يكفي أن تتجول في زواريب بيروت هذه الأيام لتدرك أن للمدينة قدرة غريبة على ابتكار هويات بديلة كلما اشتدت حولها الأزمات. واجهات الأبنية الإسمنتية التي أنهكها التوتر الأمني المستمر، تخفت اليوم خلف أمتار من القماش الملون. البرازيل تصادر بلكوناً في الطبقة الثالثة، وألمانيا ترد من البناية المقابلة، فيما يبحث العلم العربي عن مكانه وسط غابة الولاءات الغربية. هذا الاستنفار البصري "المهضوم" في الأحياء الشعبية، يشي بأن المونديال في مدن لبنان ليس مجرد تسلية عابرة، بل هو معركة إثبات حياة، ومساحة ديمقراطية بديلة يختبر فيها السكان متعة الانتصار الذي عزّ عليهم في السياسة والمعيشة.
طريق الجديدة: الماكينات الألمانية تغير زيتها
في طريق الجديدة، لم تعد واجهات الأبنية مجرد جدران إسمنتية، بل تحولت إلى لوحات إعلانية مفتوحة للولاءات الكروية. هنا، يخضع تعليق العلم لبروتوكول غير معلن يتلخص في سؤال: "مين بيعلق العلم الأكبر؟" المسألة تتعدى التشجيع لتصل إلى رغبة في فرض الغلبة وإثبات أن أهالي هذا الحي أو ذاك هم الأكثرية المطلقة في تأييد هذا المنتخب.
في جولتها، التقت "المدن" بالشاب فراس عاكوم، الذي كان يستعين بعتمة الليل ليعلّق، بعناية فائقة، علماً ألمانياً ضخماً على شرفة منزله. يشرح فراس خلفيات خطوته الاستراتيجية، مشيراً إلى أنه انتظر انتهاء مباراة ألمانيا وساحل العاج ليبني على الشيء مقتضاه، ويقرر المجاهرة بهويته الرياضية. يبتسم فراس مستذكراً الخيبات السابقة ويقول: منذ ثماني سنوات، وخلال مونديالَي روسيا في العام 2018 وقطر في العام 2022، كانت الماكينات الألمانية بحاجة إلى "غيار زيت". أما في هذا المونديال، وبعد فوزين متتاليين، تجدد الأمل بأن تحمل ألمانيا الكأس.
وليس بعيداً، في زاروب منطقة أبو سهل، يخترق علم المغرب المشهد الكروي ليرتفع وحيداً وبكثير من العناد وسط غابة من الأعلام الغربية والأوروبية التي تسيطر على بقية الأبنية. هذا الخيار الفريد في الحي يعكس رغبة واضحة في التميز والبحث عن انتصار يشبه أهل الأرض. تقول نانسي لبابيدي لـِ "المدن" إن المنتخبات العربية اليوم، وتحديداً المغرب، "بترفع الراس"، خاصة بعد أدائها البطولي أمام البرازيل، وأثبتت أن الكرة العربية لم تعد مجرد ضيف شرف بل أصبحت شريكاً قادراً على مقارعة الكبار وإرباك حساباتهم التاريخية. نانسي، التي لم تخفِ تعصبها العروبي الواضح، وانحيازها التلقائي لكل ما هو ناطق بالضاد في هذه البطولة، تؤكد رداً على سؤال "المدن" حول فرص التأهل والأمل المتبقي في الملاعب: طبعاً المغرب ومصر، ونأمل أن تلحق بركبهما دول أخرى، لأن الفرحة في هذه الظروف الصعبة لا تكتمل إلا بنكهة عربية تعيد إلينا شعور الوحدة، ولو من بوابات الملاعب الخضراء وبأقدام اللاعبين.
قصقص: جمهورية "مقهى الحبيب" التكافلية
في منطقة قصقص، يأخذ المونديال طابعاً اشتراكياً تضامنياً يلتف على الأزمة الاقتصادية الخانقة. في مقهى الحبيب — كما يحلو لأهل المنطقة تسميته — تحولت الشاشة الصغيرة إلى مشروع تكافلي. يروي صاحب المقهى سعيد فتوح لـِ "المدن" كيف اقترح الأهالي حلاً لمعضلة البث المباشر المشفّر. ويقول: جمعنا دولاراً أو دولارين من كل شخص في الشارع، وأمّنا مبلغ 95 دولاراً لاشتراك القنوات، لتصبح المشاهدة مفتوحة ومجانية للجميع ومع عرض "نرجيلة وكيس شيبس وعصير بـ8 دولارات".
