حين يلتقي الكتاب بالسلطة: دلالات زيارة الشرع للحلبوني

بثينة عوضالسبت 2026/06/20
أحمد الشرع يزور مكتبة في الحلبوني في دمشق (المدن)
لم يدخل الشرع إلى عالم الثقافة الناعمة بل إلى فضاءٍ يلامس مباشرةً الهوية والذاكرة (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما قدمتُ إلى دمشق، كنتُ مهووسةً بالقراءة، لكنني لم أكن أملك ثمن كتابٍ واحدٍ. يومها سألتُ عن أماكن وجود المكتبات في دمشق، وكان اسم شارع الحلبوني يتردد أمامي كثيراً. انطلقتُ سيراً على الأقدام من المدينة الجامعية إلى البرامكة. وأذكر أنني، حين عبرتُ الدرج المؤدي إلى جسر الرئيس، أو "الحرية" حالياً، تعرّفتُ لحسن حظي إلى رجلٍ مسنٍّ كان يملك مكتبةً صغيرةً تحت الدرج، في الهواء الطلق.

 

كان رجلاً يعشق القراءة والكتب النادرة. جلستُ إلى جواره وبدأتُ أتصفح الروايات. كنتُ أبدأ بقراءة روايةٍ، ثم أعود في اليوم التالي لأكمل من حيث توقفت، حتى أنتهي من الرواية كاملةً على مراحل. ذات يوم سألني: "لماذا لا تشترين الكتاب؟" أخبرتُه أنني لا أملك ثمنه. يومها اتخذ قراراً لن أنساه ما حييت؛ بدأ يعطيني روايةً تلو أخرى مجاناً، على أن أعيدها في اليوم التالي. شيئاً فشيئاً تحول من بائع كتبٍ إلى صديقٍ قريبٍ جداً مني، وبدأ يضع بين يدي رواياتٍ ممنوعةً من الدخول إلى البلاد.

 

طاقة غريبة في ذاك الحيّ

سرنا معاً غير مرةٍ إلى حي الحلبوني، وكنتُ أقف أمام مكتباته واحدةً تلو الأخرى. في ذلك الحي طاقةٌ غريبةٌ تشدك إلى المكان، كأن الكتب نفسها تهمس لك من خلف الزجاج، في منطقة البرامكة بجوار محطة الحجاز. اكتسب الحي شهرته وتاريخه ومكانته عبر مراحل مختلفةٍ من تاريخ سوريا المعاصر، بدءاً من العهد العثماني وصولاً إلى مرحلة حكم حافظ الأسد وما تلاها.

سُمّي الحي نسبةً إلى الوجيه حسن أفندي الحلبوني، الذي تعود أصول أجداده إلى بلدة حلبون في ريف دمشق.

 

هذا الحي المكتظ بالحكايا، والمحمّل أيضاً بقصصٍ شعبيةٍ عن عالم الجن في بعض قصوره المهجورة، ارتبط في الذاكرة الدمشقية بمركز الحركة الطلابية والمعاهد التعليمية والمكتبات التي شكّلت لعقودٍ جزءاً من الحياة الثقافية للمدينة، غير أن سنوات القمع والانهيار دفعت كثيراً من تلك المكتبات إلى الإغلاق، وكان اختفاء بعضها أشبه بحزنٍ جمعيٍّ صامتٍ.

 

كنتُ أقف أمام تلك الواجهات، أراقب الكتب، أغمض عينيّ وأسترجع صورتها، ثم أمضي نحو التكية السليمانية، وكأنني أحاول حفظ ذاكرة المكان قبل أن تتبدّد. واليوم، يجول الرئيس أحمد الشرع في الحي ذاته، ويدخل إلى إحدى مكتباته.

 

وزن سياسي ورمزي

في سوريا الخارجة من حربٍ طويلةٍ، لم تعد تحركات السلطة تُقرأ بوصفها تفاصيلَ يوميةً عاديةً، بل أصبح لكل مشهدٍ، مهما بدا بسيطاً، وزنٌ سياسيٌّ ورمزيٌّ يتجاوز ظاهرَه بكثيرٍ، لأن البلد لا يزال يعيش مرحلةً انتقاليةً شديدةَ الهشاشة، تتداخل فيها الأسئلة الأمنية مع الأسئلة السياسية والثقافية والوجودية حول شكل الدولة المقبلة، وهوية السلطة الجديدة، وحدود العقد الاجتماعي الذي سيحكم العلاقة بين السوريين بعد سنواتٍ من الانهيار والعنف والانقسام.

 

ومن هذا المنطلق تحديداً، يمكن قراءة زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لمكتبات الحلبوني، لا باعتبارها مجرد جولةٍ عابرةٍ في أحد أحياء العاصمة، بل بوصفها مشهداً سياسياً محسوباً يحمل رسالةً بصريةً واضحةً، حتى وإن بقيت بعض دلالاته الأخرى موضعَ نقاشٍ.

لفهم هذه الفكرة، لا بد من النظر إلى ثلاثة عناصر أساسية: المكان، والتوقيت، والخلفية.

 

المكان: لماذا الحلبوني تحديداً؟

الشرع لم يزر فضاءً ثقافياً محايداً بالكامل. الحلبوني ليس شبيهاً فقط بمكتبات شارع المتنبي في بغداد أو مكتبات الأزبكية التي يغلب عليها الأدب والفكر العام.

 

في دمشق، الحلبوني مرتبط تاريخياً بثلاثة عوالم: الكتاب المدرسي والأكاديمي، كتب التاريخ، والكتب الدينية والشرعية.

وهذا يعني أن الشرع لم يدخل فقط إلى عالم "الثقافة الناعمة"، بل إلى فضاءٍ يلامس مباشرةً الهوية والذاكرة والسردية الدينية، وهنا تبدأ الدلالة السياسية الأهم: معركة سوريا اليوم هي أيضاً معركة رواية تاريخ.

 

بعد سقوط النظام، لم تعد المعركة فقط على السلطة، بل أيضاً على سؤال: من يكتب تاريخ سوريا الجديد؟

 

عندما يقف الشرع بين رفوف كتب التاريخ، يمكن قراءة المشهد كرسالةٍ ضمنيةٍ تقول: المعركة ليست فقط على الحاضر، بل على تفسير الماضي أيضاً، ومن يملك تفسير الماضي، غالباً يملك شرعية صياغة المستقبل، لهذا لا أرى رمزية "كتب التاريخ" بسيطةً إطلاقاً.

 

عاصمة ثقافة

استعادة دمشق بوصفها عاصمةً ثقافيةً لا أمنية. حي الحلبوني ليس مكاناً عادياً. لعقودٍ كان أحد رموز دمشق الثقافية والتعليمية؛ أجيال كاملة مرّت من هناك لشراء الكتب المدرسية، الروايات، القواميس، والمراجع الجامعية. 

 

زيارة الحلبوني تعني أيضاً محاولة استعادة صورة دمشق القديمة: دمشق المكتبات، دمشق الجامعات، دمشق الحوار الثقافي، بدل دمشق التي اختُزلت لسنواتٍ في الحواجز، والأفرع الأمنية، والخوف، والوشاية. وهذا انتقال بصري مهم جداً في صناعة الصورة السياسية.

 

التوقيت: زيارةٌ في لحظة خوفٍ وتوترٍ

مكتبات الحلبوني تحمل رمزيةً إضافيةً. إنها مساحةٌ لم يدخلها السوري بصفته: علوياً، سنياً، مسيحياً، معارضاً، موالياً، بل بصفته قارئاً أو طالباً، وهنا تكمن قوة الرمز.

 

ربما يكون التوقيت هو العامل الأكثر حساسيةً في فهم الزيارة. فالزيارة جاءت بعد فترةٍ شهدت فيها سوريا أحداثاً مؤلمةً ارتبطت بأعمال انتقامٍ وخطاباتِ ثأرٍ ومخاوفَ متزايدةٍ من انزلاق بعض المناطق نحو منطق الغلبة الجماعية بدل منطق الدولة. هذه الأحداث تركت أثراً نفسياً كبيراً لدى السوريين، بمن فيهم كثيرون ممّن رحبوا بالتغيير السياسي، لأن الخوف لم يعد فقط من بقايا النظام السابق أو من الفوضى الأمنية، بل من احتمال إعادة إنتاج العنف بصيغٍ جديدةٍ.

 

ضمن هذا السياق، يصبح أي ظهورٍ علنيٍّ للرئيس في مكانٍ مدنيٍّ محمّلاً برسالةٍ سياسيةٍ تلقائيةٍ، سواء أكان ذلك مقصوداً بالكامل أم لا، فالصورة هنا لا تقول فقط إن الرئيس يزور مكتبةً، بل تقول أيضاً إن البلاد تحت السيطرة بما يكفي لعودة المشهد المدني الطبيعي، وإن السلطة تريد الإيحاء بأنها تقود مرحلةَ انتقالٍ من الخوف إلى الاستقرار، ومن التوتر إلى الحياة اليومية.

 

من رجل صراعٍ إلى رجل دولة

لا يمكن تحليل أي تحركٍ للشرع بمعزلٍ عن ماضيه، لأن صورته العامة لم تُبنَ أصلاً داخل بيئةٍ سياسيةٍ تقليديةٍ، بل في سياقاتٍ مرتبطةٍ بالحرب والصراع والعسكرة. ولهذا، فإن انتقاله من هذه الخلفية إلى موقع رئيس دولةٍ يفرض عليه تحدياً مركزياً: كيف يتحول في نظر الناس من رجل مرحلة صراعٍ إلى رجل دولة؟

 

هذا التحول لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه أيضاً الصورة العامة. القادة يدركون أن المشهد البصري أحياناً يسبق الخطاب نفسه، صورة رئيسٍ يتجول بين الكتب، يصافح الناس، ويتحرك داخل حيٍّ مدنيٍّ، تختلف جذرياً عن صورة قائدٍ محاطٍ بالسلاح والخطابات الحادة. ومن هنا، يمكن فهم الزيارة باعتبارها جزءاً من إعادة تموضعٍ سياسيٍّ ونفسيٍّ، هدفه ترسيخ انطباعٍ بأن الشرع لم يعد فقط ابن بيئة الصراع، بل يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه رئيساً لدولةٍ تريد العودة إلى الحياة الطبيعية.

 

حدود التحليل: أين يجب التوقف؟

لكن هنا يجب التوقف عند نقطةٍ منهجيةٍ شديدةِ الأهمية: الزيارة تحمل أيضاً ــ أو قد تُقرأ بوصفها تحمل ــ دلالاتٍ ثقافيةً عميقةً. صحيحٌ أن البعض سارع إلى ربط الزيارة بطبيعة مكتبات الحلبوني التي تضم كتبَ تاريخٍ وكتباً دينيةً، واعتبر ذلك إشارةً إلى مشروعٍ فكريٍّ أو هويةٍ ثقافيةٍ جديدةٍ يجري بناؤها. لكن هذا الاستنتاج يبقى، حتى الآن، أكبرَ من المعطيات المتوفرة. لا يوجد دليلٌ واضحٌ إلى أن الشرع اختار المكتبة بسبب نوعية كتبٍ معينةٍ، ولا توجد معلوماتٌ مؤكدةٌ عن الكتب التي توقف عندها أو ناقشها أو اقتناها. كما أنه لم تصدر عنه تصريحاتٌ تربط الزيارة بشكلٍ مباشرٍ بالهوية الثقافية أو الفكرية لسوريا المقبلة.

 

وهنا يصبح التمييز بين التحليل والانطباع ضرورةً. نعم، الزيارة رمزيةٌ سياسياً، وهذا شبه مؤكد. لكن تحويلها إلى رسالةٍ ثقافيةٍ أو أيديولوجيةٍ عميقةٍ يحتاج إلى أدلةٍ أقوى بكثيرٍ مما هو متاحٌ حالياً، وإلا فإننا نكون قد انتقلنا من قراءة الوقائع إلى إسقاط تصوراتنا عليها.

 

بين الصورة والسياسة

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الرموز الثقافية في سوريا تحمل حساسيةً مضاعفةً، لأن الصراع السوري لم يكن صراع سلطةٍ فقط، بل صراع سردياتٍ أيضاً. كل طرفٍ خلال السنوات الماضية حاول احتكار رواية البلاد: من يمثل سوريا؟ من خانها؟ من ضحى من أجلها؟ من يملك حق تعريف وطنيتها؟ لذلك، حتى مشهد بسيط داخل مكتبة يمكن أن يُقرأ من قبل البعض باعتباره جزءاً من معركةٍ أوسع حول السردية الوطنية المقبلة.

 

لكن هنا أيضاً يجب الحذر: بناء دولة جديدة لا يتم عبر الرموز وحدها. السوريون اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، أصبحوا أقل قابليةً للانبهار بالصور وأكثر ميلاً للحكم على الأفعال. زيارة مكتبة قد تُنتج انطباعاً إيجابياً، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي تشغل الناس فعلاً: هل ستُضبط الانتهاكات؟ هل ستتم محاسبة المتورطين في أعمال الانتقام؟

 

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تمنح الرموز معناها أو تفرغها منه، لأن الصورة وحدها لا تصنع الثقة، بل قد تتحول إلى مجرد أداة تجميل إذا لم يرافقها تغير ملموس على الأرض، وتكريس مساحةٍ يشعر فيها المواطن بالأمان بغض النظر عن هويته. وبين صورة رئيسٍ داخل مكتبةٍ وصورة دولةٍ يشعر فيها الناس بالطمأنينة، توجد مسافةٌ كبيرةٌ لا تردمها الرموز وحدها، بل العدالة والمؤسسات والثقة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث