الإنجيلية تتخلى عن أساتذتها وعن مئة عام من التعليم بالنبطية

وليد حسينالجمعة 2026/07/03
اعتصام في مدرسة الانجلية في النبطية من قبل الاهالي والطلاب(رنا جوني)
قرار الإقفال الملتبس هدفه الضغط على الأهالي وعلى الحكومة وعلى الأساتذة (رنا جوني)
حجم الخط
مشاركة عبر

بين ابتزاز الأساتذة والأهل بقبول ما تريده الإدارة، وبين واقع أمني غير مستقر يحول دون إمكانية إصلاح المدرسة، قررت إدارة المدرسة الإنجيلية الوطنية في النبطية إقفال أبوابها للعام الدراسي المقبل. 

 

طبعاً، القرار ليس سهلاً على مدرسة عريقة مثل الإنجيلية، وأتى نتيجة الحرب الحالية والأضرار التي لحقت بها، وبسبب عدم استقرار الوضع الأمني أيضاً. لكن ما بدر إلى حد الساعة، يكشف أموراً لا تزال مستورة للعموم. الرأي العام انشغل بقرار إقفال مدرسة عريقة وانسحاب الطائفة الإنجيلية من تأدية رسالة التعليم في محيط شيعي، فيما خلف القرار أمور قانونية وإدارية وابتزاز كبير للأهل والأساتذة. والضحية الأولى للقرار الطرد التعسفي للكادر التعليمي والإداري، الذي تبلغ "فسخ العقد نظراً إلى الظروف القاهرة"، وفق ما أكدت مصادر "المدن". 

اعتصام في مدرسة الانجلية في النبطية من قبل الاهالي والطلاب(رنا جوني)

ما حصل أن السينودوس ضرب على الوتر الحساس لأهالي النبطية، الذين تربطهم علاقة عاطفة مع المدرسة. فهي جزء من النسيج الثقافي للمنطقة، ورمزاً للتعايش والتنوع، قبل أن تكون صرحاً للتعليم الجيد والمرموق. وهي من المدارس المسيحية المتآلفة في النسيج الديموغرافي للأغلبية الشيعية، ويفضّلها جزء كبير من الشيعة على مدارس أحزاب طائفتهم. ويزيد تاريخ تأسيس المدرسة على مئة عام، وقد خرّجت عشرات الآلاف من أبناء المنطقة. كما شهدت جميع الحروب اللبنانية، وصمدت خلالها، وواصلت أداء رسالتها التربوية. لكن، فجأة، ومن دون أي مقدمات أو بلاغ مسبق، أرسلت إدارة المدرسة كتباً رسمية إلى الأهالي تبلغهم فيها قرار إقفالها اعتباراً من العام الدراسي المقبل، بحسب ما أكد أهالي طلاب لـ"المدن".

 

قرار السينودوس

وحاء في كتاب إدارة المدرسة الموجه إلى الأهالي: "نكتب إليكم بقلوب يعتصرها الألم والاشتياق، لنصارحكم بوضع مدرستنا الغالية التي طالما كانت بيتاً ثانياً لأولادكم. كما تعلمون، سببت وتيرة الأعمال الحربية والقصف المستمر الذي يسفر عن إخلاء قسري كل مدينة النبطية الحبيبة وقراها المجاورة من سكانها. وللأسف، لم تسلم منشآتنا التعليمية؛ إذ تسبب القصف والغارات المتتالية في محيط المدرسة بأضرار بالغة طالت حرم المدرسة الداخلي والخارجي، حيث تحطمت النوافذ، وخلعت الأبواب، وتضررت التجهيزات التربوية والتقنية بشكل كبير. كل ذلك أدى إلى حتمية إقفال المدرسة للعام الدراسي المقبل".

 

اعتصام في مدرسة الانجلية في النبطية من قبل الاهالي والطلاب(رنا جوني)

الأهالي والأساتذة اعترضوا على القرار ونفذوا اعتصاماً في المدرسة اليوم الجمعة في 3 تموز. وبحسب مصادر "المدن" أبلغت الإدارة الأساتذة الاستغناء عن خدماتهم، وفسخ عقودهم بمن فيهم الطاقم الإداري، مستغلة القانون الذي ينظم المدارس الخاصة بإبلاغ الأساتذة بالطرد التعسفي قبل الخامس من تموز من كل عام.

 

قرار من دون التشاور معهم

لا أحد ينكر أن المدرسة تعرضت لأضرار جسيمة بما فيها تحطم جدران أحد مبانيها والملعب وقاعة المختبرات جراء القصف المدفعي أو غارات المسيرات. لكن أهالي الطلاب والأساتذة أكدوا لـ"المدن" أنه لا يجوز اتخاذ هكذا قرار فجأة ومن دون أي تشاور معهم حول الحلول الممكنة. 

 

مصادر إدارية في سلسلة مدارس الإنجيلية أكدت لـ"المدن" أن القرار ليس نهائياً، وهناك مراجعة للقرار بما يخدم أهالي النبطية والأساتذة. ورأت أن القرار أتخذ بسبب الخسارة المالية الكبيرة في الأضرار والخوف من إصلاحها بسبب عدم الاستقرار. لكن السيندوس يتباحث بالموضوع لإيجاد حلول.  

 

اعتصام في مدرسة الانجلية في النبطية من قبل الاهالي والطلاب(رنا جوني)

وعلمت "المدن" أن ثمة مساع يقوم بها رئيس الحكومة نواف سلام لإيجاد حلول لا تؤدي إلى إقفال المدرسة. وجرى تكليف الوزير كمال شحادة للمتابعة والأمور إيجابية إلى حد الساعة. وبحسب المعلومات، تقرر عقد اجتماع للجنة التربوية في السينودس مطلع الأسبوع المقبل لإعادة النظر في القرار ومن المرجح أن يكون يوم الاثنين.