هذا الاقتراح التكافلي الذي قدمه الأهالي جعل من المقهى مساحة جامعة تتجاوز فكرة "الفرجة" المجردة، لتصبح بمثابة برلمان شعبي مصغر يلتئم يومياً، خصوصاً أن الكثافة التشجيعية والعاطفية في الحي تميل بشكل جارف لصالح المنتخب الأرجنتيني. ومع كل مباراة، يتحول سعيد إلى ما يشبه مختار الحي الفعلي، الذي لا يكتفي بإدارة المكان، بل يفرز الحشود، ويوجه النقاشات، ويقيس ميزان القوى الكروية بدقة مستنداً إلى زحمة الكراسي التي تتمدد لتلتهم الرصيف، وصخب الرواد الذين ينقسمون بين متفائل ومتوتر، وتصاعد دخان النراجيل الذي يكثف أجواء الحماسة. سعيد يعيد مع كل صافرة حكم ترتيب المشهد البيروتي داخل مقهاه، ليثبت أن الشغف المشترك قادر على تكريس نظام موازٍ وعفوي، ينتزع فيه الفقراء وذوو الدخل المحدود حقهم في فرجة لا تنغصها فواتير الكابلات ولا تقنين المولدات.
النويري استراتيجية عسكرية وتكتيك رياضي
المشهد في النويري لا يقل صخباً. الكراسي البلاستيكية للمقاهي الشعبية احتلت الأرصفة وجوانب الطرقات ضاربةً عرض الحائط بضيق المساحة. وخلال مباراة ألمانيا وكوراساو، استغل جمهور المانشافت التفوق "لتقريع" أصدقائهم من مشجعي البرازيل، مستحضرين شبح 7-1 الشهيرة في مونديال 2014، في طقس بيروتي بامتياز يعتمد على الذاكرة الكروية الحادة كأداة للمزاح الثقيل.
من قلب هذه "المعمعة" الصاخبة، يتحدث حسين معتوق، متوشحاً بعلم ألمانيا كأنه درع يحميه من فيض النكايات لـِ "المدن" مفككاً أبعاد هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية. ويقول: رغم مرارة الحرب، وثقل الأوضاع الأمنية الضاغطة، وحالة التوتر المستدام التي نعيشها في تفاصيلنا كافة، اللبناني مبدع بطبيعته الفذة في التشريح والتحليل. في الأيام العادية، نتحول جميعاً، ومن دون استئذان، إلى خبراء استراتيجيين ومحللين سياسيين وعسكريين ندير الجبهات والمفاوضات من وراء الشاشات، واليوم مع المونديال، لم نفعل شيئاً سوى أننا نقلنا العدة الفكرية نفسها وصرنا محللين رياضيين، نتوقع التبديلات، ونصرخ مع كل ركلة، ونحلل الخطط التكتيكية. إنها طريقتنا الخاصة في ابتكار مساحة هروب موقتة وشرعية من واقعنا المعقد والمعلق على حافة الأحداث، حيث تصبح الكرة هنا هي المسألة الوحيدة القابلة للنقاش والحل، بعيداً عن أزماتنا التي لا تجد من يحلها.
تذويب الطبقات على رصيف واحد
يعيد المونديال في مدن لبنان إنتاج وظيفة المقاهي الشعبية، ليوفر ما عجزت عنه السياسة: مساحة ديمقراطية حقيقية تذوّب الفوارق الطبقية. على هذا الرصيف البيروتي، يتساوى الغني والفقير في منسوب الأدرينالين، وتصبح صرخة الهدف عابرة للهموم المعيشية اليومية.
خلف الأعلام الضخمة التي تدلت من شرفات طريق الجديدة والنويري ومختلف الشوراع، لا يبحث البييروتيون عن مجرد نصر رياضي لمنتخبات تفصلهم عنها قارات؛ إنما عن حقهم في الفرح المنتزع من فم الأزمات. وفي بلد تتغير فيه الخرائط والخطوط السياسية فجأة، تبقى تكتيكات المونديال وقفشات الشوارع هي الثابت الوحيد الذي يثبت أن شوارع بيروت، رغم كل شيء، لا تزال تتقن صناعة الحياة والبهجة.




