في لبنان، لا تُطوى بعض القضايا مع مرور الزمن، بل تبقى عالقة في الذاكرة العامة، تعود كل فترة لتفرض أسئلتها على الدولة والمجتمع. من بين هذه القضايا ملف المفقودين والمخفيين قسراً، الذي يُعد من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً وألماً، فيما لا يزال مفتوحاً على غياب الحقائق غير المكتملة.
في هذا الإطار، أطلقت جمعية "لنعمل من أجل المفقودين"، برعاية وزارتي الثقافة والعدل، حملة وطنية بعنوان "مش ذكرى والشباب جزء من هذا المسار"، تهدف إلى التأكيد أنَّ القضية ليست مجرد استعادة للماضي، بل مسار مستمر من المطالبة بالحق في المعرفة، ودفع لبنان إلى تطبيق القانون 105/2018 والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. وتأتي الحملة لتعيد التذكير بأنَّ هذا الملف ليس ذاكرة تُستحضر، بل مسؤولية تُستكمل.
إشراك جيل الشباب
نظّمت الجمعية مسابقة طلابية هدفت إلى إشراك طلاب الجامعات في إنتاج أعمال رقميّة وبصريّة تُسهم في التوعية بحق المعرفة، وتسليط الضوء على أهمية الانضمام إلى الاتفاقية الدولية. وشارك في المبادرة أكثر من 30 جامعة من مختلف المناطق اللبنانية، حيث عمل طلابها على إطلاق حملات إلكترونية توعويّة، قبل اختيار 30 منهم للمشاركة في المسابقة، حيث فاز منهم تسعة طلاب.
وقالت منال حمدون، المديرة التنفيذية لجمعية "لنعمل من أجل المفقودين"، في حديث لـ"المدن"، إن "هذه الفعالية تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى الشباب حول أهمية تطبيق القانون 105 وتفعيل عمل الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً"، معتبرة أنّ إشراك الجيل الشاب يشكّل مدخلاً أساسياً لاستكمال هذا المسار.
بدورها أكدت وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المفقودين والمخفيين قسراً، أنّ النضال من أجل معرفة مصير المفقودين لا يتوقف عند الذاكرة، بل يتجاوزها إلى ضرورة إشراك جيل الحرب والأجيال التي لم تعشها. وتشدد على أنَّ مَن يجهل الماضي لا يمكنه أن يصنع المستقبل، وأنَّ كسْر الصمت شرط أساسي لبناء وعي جديد يحفظ حق المعرفة كحقٍ إنساني مقدس يضمن مستقبلاً أكثر أماناً.
بيت بيروت جزء من الذاكرة
احتضن "بيت بيروت" الفعالية، نظراً لما يحتفظ به من ذاكرة الحرب وتفاصيلها، ما أضفى على الحدث بعداً رمزياً واضحاً. وأشار الوزير السابق زياد بارود، الذي شارك في الفعالية، إلى هذه الرمزية، قائلاً إن "المكان يحمل ذاكرة لا يمكن فصلها عن القضية". وأضاف أنَّه منذ عام 2000 كان يعمل على ملف المفقودين قبل صدور القانون عام 2018، فيما لا يزال لبنان يسعى حتى اليوم إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية. ويشدّد بارود على أهمية دور الشباب في حمل هذه القضايا، ونقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، لما لذلك من دور في منع تكرار المأساة، وتحويلها إلى مساحة تعلّم ومساءلة وحق في المعرفة.
من الذاكرة إلى المساءلة إلى حق المعرفة
النضال من أجل معرفة مصير المفقودين لا يتوقف عند الذاكرة، بل يتجاوزها إلى ضرورة إشراك جيل الحرب والأجيال التي لم تعشها. ويقول جان مارك القاصوف، أحد الطلاب المشاركين والفائزين في المسابقة، إنَّ مشاركته تنطلق من إيمان بأنَّ لكل شخص صوتاً يجب أن يُسمع، خصوصاً الشباب، الذين يحتاجون إلى الوعي والمعرفة بتاريخهم، كي لا يكونوا عرضة للاستهداف أو الانزلاق نحو تكرار حروب مشابهة.
تأتي هذه الحملة لتعيد التأكيد على أنّ ملف المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان ليس قضية ماضٍ، بل قضية حاضرة تتصل بالحق في المعرفة، وبالمساءلة، وبمنع تكرار الانتهاكات. كما تضع الشباب في قلب هذا المسار، لا كمجرد مشاركين، بل كجزء أساسي من تحويل الذاكرة إلى فعل مستمر ومسؤولية جماعية.




