فيما يشاهد الملايين من عشاق كرة القدم مجريات المونديال حول الكوكب، تعود بي الذكريات إلى سنوات الحرب والاجتياح الإسرائيلي للبنان والاعتقال الذي تعرّضت له. كلنا على وجه البسيطة نتابع بشغف مجريات هذه اللعبة بفنونها وسيرتها التاريخية التي لا تموت، كأنَّ الكوكب كله يجتمع في ملعب واحد، حيث تتحدث البشرية لغة جمعاء واحدة، كلماتها وحروف أبجديتها ليست عصية على الفهم، ونصوصها تخاطب الشعوب بلغة السلام العالمي.
اجتياح العام 1982
ربما كان للمونديال الأثر الأكبر في حياتي. وما زلت أذكر تفاصيله حتى في أحلك الظروف التي عشتها منذ العام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ففيما كانت وقائع المونديال تنقل في كل أرجاء العالم، كنا نحن أهل الجنوب نتابع مجرياته، رغم ظروف القهر، ونتابع أيضاً سير العلميات العسكرية إبان الاجتياح واحتلال إسرائيل أرضنا. لكنَّ المختلف بين ذاك المونديال والحالي أنَّ أهل الجنوب، وأنا واحد منهم، لم نهجّر ولا نزحنا، ولا دُمرت بيوتنا، بل بقينا في قرانا ومنازلنا، وتابعنا وقائع المونديال.
في العام 1986 كان المونديال مختلفاً تماماً. لم أتفاعل حينها مع كل مجرياته. مهمات عمل المقاومة، التي كنت منخرطاً فيها، حالت دون مشاهدتي للمباريات. فقد كنّا نعمل في المنطقة المحتلة من جنوب لبنان وركّزنا العمل خلال وقائع المونديال لسببين: أولاً لأن الناس منشغلة بمشاهدة المباريات، وثانياً لأنّ جنود الاحتلال كانوا أيضاً من محبي كرة القدم يتركون الحراسة ويتسمّرون أمام التلفاز. وقد استغلينا المونديال للتحرك في المنطقة المُحتلّة، بعيداً عن أعينهم وأعين السكان لعدم لفت الأنظار أو إثارة الشكوك في رحلات سيرنا للاستطلاع وتحديد الأهداف.
مونديال في المعتقل
أما مونديال العام 1994 فكان الأجمل في حياتي. كنت حينها ما زلت في معتقل عسقلان الإسرائيلي في القسم "باء" في الغرفة 27، وكنّا 16 أسيراً نعيش داخل تلك الزنزانة. كنّا ستة أسرى لبنانيين وثمانية أسرى من مجدل شمس في الجولان المحتل وأسيرين من فلسطينيي العام 1949. هذا التنوع في الجنسيات كان ميزة زنزانتنا، وكل نزلاء السجن كانوا يحسدوننا على تنوع غرفتنا وهدوئها والنظام الداخلي الذي اتبعناه، وهو ما جعلها من أروع الغرف داخل المعتقل.
جاء المونديال حينها وكان تجربة فريدة لنا. غيّرنا كلّ الروتين والأنظمة المتبعة ما قبل المونديال، رأساً على عقب. كانت وقائع المونديال تدور في أميركا فانقلب ليلنا إلى نهار، ونهارنا إلى ليل بسبب فرق التوقيت بين البلدين. كانت كل سهرة تمتد إلى الفجر، تُخرجنا من السجن إلى عالمٍ آخر، نشاهد كل مباراة ونصرخ ونهتف ونصفّر في كل لقطة وعند أيّ حركة جميلة يقوم بها لاعب، ولا سيما عند تسجيل الهدف. لم تعد الزنزانة سجناً بل باتت بمثابة مساحة عالمية غير مرئية كائنة بين جدران وأسوار تمنع عنّا أشعة الشمس في النهار وضوء القمر في الليل. فجعلَنا المونديال نشعر أنفسنا كأنّنا وسط مُدرجات الملاعب وبين الجمهور، نهتف ونصفّق ونشجّع، وننقسم حول ولائنا للفرق والمنتخبات التي تتنافس. كنّا نتشاجر وديّاً، نغيظ بعضنا في تهفيت قدرات المنتخبات، وتصل الأمور بالبعض حدَّ الحرد والزعل، لا سيما في اللحظات الحرجة من اللعبة، أو عند تسجيل الأهداف.
داخل وخارج جدران المعتقل
وأذكر أننا كنّا نستعد لكل مباراة وكأننا داخل قهوة أو استراحة، لا زنزانة صغيرة بين أربعة جدران. كنّا نعدّ الشاي والمتّة والقهوة ونجلب ما تيسَّر من البزورات ونحجز أماكننا المحدَدة أمام التلفاز، وتنطلق سهرتنا مع المباراة. أما في النهار فتبدأ حكاية أخرى في ساحة المعتقل حيث يلتقي جميع المعتقلين من مختلف أقسام ومهاجع السجن لمدة ساعتين من الزمن. جميع الأسرى يصبحون محللّين رياضيين يُدلون برأيهم في مجريات اللعبة السابقة، ويُطلقون العنان للتوقعات عن المباراة المقبلة ومن سيربح ومن سيخسر وكيف. وكانت تلك اللحظات الأجمل في السجن بين جموع الأسرى، الذين يُنحّون خلافاتهم وكل النقاشات السياسية وأحاديثها جانباً، ويزيحون عن صدرهم هموم السجن وقهر المعتقل. وبهذا المعنى كان المونديال مطلوباً ومفيداً لنا ولحياة المعتقل، لا سيّما أنّه منحنا قيمة مضافة وفسحة لهو تزيدنا إرادة وقوة في تحدي الاعتقال، والتمسك ببارقة أمل مقبلة بالحرية. كان المونديال أشبه بمساحة حرية وإنسانية تسربت إلى زنزانتنا المغلقة. كنّا نشعر أننا جزء من البشرية التي تتفاعل مع لعبة كرة القدم، حتى لو كنّا معزولين عن العالم ونعيش حالة ترقّب وانتظار لفكِّ أسرنا.
زنزانة الحرب الحالية
كان مونديال العام 1994 فريداً. كل المونديالات التي حصلت بعد مرحلة الاعتقال كانت بالنسبة لي عادية، ولم أشعر فيها بلذّة ذاك المونديال في المعتقل. ففي العام 2006، أي بعد حرب تموز المشؤومة، كان المونديال ثقيلاً جداً على حياتنا. كنّا وسط حرب لا مثيل لها ولم نختبرها من قبل. وهو شبيه إلى حدٍ ما مع مجريات المونديال الحالي. فقد أتت الحرب وطحنت البشر والحجر ودمّرت القرى والمنازل، وها نحن نعيش مشاهد احتلال جديد للأرض.
وإذا كان من مقارنة بين اجتياح العام 1982 واليوم فالوقائع على الأرض تؤكد الفرق الشاسع. اليوم أهل الجنوب يعيشون بؤس النزوح وما عاد عندهم لا تلفاز ولا بيت، ولا يجدون شاشة أو مساحة بديلة لمشاهدة المونديال، ولا رغبة لديهم في ذلك وسط مأساتهم، رغم عشقنا لمشاهدة مجريات المونديال مثل أيّ كائن في هذا العالم.
أهل الجنوب أصبحوا في زنزانة كبيرة، زنزانة النزوح والقهر. ويا لأسفي الشديد بأنَّ زنزانتي الصغيرة في المعتقل كانت أجمل من هذه الزنزانة التي أتشاركها مع أقراني الجنوبيين في نزوحنا الحالي.




