في غمرة الصخب الذي يملأ الملاعب، وهتاف الملايين خلف الشاشات، تصاب الذاكرة الجماعية للشعوب بنوع من "انعدام الوزن". فجأة، تختزل الجغرافيا في مساحة المستطيل الأخضر، ويصبح مصير الأمة معلّقاً بقدم لاعب أو بصفارة حكم. هذه اللحظة تحديداً، حيث يبلغ الشغف البشري ذروته، هي التوقيت المثالي الذي تنتظره المطابخ السياسية والاقتصادية حول العالم.
لم تعد العبارة الشهيرة لـ "كارل ماركس" عن الدين كأفيون للشعوب دقيقة بما يكفي في العصر الحديث؛ فهناك أفيون معاصر يُصنع في أروقة "الفيفا". فالمونديال ليس مجرد حدث رياضي، بل تحوّل إلى أكبر "ستار دخان" تكتيكي تُمرر خلفه القرارات الأكثر قسوة، وتؤجّل عبره الأزمات الوطنية الكبرى.
هندسة التوقيت: قوانين تُولد في "الوقت بدل الضائع"
الإلهاء الكروي ليس نظرية مؤامرة، بل هو واقع توظفه السياسة بذكاء. فالحكومات، بديناميكيتها البيروقراطية، تعلم أنَّ القرارات غير الشعبية، كرفع أسعار الوقود، أو زيادة الضرائب، تحتاج إلى "صدمة مضادة" تمتصّ غضب الشارع. ولا توجد شحنة عاطفية أقوى من بطولة كروية كبرى، حيث تجد الحكومات في غمرة الذهول الجماعي فرصة لتمرير قرارات صعبة بهدوء.
ليست هذه ظاهرة حديثة؛ فمنذ أن استضافت إيطاليا الفاشية مونديال 1934، أدركت الأنظمة أنَّ الملاعب ليست مجرد ساحات رياضية، بل أدوات لقوة ناعمة وصرف للانتباه، وإحياء شعار روما القديمة: "الخبز والسيرك".
وفي مونديال 1990، وبينما غرق الشارع الإيطالي في حالة "حداد كروي" بعد الخروج الصادم أمام أرجنتين مارادونا، استغلت النخبة السياسية المأزومة آنذاك شلل قدرة النقابات على التعبئة الفورية، لتسريع خطط التكيّف الهيكلي والتمهيد لقرارات اقتصادية صعبة تزامنت مع طي صفحة البطولة.
أما النموذج الأبرز في العصر الحديث، فكان في ألمانيا 2006. فبينما كانت البلاد تعيش نشوة استضافة المونديال وغارقة في احتفالات "الحلم الصيفي"، تراجع صخب الاحتجاجات ضد أكبر زيادة ضريبية في تاريخ ألمانيا الحديث بعد الحرب العالمية الثانية (رفع ضريبة القيمة المضافة من 16% إلى 19%)، والتي أقرَّها البرلمان عشيّة البطولة وتأمن تطبيقها بفضل انشغال مانشيتات الصحف ونقاشات الشارع بالكامل بالتكتيك واللاعبين.
غسيل السمعة بدموع الفرح
الزاوية الأكثر عمقاً في "التخدير الرياضي" هي محاولة الأنظمة مصادرة الانتصارات الجماعية وتحويلها إلى صكوك غفران تعمي الأعين عن الإخفاقات الهيكلية في الصحة، والتعليم، والاقتصاد. فعندما يعاني بلد من تضخم خانق أو عزلة دولية، يُعاد توجيه أي إنجاز كروي عبر الآلة الإعلامية ليتحول من "جهد عرق اللاعبين" إلى دليل على "حكمة وعظمة القيادة"، فيما يُعرف في العلوم السياسية ب "الغسيل الرياضي ". (Sportswashing)
في عام 1978، استضافت الأرجنتين المونديال تحت وطأة دكتاتورية عسكرية شرسة بقيادة "خورخي فيديلا". وبينما كان الملايين في ملعب "المونومينتال" يهتفون لأهداف "ماريو كيمبس"، كانت زنازين "مدرسة الميكانيكا للقوات البحرية"، التي تبعد أقل من كيلومترين عن المدرجات الصاخبة، تشهد أبشع عمليات التعذيب والتصفية للمعارضين، في مفارقة مرعبة اختصرت كيف يمكن لصوت الشباك أن يحجب صوت الضحايا.
وقبلها، تحديداً في مونديال المكسيك 1970، ركب الجنرال البرازيلي الدكتاتور "إميليو ميديسي" موجة الفوز التاريخي باللقب الثالث بوجود بيليه. وظّف النظام الاستبدادي هذا السحر الكروي لشرعنة أداة القمع الشرسة، رابطاً في أذهان العامة بين شعار السلطة الإقصائي "البرازيل: أحبها أو اتركها" وبين وطنية الانتصار، مما أدى إلى شلّ الحراك العمالي والطلابي وسط طوفان الاحتفالات العارمة.
