لم يعد كأس العالم مجرد بطولة بين منتخبات تحمل أسماء الدول، بل أصبح أيضاً مرآة لحركة أعمق في كرة القدم الحديثة، أين ولد اللاعب؟ أين تكوّن؟ ولمن قرر أن يلعب؟ في مونديال 2026، تبرز هذه الأسئلة بوضوح، خصوصاً مع الرقم اللافت، 99 لاعباً في البطولة ولدوا في فرنسا، لكنَّ معظمهم لا يرتدون قميص المنتخب الفرنسي.
هذا الرقم لا يعني أنَّ فرنسا تملك منتخباً قويّاً فحسب، بل يعني أنّها تحوّلت إلى ما يشبه المصنع العالمي للاعبين. فمن أصل 1248 لاعباً في البطولة، يمثل المولودون في فرنسا نحو 8% من إجمالي اللاعبين. والأهم أنَّ 76 منهم اختاروا، أو أُتيح لهم، تمثيل منتخبات أخرى، خصوصاً منتخبات أفريقية وكاريبية ترتبط بفرنسا عبر الهجرة والتاريخ واللغة والعائلة.
فرنسا، مصنع منتخبات!
فرنسا في هذا المونديال ليست دولة مشاركة فحسب، بل بنية إنتاج كرويّة عابرة للحدود. اللاعب قد يولد في باريس أو مرسيليا أو ليون، يتدرّج في أكاديميات فرنسية، ويتكون داخل نظام كروي أوروبي متقدم، ثم يمثل الجزائر أو السنغال أو تونس أو ساحل العاج أو هايتي أو الكونغو الديمقراطية.
هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن قوة الأكاديميات الفرنسية، وكثافة كرة القدم في الضواحي، واتساع قاعدة أبناء المهاجرين. لذلك تبدو فرنسا كأنها تملك أكثر من حضور واحد في البطولة، حضوراً رسميّاً عبر منتخبها، وحضوراً غير مباشر عبر عشرات اللاعبين الذين تشكَّلوا على أرضها ثم حملوا قمصاناً أخرى.
لا تقاس قوة فرنسا الكرويّة فقط بعدد نجوم منتخبها، بل بعدد اللاعبين الذين صنعتهم ثم انتشروا في منتخبات العالم. إنها قوة ناعمة كروية.
أوروبا وأميركا الجنوبية، مركز الثقل الكروي
لكنّ فرنسا ليست سوى العنوان الأبرز داخل خريطة أوسع. فعند احتساب بلد الميلاد، لا الجنسية الرياضية، يظهر أنَّ أوروبا وحدها تمنح البطولة نحو 594 لاعباً، أي قرابة 48% من إجمالي لاعبي المونديال، إذا احتسبت تركيا ضمن الفضاء الكروي الأوروبي. أمّا أميركا الجنوبية فتمنح البطولة نحو 155 لاعباً، أي حوالى 13%.
معاً، تنتج أوروبا وأميركا الجنوبية نحو 60% من مواليد لاعبي كأس العالم الحالي. هذه النسبة تكشف أنَّ توسع البطولة إلى 48 منتخباً لم يُغير بعد مركز الثقل الحقيقي في صناعة اللاعب. فقد أصبحت المشاركة أوسع، لكنَّ إنتاج النخبة ما زال متركزاً إلى حدٍ كبير في القارتين اللتين حكمتا تاريخ اللعبة طويلاً.
الفرق أنَّ أوروبا تنتج اللاعبين عبر منظومات أكاديمية وهجرة وأسواق احترافية واسعة، بينما تحافظ أميركا الجنوبية على قوتها من خلال الثقافة اليومية لكرة القدم، خصوصاً في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وأوروغواي والإكوادور وباراغواي.
ماذا عن آسيا وأميركا الشمالية؟
وإذا كانت أوروبا وأميركا الجنوبية تمثلان مركز الثقل في إنتاج لاعبي المونديال، فإن آسيا وأميركا الشمالية تكشفان وجهاً آخر للخريطة: حضور يتوسع، لكن من دون أن يتحوّل بعد إلى هيمنة إنتاجية. آسيا تظهر غالباً عبر منتخبات تعتمد على لاعبين ولدوا داخل بلدانهم، كما في اليابان وكوريا الجنوبية وإيران والسعودية، مع حضور محدود للاعبين المولودين في الخارج. أمّا أميركا الشمالية، وخصوصاً الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فتعكس نموذجاً مختلفاً يقوم على مزيج من التكوين المحلي، والهجرة، واللاعبين مزدوجي الجنسية. هنا لا تبدو القارة مصنعاً للاعبين بقدر ما تبدو فضاء يحاول تحويل اتساعه الديموغرافي والاقتصادي إلى قوة كروية أكثر ثباتاً.
الجنسية الرياضية، حدود أقل صلابة
غير أنَّ هذه الخريطة لا تكتمل من دون النظر إلى الفاصل بين بلد الميلاد والجنسية الرياضية. فما تكشفه الأرقام أنَّ الجنسية في كرة القدم لم تعد مطابقة دائماً لمكان الولادة. هناك 289 لاعباً في البطولة يمثلون منتخبات غير البلدان التي ولدوا فيها. وهذا لا يعني بالضرورة ضعف الانتماء، بل يعكس عالماً أكثر تعقيداً، تتحرك فيه العائلات والهويات والفرص الرياضية عبر الحدود.
لاعب مولود في فرنسا قد يشعر بأنه فرنسي في النشأة، وجزائري أو سنغالي أو تونسي في الذاكرة العائلية. ولاعب مولود في هولندا قد يمثل كوراساو، وآخر ولد في إنكلترا قد يلعب لمنتخبٍ أفريقي أو كاريبي. هنا لا تختفي الهوية، بل تتعدد، وتصبح كرة القدم واحدة من أكثر المساحات وضوحاً لقراءة هذا التعدد.
يبدو واضحاً أنّ كأس العالم الحالي ليس بطولة المنتخبات وحدها، بل بطولة الجغرافيا الخفيّة لكرة القدم، أين يولد اللاعبون؟ من يصنعهم؟ ومن يستفيد منهم في النهاية؟ ومن هذه الزاوية، تبدو فرنسا أقل كدولة مشاركة فقط، وأكثر كقلب مصنع عالمي يَمُد المونديال باللاعبين.