 

الانتقال إلى صيدا أو التعليم عن بعد

وبحسب المعلومات، رغم عدم تبلغ الأهل بشكل رسمي برغبة الاستمرار بالتعليم عن بعد ولا بقرار الإقفال، تشاورت الإدارة مع بعض أهالي الطلاب في وقت سابق وعرضت الانتقال للتعليم عن بعد للعام الدراسي المقبل. إذ اعتبرت المدرسة أنها علمت عن بعد بشكل جيّد، فيما أهلي الطلاب كانوا يشتكون أن التعليم بهذه الطريقة كان سيئاً. 

 

وعلمت "المدن" أن أحد الحلول المطروحة قد تكون العودة عن القرار لصالح التعليم عن بعد في الفصل الأول من العام الدراسي. في الأثناء، وفي حال استقرار الوضع في الجنوب بشكل دائم، تبدأ المدرسة بإصلاح الأضرار لتأمين العودة الحضورية في الفصل الثاني. أما الخيار الآخر فهو نقل المدرسة من النبطية إلى مبنى المدرسة في صيدا، على اعتبار أن الأضرار بليغة، وأن هناك خوف من عدم توقف الحرب أو بقاء الأمر في حالة عدم استقرار. 

 

الضغط على الأهل والأساتذة

يرى البعض أن قرار الإقفال الملتبس هدفه الضغط على الأهالي وعلى الحكومة وعلى الأساتذة، لا سيما أنه أتى قبل ثلاثة أيام من تاريخ الخامس من تموز، تاريخ انتهاء المهلة القانونية لفسخ العقود مع الأساتذة من دون إنذار. هذا فضلاً عن أن إصلاح الأضرار يقع على عاتق الأهل من خلال زيادة الأقساط، طالما أن إعادة الإعمار لا تزال مجهولة المصير. 

 

ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل النفسي والعاطفي. فالإنجيلية من أقدم المدارس في لبنان وتحتفل هذه السنة بمرور مئة وعام على إنشائها في النبطية. بيد أن المستغرب في الموضوع هو كيف اتخذ السينودس قراراً متسرعاً  كهذا متناسياً أن المدرسة شهدت كل الحروب والاجتياح ولم تقفل أبوابها، فيما تستسهل اليوم اللجوء إلى الإقفال ومن دون التشاور مع الأهل أو توجيه رسالة واضحة مثلما فعلت المدارس الكبيرة الموازية لها في المنطقة.

 

ويسأل البعض: هل يعقل الضغط على أكثر من ألف وأربعمئة تلميذ للانتقال إلى صيدا أو قبول التعليم عن بعد لعام دراسي كامل، من دون أي تشاور مع الأهل؟ وهل يعقل طرد 120 أستاذ ومعلمة وإداري بهذا الشكل؟ ولماذا أتى القرار قبل يومين من انتهاء المهلة القانونية للطرد التعسفي الذي يسمخ به القانون؟ هل تعوّض المدرسة خسائرها المالية بهذه الطريقة متناسية كل تاريخها ومدى تعلق أهالي النبطية بها؟

 

بطرد الطاقم التعليمي باتت إدارة المدرسة بحل من التزامها القانوني تجاههم. فلو مرّ الخامس من تموز لكانت المدرسة ملزمة بتأمين رواتبهم لعام دراسي كامل. وعليه، وفي حال قررت العودة للتعليم عن بعد، تكون قد تخلت عن أساتذة الملاك وتعود وتتعاقد مع من ترغب، ولا تدفع لهم الرسوم لمعاشات التقاعد لصندوق التعويضات.

 

مدرسة البعثة الفرنسية مثالاً

يتأسف أهالي الطلاب والأساتذة حول التسرع في القرار ويعطون مثلاً عن مدرسة البعثة الفرنسية، التي لا يزيد عمرها على ثلاثين عاماً. فقد أقدمت إدارة المدرسة على إبلاغ الأهل في شهر أيار المنصرم قرارها نقل المدرسة إلى مبنى مدرسة الليسيه فردان في بيروت. وخيّرت الأهل بين القبول بهذا القرار القسري أو نقل أولادهم إلى مدارس أخرى. 

 

كانت الإدارة واضحة جداً بأن خيارها الأول هو العودة إلى مبنى حبوش، الذي لم تطاله الأضرار، في حال استقر الوضع. وأبلغت الأهل أن الفصل الأول من العام الدراسي سيكون في فردان في حال انتهت العطلة الصيفية وبقي الوضع الأمني الحالي في الجنوب. 

 

وأكدت مصادر إدارية أن الإدارة والأهالي تعاونوا جيداً لأن الإدارة كانت واضحة منذ البداية بأنها لن تستغني عن مدرستها في حبوش وأن الوضع الأمني يدفعها لتأمين عام دراسي مستقر منذ البداية لعدم حصول مفاجئات. وقد عاد وسجّل نحو تسعين بالمئة من الأهل أولادهم في الليسيه حبوش. صحيح أن بعض الأهالي يتخوفون من تغير القسط المدرسي (القسط المدرسي في حبوش أقل من بيروت) ليصبح موازياً لقسط الليسيه فردان، إلا أن الأمر مجرد خشية، ذلك أن المدرسة ستحافظ على أقساطها. وقد سبق ووقفت الإدارة إلى جانب الأهل بتقسيط الأقساط بسبب الظروف المالية وتوقف أعمال وأشغال سكان المنطقة، وتدخلت السفارة الفرنسية ودعمت المدرسة وأهالي الطلاب للحفاظ على التعليم الفرنسي.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث