تحت شعار "الحسين نهجنا"، أحيا حزب الله اليوم الأول من عاشوراء في مرقد الأمين العام السابق للحزب، السيد حسن نصرالله. غير أن عاشوراء هذا العام لا تبدو في الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد استعادة لواقعة كربلاء التي مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرناً. ثمة ما هو أثقل من الذكرى التاريخية يخيّم على المشهد. فالحزن الذي يملأ الشوارع ليس محصوراً بعشرة أيام من العزاء، بل يمتد على أشهر طويلة من الحرب والدمار والفقدان. كأن عاشوراء جاءت هذه المرة لتلتقي مع حزن مقيم أصلاً، لا لتصنعه.
في الأحياء التي ما زالت تحمل آثار القصف، وفي الشوارع التي استعادت جزءاً من حركتها بعد وقف إطلاق النار، ترتفع الرايات السوداء والحمراء من جديد. وسط منطقة لا تزال تعيش تحت وطأة الخطر والترقب، وفي انتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية، ولا سيما مسار التفاهم الإيراني ـ الأمريكي، بدا الحضور كثيفاً في اليوم الأول من عاشوراء. رجال ونساء وأطفال توافدوا إلى المجالس والساحات، في مشهد أراد أن يؤكد التمسك بالحياة وتحدي الاستمرار رغم كل ما جرى.
تعود المجالس، وتُنصب المضايف، وتُستعاد السيرة الحسينية، لكن هذه المرة تحت ثقل تجربة معاصرة تركت ندوبها العميقة في هذه البيئة. نزوح جماعي، قرى جنوبية مدمرة، مئات الشهداء، وأحياء كاملة في الضاحية ما زالت عالقة بين الركام وانتظار إعادة الإعمار. لذلك لا تبدو عاشوراء هذا العام مجرد مناسبة دينية دورية، بل تبدو امتداداً لحالة من الحزن الجماعي المفتوح، ومحاولة لإعادة ترميم المعنى في مجتمع خرج للتو من واحدة من أكثر مراحله قسوة.
بالنسبة إلى كثيرين هنا، لا تنفصل عاشوراء عن الواقع الذي عاشوه خلال الأشهر الماضية. فكما تُروى قصة الإمام الحسين في كربلاء، تُستعاد اليوم بوصفها مرآة لتجربة معاصرة يعتبر أصحابها أنها معركة دفاع عن الأرض والوجود والهوية. كربلاء، بالنسبة إليهم، ليست حدثاً تاريخياً منقطعاً عن الزمن، بل نموذج متجدد للتضحية والثبات والاستمرار. ولذلك يرى كثيرون أن الشهداء الذين سقطوا في الحرب المستمرة ساروا على النهج نفسه، فكما ضحّى الحسين، يضحّي هؤلاء، وفق قناعتهم، لتبقى الأرض ويبقى الحق.
إثبات حضور وإستمرارية
في معظم شوارع الضاحية الجنوبية وأزقتها تنتشر مضايف تحمل أسماء شهداء سقطوا خلال الحرب المستمرة. كأن الضاحية أمسها اختلف عن حاضرها كأنها لم تشهد حرباً لولا الدمار الموجود. بعض المضايف أقامته عائلات الشهداء مباشرة، وبعضها الآخر حمل أسماءهم تكريماً لذكراهم. يكاد الزائر يمر في كل زاوية بصورة شهيد، وفي كل مضيف بحكاية تُروى وسيرة تُستعاد.
حتى إن كثافة المضايف المنتشرة في الأحياء تعكس، بصورة غير مباشرة، حجم الخسائر البشرية التي أصابت هذه البيئة خلال الأشهر الماضية.
بعد الحرب، ساد لدى خصوم حزب الله اعتقاد بأن الحزب وبيئته تعرضا لضربة قاسية قد تضعف حضورهما السياسي والاجتماعي لسنوات طويلة. لذلك يقرأ كثيرون داخل هذه البيئة مشهد عاشوراء الحالي بوصفه شكلاً من أشكال إثبات الحضور والاستمرارية. فالحشود التي تشارك في المجالس، وانتشار المضايف، والتمسك بإحياء الشعائر، كلها تُقدَّم باعتبارها رسالة مفادها أن هذه البيئة ما زالت قائمة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بها. ومن هنا لا تقتصر عاشوراء على بعدها الديني، بل تتحول أيضاً إلى مناسبة لإظهار التماسك الاجتماعي وإعادة تجميع الجماعة حول سرديتها المشتركة، في لحظة يشعر فيها كثيرون بأنهم خاضوا حرباً قاسية وسط شعور متزايد بالعزلة والوحدة.
