عاشوراء الضاحية: هيهات منّا الذلّة توصيف لواقع ما بعد الحرب

نغم ربيعالجمعة 2026/06/26
عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
جاءت المسيرة في لحظة استثنائية تعيشها البيئة الشيعية بعد الحرب المدمرة (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن مسيرة اليوم العاشر من عاشوراء هذا العام مجرد مناسبة دينية أو طقساً سنوياً يتكرر في الضاحية الجنوبية لبيروت. كانت أشبه بموعد جماعي لاستعادة المعنى بعد أشهر ثقيلة من الحرب والخسارات والنزوح والانتظار. حشد بشري هائل غصت به الشوارع والساحات، في واحدة من أكبر المسيرات العاشورائية التي شهدتها الضاحية في السنوات الأخيرة، ليس لناحية الأعداد فحسب، بل لناحية الرمزية السياسية والوجدانية التي حملتها.

 

عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

جاءت المسيرة في لحظة استثنائية تعيشها البيئة الشيعية، بعد حرب تركت آثارها في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية. قرى مدمرة، آلاف العائلات التي لم تستطع العودة نهائياً إلى منازلها، شهداء تركوا فراغاً في عائلاتهم وبلداتهم، وشعور عام بأن المنطقة بأسرها تقف عند مفترق سياسي وأمني جديد. لذلك لم يكن الحشد مجرد مشاركة في إحياء ذكرى دينية، بل بدا وكأنه إعلان حضور جماعي، ورسالة سياسية واجتماعية تقول إن الحرب، على قسوتها، لم تنجح في تفكيك هذه البيئة أو دفعها إلى الانكفاء.

 

الحرب في قلب المسيرة

لم يكن الحشد مجرد مشاركة في إحياء ذكرى دينية، ولا مجرد تجمع جماهيري كبير، بل بدا أشبه بإعلان حضور جماعي ورسالة سياسية واجتماعية في لحظة مفصلية. كان استفتاءً شعبياً على التمسك بالخيار الذي تمثله المقاومة بالنسبة إلى جمهورها، وتجديداً للعلاقة بين الناس ورمزياتهم السياسية والدينية في لحظة يشعر فيها كثيرون بأنهم مستهدفون في وجودهم وأرضهم وذاكرتهم. ومن هنا اكتسبت الأعداد الضخمة المشاركة معناها الحقيقي، فالقضية لم تكن قضية كثافة بشرية فحسب، بل كثافة رسائل أراد المشاركون إيصالها إلى الداخل والخارج في آن واحد.

 

في هذه المسيرة، بدا أن الحرب حضرت بكل تفاصيلها. حضرت وجوه الشهداء في الصور المرفوعة فوق الرؤوس، وحضرت القرى المدمرة في ذاكرة المشاركين، وحضر الغياب الثقيل لمن لم يعودوا بعد إلى منازلهم في الجنوب. 

آلاف الجنوبيين الذين ما زالوا يعيشون النزوح المؤقت في الضاحية ومحيطها، وجدوا في عاشوراء هذا العام مساحةً لتجديد الصلة بقضيتهم وبخساراتهم وبصبرهم الطويل، فوجدوا في الضاحية هذا العام مكاناً لإحياء عاشورائهم بعيداً من قراهم.

 

عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

بكاء جماعي

ولعل أكثر ما كشف حجم تلك الخسارات لم يكن الحشد نفسه، بل الدموع التي ملأت الوجوه. لم يكن البكاء عادياً. لم يكن ذلك البكاء الذي يرافق مراسم عاشوراء كل عام، ولا الدموع التي تنهمر مع ذكر المأساة الحسينية فحسب. كان بكاءً مثقلاً بأشهر طويلة من الحرب، كأن الناس حملوا في صدورهم ما عجزوا عن قوله طوال عام كامل، ثم وجدوا في هذا اليوم فسحةً لإخراجه دفعة واحدة. دموع على الشهداء الذين رحلوا، وعلى البيوت التي تهدمت، وعلى القرى التي تبدلت معالمها، وعلى أيام النزوح الطويلة التي لم تنتهِ بعد بالنسبة إلى كثيرين.

 

في الشوارع التي غصت بالمشاركين، اختلط النحيب بالأناشيد والهتافات. كانت صور الشهداء ترتفع فوق الرؤوس كما لو أنها جزء من المشهد العاشورائي نفسه. في لحظات كثيرة، بدا أن المسيرة تتحول إلى ما يشبه جلسة عزاء جماعية مفتوحة. نساء يبكين بصمت، رجال يخفون دموعهم بصعوبة، وشبان يرددون الهتافات بأصوات مبحوحة من الانفعال. كان الحزن حاضراً بقوة، لكنه لم يكن حزناً فردياً. كان حزناً عاماً يخص جماعة كاملة شعرت خلال الأشهر الماضية بأنها دفعت أثماناً باهظة من أرواح أبنائها واستقرارها وأمنها اليومي.

 

ولعل ما ميّز المشهد أن البكاء لم يكن تعبيراً عن الانكسار بقدر ما كان وسيلة للتشبث بالمعنى. ففي الثقافة العاشورائية، لا تتحول الدموع إلى علامة ضعف، بل إلى فعل وفاء واستمرار. لذلك بدا أن المشاركين يحاولون إعادة ترتيب خساراتهم داخل رواية أكبر تمنحها معنى. فالموت لم يعد مجرد فقدان شخصي، والدمار لم يعد مجرد خسارة مادية، بل جزءاً من سردية جماعية تبحث عن الصمود والاستمرار رغم كل ما جرى. 

 

عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

الحرب وذكرى كربلاء

بين الحشود، ارتفعت الهتافات التقليدية التي ترافق كل المناسبات "هيهات منا الذلة"، "الموت لأميركا"، "الموت لإسرائيل". لكنها هذه المرة بدت أكثر التصاقاً بالواقع اليومي للناس. فالحرب التي عاشوها خلال الأشهر الماضية أعادت إلى الأذهان، بالنسبة لكثيرين منهم، مفاهيم الظلم والمواجهة والصمود التي ترتبط برواية كربلاء.

تقول إحدى المشاركات: "كل العنف والدمار والظلم والشهداء الذين سقطوا يذكروننا بعاشوراء". بالنسبة إليها لم تعد كربلاء مجرد ذكرى تاريخية، بل صارت مرآة لتجربة معاشة، تستحضرها صور البيوت المهدمة وأسماء الشهداء الذين غابوا في الحرب الأخيرة.

 

وتقول مشاركة أخرى: "نحن تربينا على ذكرى عاشوراء، والذي ذكرني بها في هذه الحرب هو صبر الناس الذين تهجروا من بيوتهم ولم يتأففوا، وإن تأفف أحدهم، فهو من التعب والوجع، لا اعتراضاً على النهج الحسيني". في كلامها محاولة لربط التجربة اليومية للنازحين بقيم الصبر والثبات التي تشكل جوهر السردية العاشورائية في الوعي الشعبي.

 

أما حياة، فتختصر المسألة من زاوية أخرى: "الظلم الذي تعرضنا له يشبه ما تعرض له الإمام الحسين، ولذلك توحد الناس حول شعار هيهات منا الذلة". هنا يتحول الشعار من عبارة تُردد في المسيرات إلى توصيف لحالة جماعية تشعر بأنها تواجه ظلماً وتبحث عن وسائل التعبير عن رفضه.

 

عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

حضور الغائب

لكن أكثر ما كان حاضراً في المشهد هو الحزن على الغياب. غياب الذين سقطوا في الحرب، وغياب الذين ما زالوا بعيدين عن قراهم، وغياب السيد حسن نصرلله الذي شكل جزءاً من الوجدان السياسي والعاطفي لهذه البيئة.

 

تقول هناء وهي تحاول حبس دموعها: "فقدان السيد غالٍ علينا وعلى أرواحنا. نحن غاصون ومخنوقون، لكننا سلمنا أمرنا لأهل البيت". كلماتها تختصر جانباً من المزاج العام الذي ساد المسيرة: حزن كثيف، لكنه حزن يُترجم إلى صبر وانتظار وتمسك بالرموز التي تمنح الجماعة قدرتها على الاستمرار.

 

عاشوراء في الضاحية (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

هكذا بدت عاشوراء هذا العام في الضاحية، ليست مجرد استعادة لواقعة حدثت قبل قرون، بل قراءة معاصرة لها من خلال الحرب والدمار والنزوح والشهداء. ولذلك بدا الحشد استثنائياً، وبدا معه أن الدموع أكثر غزارة من أي وقت مضى، في لحظة تختلط فيها الذاكرة الدينية بالتجربة اليومية الثقيلة للناس. ولهذا لم تكن عاشوراء هذا العام مجرد ذكرى دينية أو مناسبة وجدانية، بل أيضاً لحظة لقياس نبض الشارع بعد الحرب، واختبار قدرة الجماعة على تحويل الألم إلى تماسك، والوجع إلى شكل آخر من أشكال الاستمرار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث