الطلاب لكرامي: لسنا كسالى.. خسرنا العائلة والبيت والاستقرار

نغم ربيعالجمعة 2026/06/19
اعتصام طلاب الثانوي امام وزارة التربية(مصطفى جمال الدين)
"نعيش 21 شخصاً في منزل واحد، فهل يمكن لأحد أن يتخيل كيف تكون الدراسة" (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل مماطلة وزيرة التربية ريما كرامي في تحديد مصير الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة، بدأ الطلاب يتحركون للضغط في سبيل إلغاء الامتحانات. ويتزامن تحركهم مع الحراك النيابي في لجنة التربية النيابية، ومع الحملات التي تعمُّ وسائل التواصل الاجتماعي، داعيةً كرامي إلى إلغاء الامتحان. وبات الامتحان قضية رأي عام. ولم تحضر كرامي في أي احتفال أو مناسبة طلابية، حتى يقوم الطلاب بإحراجها والهتاف بوجهها لمنح جميع الطلاب الإفادات. لكنَّ كرامي ما زالت تصرّ على إجراء الامتحان رغم الرفض الشعبي والسياسي لمقاربتها، في ظل الظروف الاستثنائية التي عاشها كل لبنان، في الحرب الدائرة منذ شهر آذار المنصرم. 

اعتصام طلاب الثانوي امام وزارة التربية(مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

ويوم أمس، شهد مبنى وزارة التربية، تجمّعاً لمئات الطلاب، أتوا من مختلف المناطق اللبنانية، في تحرك احتجاجي رفضاً لما يعتبرونه تجاهلاً للظروف الاستثنائية التي عاشوها خلال العام الدراسي الماضي، ولا سيّما بعد العدوان الإسرائيلي وما خلّفه من تداعيات نفسية وتعليمية واجتماعية طالت آلاف التلامذة.

 

رفع المحتجون لافتات وردّدوا هتافات تعبّرُ عن غضبهم وقلقهم من الاستحقاق المقبل. وبين الحشود عَلت عبارات مثل "سنة تعب وسنة أزمات... آخرها إفادات مش امتحانات"، و"ألغوا الامتحانات وخلصونا... أعطونا إفادات وريحونا". كما رفع الطلاب كتباً ومذكرات مطلبية موجَّهة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، طالبوا فيها بالتدخل لإيجاد حلول استثنائية تراعي واقعهم.

 

غضب يتجاوز الامتحانات

لم يكن الاعتصام مجرد تجمع طلابي عابر. في الوجوه المتعبة والعيون القلقة قصص نزوح وخسارات شخصية وتجارب قاسية، عاشها الطلاب خلال الأشهر الماضية. بعضهم تنقّل بين أكثر من منطقة، وبعضهم فقد منزله، وآخرون فقدوا أفراداً من عائلاتهم، فيما وجد كثيرون أنفسهم يدرسون في ظروف لا تشبه أي عام دراسيّ طبيعي.

 

تقول فيوليت أبو مراد، من وادي شحرور، إن الطلاب لم يحظوا هذا العام بالحد الأدنى من الظروف الملائمة للدراسة. وتضيف "نطالب بحقنا بالإفادة لأننا ببساطة لم ندرس في ظروف طبيعية. الحرب فُرضت علينا، ولم نخترها، لكن لا يجوز أيضاً أن تُفرض علينا ضغوط إضافية تدفعنا إلى الانهيار النفسي. نحن اليوم نرفع صرخة طلاب لم يتمكنوا من تحقيق ما كانوا يحلمون به بسبب الظروف التي مررنا بها". وتختم بحزم: "باختصار، نطالب بالإفادة، وغير الإفادة لا نريد".

 

أما أحمد الظريف من بيروت، فيرى أنَّ المشكلة لا تقتصر على المناطق التي تعرضت مباشرة للحرب أو النزوح. ويقول "حتى الطلاب الذين لم يتهجروا لم يعيشوا ظروفاً طبيعية. المسيرات فوق رؤوسنا باستمرار، والقلق موجود في كل مكان. عشنا حالة ضياع بسبب القرارات المتناقضة والتغييرات المتكررة، ولم يعد أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور".