ولم تغب هذه الاستراتيجية عن العصر الحديث؛ فروسيا التي استضافت مونديال 2018 في أوج العقوبات الغربية عليها، لم تكتفِ بتلميع صورتها الدولية وكسر عزلتها الدبلوماسية لأسابيع، بل استغلت "هندسة التوقيت" محليّاً إلى أقصى حد. ففي ذات يوم المباراة الافتتاحية للبطولة، أعلنت الحكومة بهدوء عن قرارها التاريخي والمثير للجدل برفع سن التقاعد، ممررةً واحداً من أصعب القوانين الاجتماعية تحت غطاء من صخب الملاعب وهتافات الجماهير.
المونديال أمام براغماتية ترامب
إن توقيت المونديال بالنسبة لزعيم براغماتي ومحترف إعلامي من طراز دونالد ترامب يمثل "شاشة دخان" مثاليّة ومسرحاً سياسياً مفتوحاً. فبينما يتركز اهتمام الشريحة الأوسع من الناخبين وشاشات الأخبار على أهداف الملاعب، يمتلك البيت الأبيض فرصة ذهبية لتقليص الضجيج حول أكثر الملفات إثارة للجدل، ممرّراً إياها بـ"جرة قلم" صامتة في وقت بدل الضائع الإعلامي.
وفي اللقطات الميّتة إعلامياً، مثل ليلة مباراة مصيرية للمنتخب الأمريكي مثلًا، تصبح البيئة مهيّأة لتوقيع مراسيم حاسمة، أو حزم من الرسوم الجمركية، أو حملات إنفاذ قوانين الهجرة المقيدة. والمفارقة هنا تكمن في الجغرافيا؛ فأمريكا تشترك مع المكسيك في استضافة هذه البطولة، ما يمنح ترامب غطاءً دبلوماسياً ليمارس ذروة البراغماتية: يتبادل الابتسامات الشرفية مع الشركاء على المنصة، بينما تمرّ قراراته المتشدّدة كسطر عابر في أسفل الشاشات المشغولة بالبث الغامر والتحليل الرقمي للمباريات. ولن يكتفي البيت الأبيض بالتواري خلف الحدث، بل قد يمارس ترامب هوايته المفضلة في تحويل المدرجات إلى مهرجانات شعبوية تعزز شعار "أمريكا أولاً". فيتحوّل صعوده للمنصات وهتاف الجماهير بـ "USA" إلى صك شرعية بصريّة يربط في أذهان الملايين بين عظمة أمريكا الرياضية وقوة إدارته، في عملية إعادة إنتاج سياسي (Rebranding) ذكية، تجعل من نجاح التنظيم غطاءً قومياً يُعلي من شأن المنجز السياسي، ويؤجل نقاش الأزمات الداخلية المعيشية الملحّة إلى ما بعد صافرة النهاية.
تواطؤ طوعي: المشجع يطلب التخدير بنفسه
لكن، هل الجماهير ضحية ساذجة لعملية التخدير هذه؟ الأمر أكثر تعقيداً من مجرد "شعب مخدوع وحكومة ماكرة".السوسيولوجيا الحديثة تشرح: في كثير من الأحيان، يمارس المواطن "الهروب الطوعي"، ويختار أحياناً هذا الإلهاء بوعي. المشجع ، المحاصر بالأزمات المعيشية والانسداد السياسي، يرى في المونديال "ملجأً سيكولوجياً". إنه يريد أن يُخدَّر، يريد أن ينسى فواتير الكهرباء والمياه والغلاء المعيشي، والديون المتراكمة، ليعيش لمدة شهر واحد في عالم واضح القوانين: عالم ينتصر فيه المجتهد، ويُعاقب فيه المخطئ ببطاقة حمراء، وهي عدالة يفتقدها في حياته اليومية. هذا التواطؤ الضمني بين السلطة التي تريد الإلهاء، والشعب الذي يريد النسيان، هو الذي يجعل من المونديال الأداة الأقوى لإدارة الأزمات عبر تأجيلها.
و يتحوّل العشب الأخضر هنا إلى ساحة معركة بديلة، يُعوض فيها المواطن المسحوق هزائمه اليومية أمام لقمة العيش، بانتصار رمزي على دولة أخرى. هذا "الفخر القومي المؤقت" هو مهدّئ موضعي فائق الفعالية، يجعل الشعوب تتقبل واقعها، مادامت قادرة على رفع رأسها كرويّاً بين الأمم.
ينتهي المونديال، تُطوى الأعلام، وتعود الجماهير إلى بيوتها. هنا يكمن التحدي الحقيقي: رصد لحظة "الصحوة من التخدير".عندما يعود المواطن في الصباح التالي للمباراة النهائية، ليجد أنَّ النجم الذي هتف له قد عاد إلى قصر المليارات، بينما يستيقظ هو على الأسعار الجديدة والضرائب المرتفعة التي قُررت خلف ظهره في "الوقت بدل الضائع". حينها فقط، يدرك العالم أنَّ الكرة لم تكن يوماً مجرد لعبة، بل كانت الساعة الرملية التي تدير بها السلطة بمساعدة الفيفا وعيَ الشعوب، إلى أن يحين المونديال المقبل.




