فيما كان الرأي العام اللبناني منشغلاً بالامتحانات الرسمية وقرار إلغاءها، مرَّر مجلس الوزراء مرسوم المناهج للتعليم ما قبل الجامعي، الذي أعدّته وزيرة التربية ريما كرامي. لم تناقش هذه الحكومة ولا الحكومات السابقة مشروع المناهج، كما تقتضي المصلحة الوطنية العليا للدولة، ووفق القوانين المرعية الإجراء، بل اكتفت بتهريب المناهج بذريعة الخوف من خسارة التمويل الدولي.
طباعة الكتب قبل صدور المرسوم
موضوع الخلل القانوني في المناهج يعود إلى سبع سنوات للوراء، حيث لم يصدر أيَّ مرسوم عن الحكومات قبل البدء بإعداد المناهج لمرفعة الوجهة التربوية التي تريدها الدولة، بل أقدم وزراء التربية على وضع المناهج ضاربين عرض الحائط الأسس القانونية المتّبعة. لكنَّ المختلف اليوم أنَّ كرامي سارعت إلى إعداد المناهج ثم عادت وطلبت المرسوم. والأسوأ من ذلك أنَّ الوزارة كانت بصدد طبع نماذج كتب للمناهج الجديدة قبل صدور المرسوم. وعليه باتت الدولة والمجتمع ملزمين بمناهج جرى طبخها غبَّ الطلب ومن دون العودة إلى اللجنة العليا للمناهج. هذا ويحكى عن صفقات لتلزيم طباعة النماذج وجرى عقد اتفاقات جانبية مع دور نشر بالاسم لطباعة كتب الرياضيات والعلوم والإنكليزي.
من دون دراسة الوجهة التربوية
أقدمت وزارة التربية على تعديل الهيكلية التعليمية في المناهج الجديدة من دون الحصول على مرسوم من الحكومة، وعدَّلت الأوراق المُساندة للمناهج من دون صدور الأوراق بمرسوم أيضاً، ولم تعرض على اللجنة العليا للمناهج أيضاً، وقررت الحكومة إقرار كل شيء بمرسوم صدر اليوم، وقبل دراسة الوجهة التربوية أو الفائدة من المناهج أو حتى الكلفة المالية السابقة واللاحقة. وشرعنت الحكومة كل الهدر السابق على المناهج واللجان التي تشكلت خارج الأصول القانونية. وشرعنت أيضاً التغييرات اللاحقة على النظام التعليمي من دون معرفة ما هي التغييرات المرادة، ولا جرى نشر التقارير المالية ولا التربوية لاطّلاع الرأي العام حولها. علماً أنَّ وزارة التربية انتقلت إلى مرحلة تأليف الكتب رغم أنَّ العمل الأساسي على المناهج غير منجز بعد. وتفيد مصادر مطلعة إلى أنّ المركز التربوي ما زال يتخبط في تصحيح العناوين والأهداف، وفي الوقت عينه انتقل إلى مرحلة تأليف الوحدات التعليمية.
لجنة سرّية للتقييم
وبالعودة إلى الوراء، سبق وأقدم الوزير السابق عباس الحلبي على وضع الإطار العام للمناهج من دون مرسوم صادر عن الحكومة، ثم تبيّن أنّه غير صالح، بعد تغييره خمس مرات، ثم وضع له أوراق مساندة كي تصحح الخلل فيه، وتشكّلت لجان ووضعت أوراق وأبحاث. وعندما أتت الوزيرة كرامي، وعوضاً عن العودة إلى الأصول في العمل القانوني، ذهبت إلى تشكيل لجنة غير رسمية وبلا قرار رسمي. وتبيّن أنَّ اللجنة خرجت بتوصية سيئة عن العمل السابق، ولم تُقدم كرامي على نشر التقرير، بل أقدمت اللجنة على تعديل الأوراق خلسة ومن دون العودة إلى اللجنة العليا للمناهج. علماً أنّه سبق وأقرّت اللجنة العليا للمناهج ثلاثة أوراق من أصل عشرة، لكنَّ وزارة التربية عادت وعدّلت فيها ولم تعرضها على اللجنة، كما أكدت مصادر من داخل اللجنة.
صفر شفافية بإنفاق المال
إلى ذلك لم تلتزم كرامي مبدأ الشفافية ولم يصدر أي تقرير حول كيفية إنفاق أموال مشروع S2R2 الذي موّل العمل على المناهج ودائماً قبل صدور المرسوم. علماً أنَّ نصف المبلغ في هذا المشروع المقدر كلفته بـ204 ملايين دولار قرض من البنك الدولي. وها هي كرامي تُصدر المرسوم اليوم وتُلزم الدولة بهيكلية التعلمية جديدة لم تناقش في الحكومة ولا صدر فيها أي مرسوم، وألزمت المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية بمناهج قبل صدور مرسوم يجيزها ويحدد وجهتها، وقبل البحث إذا كانت الدولة قادرة على تحمُل الأعباء المالية اللاحقة. فمن أبسط الأمور أنّه عندما تضع الدولة مناهج جديدة تحتاج إلى ساعات تدريس إضافية وموارد إضافية وهيئات تعليمية وتعاقد، وهذا قبل البحث بالأساس القانوني للمناهج التي سينشأ عنها هيئات ومجالس تمنح صلاحيات قد تتضارب مع صلاحيات هيئات موجودة وقائمة في الهيكلية الإدارية للدولة اللبنانية.
لقد اكتفت وزارة التربية بإطلاق شعارات كبيرة لتبرير المناهج مثل الكفايات والمهارات والحسّ النقدي والابداع والمواطنة، وهي كلها مصطلحات موجودة في المناهج الحالية. واكتفت كرامي بتبرير المرسوم بعرضه مع الأوراق العشرة المساندة على مجلس شورى الدولة لأخد رأيه، هذا رغم أنَّ "الشورى" يبحث بالقانون ولا علاقة له بالمضمون التربوي. ويطرح أحد أعضاء اللجنة العليا للمناهج بعض الأسئلة: طالما أنَّ اللجنة السريّة التي شكلتها كرامي قررت وبتت مصير المناهج، فلماذا تشكّلت كل اللجان السابقة وأنفقت عليها الوزارة المال العام؟ ولماذا لم تُطلع اللجنة العليا على التقرير؟ ولماذا لم تطلع الرأي العام على نتيجة التقييم؟
كان يفترض أن تكون مقاربة كرامي شفافة وتحاسب على الخطايا السابقة التي ارتُكبت في المناهج، وإذا بها تعيد التجربة السابقة وتكرس المناهج بتعديلات سرية من هنا وهناك.
تجربة المناهج السابقة
عندما صدرت المناهج في العام 1997، سبق الأمر سلسلة خطوات قانونية أساسية. فقد وضع المركز التربوي "خطة النهوض التربوي" في العام 1993 وعُرضت على الحكومة، التي بادرت إلى تشكيل لجنة وزارية استعانت بخبراء وعملت على دراسة الخطة لمدة عام، ثم أقدمت بعدها الحكومة على تعديل بعض تفاصيل الخطة قبل إصدارها بمرسوم. ولاحقاً أصدرت الهيكلية التعليمية الجديدة بمرسوم في العام 1995، ثم صدر مرسوم المناهج في العام 1997 يتضمن الهيكلية وتفصيلاتها والأهداف العامة للمناهج، لتعود وتُصدر المناهج التفصيلية للمواد وطباعة الكتب في العام 1999. أمّا كرامي فقد سبقت كل الوزراء وتخطت كل المسار القانوني وبدأت وزارتها بعقد اتفاقات جانبية لتلزيم طباعة الكتب، وعادت وألزمت الدولة والمجتمع بمناهج كل العمل الذي بذل عليها كان خارج القانون وبصفر شفافية بالإنفاق المالي وبالمحتوى التربوي. أمّا الحكومة فاكتفت بالتصديق على مرسوم من دون السؤال عن حق الدولة أقلَّه بأن تكون على دراية بمصير نظامها التعليمي.




