الذكاء الاصطناعي لم يولد من العدم، بل بُني على ذكائنا الجماعي: كتبنا وأغانينا وفنّنا وصحافتنا وبرمجياتنا وأبحاثنا العلمية وصورنا وأفكارنا الممتدة عبر الأجيال. هذا المشاع المعرفي، الذي بنته البشرية على مدى قرون بوصفه إرثاً مشتركاً، جرى ابتلاعه بلا إذن، وبلا ذكر للمصدر، وبلا تعويض، ليُعاد بيعه لنا منتجاً مملوكاً لحفنة من الأوليغارشية التقنيّة. لذلك فإنّ وصف العملية برمّتها بأنها "سطو على المشاع المعرفي" توصيفٌ دقيق، وليس مجرّد مجاز بلاغي تفرضه سخونة النقاش.
والمفارقة أنّ صنّاع النماذج الذكية أنفسهم يعترفون بذلك. سام ألتمان، مؤسس "أوبن إيه آي"، يصف ما يفعله بأنه تدريب النموذج على "خبرة البشرية ومعرفتها" و"تعلّمها المتراكم". أي إنّ المادة الخام ليست "بيانات" مجرّدة، بل حصيلة العقل الإنساني الجماعي.
رؤية ساندرز ومفارقتها
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان وقود الذكاء الاصطناعي ملكاً للجميع، فلماذا تذهب الثروة إلى تلك القلة؟ هذا ما حاول السيناتور الأميركي بيرني ساندرز الإجابة عنه. ففي مقال بصحيفة نيويورك تايمز مطلع حزيران 2026، أعلن مشروع قانون "صندوق الثروة السيادي الأميركي للذكاء الاصطناعي". الفكرة جذرية: ضريبة لمرّة واحدة بنسبة 50 في المئة على أسهم كبرى الشركات - "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"إكس إيه آي" - تُدفع أسهماً لا نقداً، وتُودَع في صندوق عام يمنح المواطنين حقوق تصويت، وتمثيلاً في مجالس الإدارة، وفي النهاية شيكاً في البريد.
حجّة ساندرز بسيطة ومحكمة: "بما أنّ الذكاء الاصطناعي مبنيّ على المعرفة الجماعية للبشرية، فإنّ الثروة التي يولّدها يجب أن تعود على البشرية". ويذهب أبعد، فيصف ما جرى بأنّ "العمل الإبداعي لملايين البشر سُرق فعلياً على يد بعض أغنى الناس في العالم. آن الأوان لاستعادته". ويستشهد بصندوق النرويج السيادي الذي تجاوزت قيمته تريليوني دولار، وبصندوق ألاسكا الذي يوزّع أرباحاً سنوية على سكانه منذ خمسين عاماً.
لكن في قلب المشروع مفارقةً لا تخطئها العين. ساندرز يبني تبريره على أنّ المشاع ملكٌ للبشرية، ثم يقترح حلاً يوزّع العائد على الأميركيين وحدهم عبر صندوق أميركي. والحال أنّ هذا المشاع صنعه كتّاب وفنانون ومبرمجون من كل اللغات والثقافات، فبأيّ حقّ تُؤمَّم معرفة العالم ضمن حدود وطنية واحدة؟ إنها محاولة لمقاومة التسييج الخاص، تنتهي إلى تسييج سيادي جديد.
ولأنّ الفكرة تمسّ مصالح ضخمة، انهالت الانتقادات: من اليمين الذي رآها "نهجاً سوفيتيّاً" يقوّض حياد الدولة حين تصبح مساهمة ومنظّمة في آن، إلى من ذكّر بأنّ صندوقَي النرويج وألاسكا بُنيا من موارد تملكها الدولة أصلاً، لا من مصادرة أسهم شركات خاصة. وحتى لو سلّمنا بنبل محاولة ساندرز، يبقى السؤال: هل هذا حلٌّ للمشكلة، أم إعادة توزيع للغنيمة بين الأميركيين دون سواهم؟
أنواع السطو الثلاثة
لنفكّك الجريمة. السطو الأول وقع بلا إذن، فالنماذج تُدرَّب على أرشيفات هائلة: "كومون كرول" (Common Crawl) الذي يضمّ أكثر من 300 مليار صفحة ويب، ومجموعات كتب مثل "Books3" التي جُمعت من مواقع قرصنة وضمّت قرابة 200 ألف كتاب، وقاعدة "ليون" (LAION) التي جمعت نحو ستة مليارات صورة من الإنترنت. أما حقّ "الانسحاب" الذي تتبجّح به شركات الذكاء الاصطناعي، فجاء متأخراً بعد أن دُرِّبت النماذج أصلاً، كأنها وعودٌ بإغلاق الباب بعد أن سُرق البيت.
والسطو الثاني وقع بلا ذكر مصدر. فالنموذج يبتلع المعرفة ويُخرجها بلا أثرٍ لصاحبها، فيقتل "اقتصاد الرابط والاستشهاد" (Citation Economy) الذي كان يغذّي الصحافة والمواقع. الأرقام صادمة: تراجعت زيارات الإحالة من بحث "غوغل" للناشرين بنحو 33 في المئة عالمياً في عام واحد. ووفق دراسة لمركز "بيو" (Pew Research Center)، حين يظهر ملخّص الذكاء الاصطناعي أعلى نتائج البحث في غوغل، فإنّ المستخدم لا ينقر على رابط المصدر إلا في 1 في المئة من الحالات. تُؤخذ المعرفة، ويُمحى صاحبها، ويُحرَم حتى من الزيارات التي كانت تبقي موقعه حيّاً.
والسطو الثالث وقع بلا تعويض. شركة "أنثروبيك" قُدِّرت قيمتها بنحو 965 مليار دولار، و"أوبن إيه آي" بما يفوق 850 ملياراً، مقابل صفرٍ لمن صنعوا الركيزة. هنا تحضر فكرة "كرامة البيانات" (Data Dignity) التي صاغها جارون لانير: ينبغي معاملة ما ننتجه بوصفه عملاً يستحق أجراً، لا "مورداً مجانياً" يُلتقط كالهواء. أضف إلى ذلك العمالة الخفيّة التي تقوم بإدخال البيانات بأجور بائسة لتجعل عمل الآلة ممكناً. القيمة تتراكم صعوداً، والكلفة تُدفَع في الأسفل.
أرض المعركة: نموذجان متصارعان
أمام هذا السطو، انقسم العالم القانوني إلى مدرستين. الأولى أميركية، تتقاضى بأثر رجعيّ حول مفهوم "الاستخدام العادل". وقد جاءت أحكامها متضاربة عمداً. في قضية "بارتز ضد أنثروبيك"، رأى القاضي أنّ تدريب النموذج على كتب مكتسبة قانوناً يُعدّ "تحويلياً" ومسموحاً، لكنّ تخزين نسخ مقرصنة ليس كذلك، وانتهت القضية إلى أكبر تسوية حقوق نشر في التاريخ الأميركي: 1.5 مليار دولار، بنحو ثلاثة آلاف دولار عن كل كتاب. أي إنّ المحظور لم يكن التدريب، بل طريقة الحصول على المادة.
وفي المقابل، رفض حكمٌ آخر في قضية "تومسون رويترز" اعتبار التدريب استخداماً عادلاً حين كانت غايته بناء أداة منافِسة. أما قضية "نيويورك تايمز ضد أوبن إيه آي" فما زالت معلّقة بلا حسم، وتدور حول قدرة النماذج على "اجترار" نصوص بحذافيرها.
أما المدرسة الثانية فهي أوروبية، تنظّم مسبقاً بدل أن تتقاضى لاحقاً. فقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يُلزم الشركات بنشر ملخّص عن بيانات التدريب، ويعترف لأصحاب الحقوق بحقّ التحفّظ المسبق ومنع استخدام أعمالهم. وقد ذهبت محكمة ميونخ الألمانية، في حكم مفصليّ أواخر 2025، إلى أبعد من ذلك، إذ اعتبرت أنّ مجرّد "حفظ" النموذج لكلمات أغنية في ذاكرته يُعدّ "استنساخاً" غير مشروع، وأدانت الشركة حتى في مقطع من خمس عشرة كلمة. الفارق الجوهري بين النموذجين يمكن اختصاره بجملة: أميركا تحاكم النيّة بعد الفعل، وأوروبا تشترط الإذن قبله.
وفي الخلفية، يحتدم سجالٌ بين رؤيتين للعالم. ترى الشركات أنّ التدريب "تحويليّ" بطبيعته، وأنّ النموذج يتعلّم كما يتعلّم البشر، وأنّ تقييد ذلك يخنق الابتكار ويهدّد صناعة بتريليونات الدولارات. لكنّ هذا القياس محلّ اعتراض جوهري: فالآلة لا تتعلّم بالطريقة التي يتعلّم بها بشرٌ أو كائنٌ حيّ، بل تحاكي الأنماط إحصائياً. ويرى ساندرز ومَن معه أنّ كل ذلك تبريرٌ مهذّب لعملية نهب منظّمة: لا أحد يطالب البشر بحصة من أرباح من قرأ كتاباً، لكنّ الشركة التي تبتلع مليون كتاب لتبني منتجاً بمليار دولار قصة أخرى تماماً.
هل نستعيد المشاع؟
لفهم أبعاد هذه اللحظة، لا بدّ من استعارة العدسة التاريخية لحركة "تسييج الأراضي المشتركة" (Enclosure Acts) التي شهدتها إنجلترا تاريخياً، حيث صودرت أراضي الفلاحين ومراعيهم عبر قرارات برلمانية لتتحول إلى ملكيات خاصة أطلقت العنان للرأسمالية الصناعية.
ما يحدث اليوم في فضاء الذكاء الاصطناعي هو امتداد رقميّ لعملية "التراكم البدائي" (Primitive Accumulation) بالمعنى الماركسي، التي وصفها كارل ماركس بأنها المصادرة العنيفة التي تفصل المُنتِج عن وسائل إنتاجه بـِ "الدم والنار". ويرى المنظّرون المعاصرون، أمثال كولدري وميخياس (Nick Couldry, Ulises Mejias) في أدبيات "استعمار البيانات"، أنّ المشاع المستهدف بالسرقة اليوم ليس غابات ولا مراعي زراعية، بل هو "المشاع الإدراكي والمعرفي" الذي يحوي مجمل تاريخنا وإنتاجنا الإنساني. لقد جرى امتصاص هذا المشاع التشاركي واستخراج قيمته العالية ليتحول إلى "أصول رأسمالية ثابتة" في أيدي حفنة من أوليغارشية وادي السيليكون.
إنّ مفارقة ساندرز، المطالبة بملكية حكومية لهذا المشاع عبر صندوق ثروة سيادي وطني، لا تجيب على المأزق الفلسفي بقدر ما تبرزه وتعمّقه. فالتأميم الوطني لموردٍ بنته البشرية يعيد إنتاج منطق التسييج بحلّة سيادية لا أكثر.
لقد كان الذكاء الجماعي مشاعاً، فجرى تسييجه وخصخصته ليُعاد بيعه لنا كمنتج مغلق. والخيار الجذري الذي يواجه الإنسانية اليوم لا يتمحور حول "مَن يملك المشاع المُسيَّج؟"، بل حول "لماذا نقبل أن يُسيَّج من الأساس؟". والسؤال الأهم الذي يجب أن نختم به: هل نستعيد المشاع، أم نرضخ لفكرة إعادة استئجار عقولنا من مالكيها الجدد؟