 

"لسنا كسالى"

في قلب الاعتصام، كان ثمة شعور مشترك لدى كثير من الطلاب بأنهم متهمون ظلماً بالتهرب من الامتحانات أو بعدم الرغبة في الدراسة. تقول زينب زين، من الضاحية الجنوبية لبيروت، إن هذا الاتهام يجرح الطلاب أكثر مما يعتقد البعض. وتوضح: "لسنا كسالى، وكنا نريد أن نقدم الامتحانات بشكل طبيعي. لكنَّ الحرب فرضت علينا ظروفاً غير طبيعية. هناك طلاب نزحوا، وآخرون خسروا منازلهم وأقاربهم. نحن لا نبحث عن طريق مختصر، بل نطالب بمراعاة واقع استثنائي عشناه جميعاً".

 

هذا الشعور يتكرر على ألسنة كثيرين، خصوصاً أبناء المناطق الحدودية الذين يعتبرون أن الحديث عن الدراسة خلال الأشهر الماضية، يتجاهل واقعاً كان فيه تأمين الأمان أولوية يومية تتقدم على أي شيء آخر.

 

"أبي وأخي شهداء تحت الردم"

من بين الأصوات الأكثر إيلاماً كان صوت جواد شعيتو الآتي من بلدة الطيري الجنوبية. يقف الشاب وسط زملائه وهو يحمل قصة تتجاوز الامتحانات بكثير. يقول: "والدي وأخي استشهدا وما زالا تحت الركام. لم نتمكن حتى الآن من تشييعهما. كيف يمكن أن أكون جاهزاً نفسياً للدراسة؟ كيف يمكنني أن أفتح كتاباً وأنا فقدت أبي وأخي وبيتي تدمر؟".

 

كلمات جواد تختصر جانباً من المشهد الذي يحاول المحتجون إيصاله إلى المسؤولين: هناك طلاب لا يواجهون صعوبة أكاديمية فحسب، بل يعيشون صدمات نفسية وإنسانية عميقة ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

 

21  شخصاً في منزل واحد"

أما آلاء قاسم، من بلدة حولا الحدودية، فتستعيد تجربة التهجير التي عاشتها عائلتها خلال الحرب. تقول "تهجرنا من بيتنا، وتركنا كتبنا وأغراضنا. لدينا شهداء في العائلة. ومع ذلك هناك من يتهمنا بأننا لا نريد الدراسة أو أننا كسلى".

 

تضيف بالقول: "أبناء الجنوب معروفون بتفوقهم الدراسي، ونحن دائماً من الأوائل. لكن اليوم نعيش 21 شخصاً في منزل واحد. هل يمكن لأحد أن يتخيل كيف تكون الدراسة في هذه الظروف؟ أين الهدوء؟ وأين المساحة الخاصة؟ وأين الاستقرار النفسي؟".

بين الوزارة والشارع

يأتي هذا التحرك في ظل استمرار الجدل حول الامتحانات الرسمية لهذا العام، بعد أن اعتبر عدد كبير من الطلاب والأهالي أنَّ حجم الخسائر والتفاوت في إنجاز البرامج التعليمية بين منطقة وأخرى، يستوجب إجراءات استثنائية، فيما تتمسك وزارة التربية بإجراء الامتحانات، مع التعويل على لجان المواد لمراعاة الفروقات الحاصلة بين الطلاب.

لكن بالنسبة لهؤلاء الطلاب، فإنَّ المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالمنهج أو بنوعية الأسئلة، بل بسنة كاملة عاشوها بين النزوح والخوف وعدم اليقين. لذلكَ يصرّون على أنَّ أيَّ قرار لا يأخذ هذه الوقائع بالاعتبار لن يكون منصفاً.

وفيما انتهى الاعتصام من دون وعود حاسمة، بقيت الهتافات تتردد أمام مبنى الوزارة، حاملةً سؤالاً يطرحه الطلاب على المسؤولين: كيف يمكن قياس عام دراسي استثنائي بمعايير عام طبيعي؟ وهل تستطيع ورقة امتحان واحدة أن تختصر ما عاشه هؤلاء خلال سنة من الحرب والقلق والخسارات؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث