عيد الأب: حين يصبح الأب حارساً للحياة وسط الركام

نغم ربيعالأحد 2026/06/21
Image-1781970592.Jpg
عاش آلاف الآباء اللبنانيين تجربة النزوح القسري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يحتفل العالم اليوم، في 21 حزيران 2026، بعيد الأب. في بلدان كثيرة، تمر المناسبة محاطة بالورود والهدايا واللقاءات العائلية الدافئة. أما في لبنان، فيأتي عيد الأب هذا العام مثقلاً بذاكرة الحرب وآثارها، وبحكايات رجال وجدوا أنفسهم في مواجهة اختبارات قاسية تجاوزت حدود الأبوة التقليدية.

هنا، لم يعد الأب مجرد من ينتظر معايدة أبنائه أو تلقي هدية رمزية في هذا اليوم. صار أباً يبحث عن مأوى لعائلته بعد النزوح، أو يفتقد ابناً استشهد في الحرب، أو يقف على خطوط المواجهة، أو يداوي الجرحى في المستشفيات، أو يحاول تأمين لقمة العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة. وبين كل هذه الصور، تتخذ الأبوة معنى مختلفاً، معنى يرتبط بالصمود أكثر مما يرتبط بالاحتفال.

 

آباء الحرب

خلال الأشهر الماضية، عاش آلاف الآباء اللبنانيين تجربة النزوح القسري. تركوا منازلهم وقراهم، وانتقلوا مع عائلاتهم إلى أماكن أكثر أمناً، محاولين حماية أبنائهم من القصف والخوف والحرمان. لم تكن المهمة سهلة. فإلى جانب الخسائر المادية، حمل هؤلاء الآباء أعباء نفسية هائلة، وهم يحاولون إقناع أطفالهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام، فيما كانوا هم أنفسهم يجهلون ما ينتظرهم في اليوم التالي.

في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، تبدلت أدوار كثيرة. صار الأب حارساً للخيمة أو المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء، ومفاوضاً يومياً مع الظروف المعيشية القاسية، وباحثاً دائماً عن الحد الأدنى من الاستقرار لعائلته.

 

أب يبيت في المستشفى

في مدينة صور، حيث لم تتوقف المستشفيات عن استقبال الجرحى خلال فترات التصعيد، أمضى الطبيب الجراح إبراهيم فرج كل أيام الحرب داخل مستشفى اللبناني الإيطالي، مبتعداً عن زوجته التي غادرت البلاد مع بداية الحرب وعن والده ووالدته.

يقول فرج لـ"المدن": "هذه سابع حرب أعيشها، ولم أغادر ولا مرة. هذه مهنتي وهذا عملي، ولا يمكنني أخلاقياً أو مهنياً أو من ناحية المبدأ أن أترك المستشفى".

خلال أشهر الحرب، تحولت غرف المستشفى إلى منزل مؤقت له. كان ينام هناك ويستيقظ على وقع الحالات الطارئة، فيما كانت زوجته وأولاده بعيدين عنه خارج لبنان. يضيف: "ربما سهّل عليّ الأمر أن أولادي خارج البلاد وزوجتي غادرت مع بداية الحرب. لو كانوا هنا لكان الوضع أصعب بكثير".

وفي عيد الأب، لا يجد فرج مساحة للاحتفال. يقول: "في هذه الأيام الصعبة لا يمكننا الاحتفال بأي عيد. الوضع مأساوي، والناس تعيش ظروفاً قاسية للغاية".

يتوقف قليلاً قبل أن يتحدث عن أبنائه الذين اعتاد زيارتهم مرات عدة في السنة، فيما كانوا يأتون بدورهم إلى لبنان. أما اليوم، فقد فرضت الحرب مسافات إضافية بين الأب وأولاده. "لا أستطيع مغادرة البلاد، وهم لا يستطيعون المجيء. هكذا أصبح الأمر"، يقول بأسف.

 

Image-1781970425.Jpeg
حسن جابر، وإبنه الشهيد، علي جابر

أب يحمل صورة ابنه الشهيد

في النبطية، يبدو عيد الأب مختلفاً تماماً بالنسبة إلى حسن جابر. فالرجل الذي فقد ابنه علي جابر في غارة إسرائيلية، لم يعد ينظر إلى الأعياد كما كان يفعل سابقاً.

كان علي يبلغ من العمر 22 عاماً فقط حين استشهد. منذ عام 2017، تطوع في إسعاف النبطية، وتدرج حتى أصبح مسؤولاً عن فريق إسعافي، قبل أن تنهي الغارة الإسرائيلية مسيرته الشابة.

 

يقول والده حسن لـ"المدن": "كل الأعياد أصبحت متشابهة. الأعياد عندنا صارت حزناً على أولادنا وعلى الوطن وعلى كل شيء".

 

لا يخفي الأب غصته وهو يتحدث عن ابنه. يستعيد تفاصيل صغيرة كان علي يحرص عليها في كل مناسبة. "علي لم يكن ينسى أي شيء يخصني. كان دائماً يفاجئني. مهما تحدثت عنه لن أوفيه حقه"، يقول.

ثم يضيف بفخر لا يخلو من الألم: "كان شاباً صاحب اندفاع كبير في العمل الإنساني والخدماتي. كانت لديه شبكة علاقات واسعة مع الجميع، من مختلف الأعمار والفئات. أفتخر به كثيراً، وأفتخر بشهادته".

بين صورة الابن الشهيد وصورة الأب الذي بقي حاملاً ذكراه، تختصر حكاية حسن جابر جانباً كبيراً من حكايات الجنوب خلال الحرب، آباء فقدوا أبناءهم، لكنهم ما زالوا يعيشون على تفاصيلهم اليومية وكأنهم حاضرون.

 

آباء بلا احتفال

في لبنان اليوم، لا يمكن اختصار عيد الأب بصورة عائلية أو رسالة معايدة على الهاتف. فهناك آباء لم يعودوا إلى منازلهم بعد، وآخرون ينتظرون ترميم ما هدمته الحرب، وآباء فقدوا أبناءهم، وأبناء فقدوا آباءهم. وهناك أيضاً رجال يقفون يومياً في سيارات الإسعاف، وفي غرف العمليات، وعلى خطوط الدفاع الأمامية، وفي المؤسسات الإغاثية، يحاولون حماية حياة الآخرين فيما يؤجلون حياتهم الشخصية.

لذلك، يبدو عيد الأب هذا العام مناسبة للتأمل أكثر منه للاحتفال. مناسبة لتذكر أولئك الذين حملوا عبء الخوف عن عائلاتهم، وأخفوا قلقهم خلف كلمات الطمأنينة، وحاولوا، وسط الانهيارات المتتالية، أن يبقوا سنداً لأبنائهم.

 

في بلد اعتاد الحروب والأزمات، يصبح الأب أكثر من فرد في العائلة. يصبح شاهداً على الخسارات، وحارساً للذاكرة، وجسراً بين ما تهدم وما يمكن أن يُبنى من جديد. وربما لهذا السبب تحديداً، يكتسب عيد الأب في لبنان هذا العام معنى مختلفاً، معنى يشبه البلاد نفسها، المثقلة بالجراح، والمتمسكة بالحياة رغم كل شيء.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث