تحركات كبرى، ولهذا لم تعد الرياضة مجرد لعبة.
إنها لغة، لغة تستخدمها الدول لتلميع صورتها، ويستخدمها الزعماء لإعادة تشكيل حضورهم، وقد تستفيد منها القوى السياسية أيضاً لصرف الانتباه أو إدارة المشهد العام.
في الماضي، كانت السلطة تُمارس عبر الخطاب المباشر، اليوم، أصبح جزء كبير من السلطة يُمارس عبر إدارة الانطباع، ولعل هذه هي الحقيقة الأوضح في عصر الصورة.
حين يدخل السياسي إلى الملعب، فإنه لا يترك السياسة خارجه بل يحملها معه إلى الحركة، إلى الجسد، إلى الكاميرا، وأحياناً، تختصر رمية كرة واحدة… ما لا تقوله عشرات الخطب.