من كربلاء إلى الجنوب
الحضور ومعه النفوس المثقلة بالحرب والخسارات، يبدو كأنه يعيش لحظة تحدّ مع البقاء والحياة. لم يكن المشهد مجرد مشاركة في مناسبة دينية، بل أقرب إلى إعلان تمسك بالاستمرار رغم كل ما أصاب هذه البيئة من دمار وفقدان. وهذا ما يمنح عاشوراء هذا العام معنى إضافياً لدى المشاركين، باعتبارها رمزاً لمواجهة الظلم والدفاع عن الكرامة والثبات في وجه المحن. ويتجلى ذلك في الهتاف الذي يتردد باستمرار في المجالس والساحات: "هيهات منا الذلة"، بوصفه تعبيراً عن رفض الانكسار، وتمسكاً بخيار الصمود مهما بلغت التضحيات.
في هذا الإطار، يتحدث المشاركون عن الإمام الحسين بوصفه من ضحّى بنفسه "ليبقى الدين"، فيما يعتبرون أن الشهداء اليوم ضحوا بأنفسهم "لتبقى الأرض". هكذا تتداخل الرموز الدينية مع الوقائع السياسية والعسكرية، وتصبح عاشوراء مساحة لإضفاء معنى على الخسائر التي وقعت، وربطها بسردية تاريخية ممتدة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. ويؤكد كثيرون أن قوة هذه السردية تكمن في استمراريتها. فبعد أكثر من 1400 عام، ما زالت كربلاء حية في الوجدان الجماعي، وما زال المؤمنون بها يرون أنفسهم امتداداً لماضٍ وحاضر ومستقبل متصلين ببعضهم البعض.
استحضار السيد نصرالله
يبرز اسم حسن نصرالله بقوة داخل المشهد العاشورائي. حضوره لا يقتصر على الصور واللافتات والخطابات، بل يتجاوز ذلك إلى رمزية الشهادة نفسها. فإحياء اليوم الأول من عاشوراء في مرقده منح المناسبة بعداً إضافياً، خصوصاً أن كثيرين يتعاملون مع غيابه بوصفه جزءاً من الفقد الجماعي الذي تعيشه البيئة.
ويزداد هذا الحضور مع استعادة عبارته الشهيرة في خطابه الأخير: "إلى اللقاء في الشهادة، إلى اللقاء مع انتصار الدم على السيف". وهي عبارة يجد فيها أنصاره صدى مباشراً للمقولة المؤسسة في الوجدان العاشورائي؛ أي انتصار الدم على السيف، وتحول التضحية إلى مصدر للاستمرار والبقاء.
كما أن وصف الأمين العام للحزب نعيم قاسم لنصرالله بأنه "الملهم والباني والمؤسس" يضعه ضمن السردية نفسها التي يسعى الحزب إلى ترسيخها بعد الحرب، سردية تقوم على الثبات والاستمرار وتوارث النهج من جيل إلى آخر.
أصوات من المجالس
"عاشوراء أصبحت تعني في هذا الزمن أكثر من أي وقت مضى"، يقول أحد المشاركين، قبل أن يضيف: "لأننا ندافع عن الحق".
وتقول ريان علوية لـِ "المدن": "أعطتنا عاشوراء هذا العام معنى حقيقياً بأننا لا نقف عند شخص واحد. الأرض تحتاج إلى دم، والقضية تبقى، والنهج ينتقل من شهيد إلى شهيد ومن مجاهد إلى مجاهد".
أما زهراء، فترى أن "عاشوراء لكل زمان ومكان. لولا عاشوراء لما كانت هناك مقاومة ولا إنسانية. هي تمثل طريق الحق".
وتقول مادلين حمية: "نفتقد السيد حسن هذه السنة. أحبه كثيراً، وأشعر أن غيابه حاضر في كل مجلس. ولبنان هو روحي ووطني".
أما أم رامي منذر، فتختصر المسافة بين التاريخ والحاضر بعبارة واحدة: "الحزن يتجدد منذ استشهاد الإمام الحسين وصولاً إلى السيد حسن وكل الشهداء".
أكثر من مناسبة دينية
قد تكون عاشوراء مناسبة يحييها الشيعة على اختلاف توجهاتهم السياسية، ولا تقتصر على جمهور حزب الله أو حركة أمل وحده. فهي في جوهرها نهج ديني وعقائدي متجذر في الوجدان الشيعي، يتجاوز الاصطفافات السياسية الآنية.
لكن في لحظة كالتي يعيشها لبنان اليوم، يصبح الفصل بين الديني والسياسي أكثر صعوبة. فالحرب الأخيرة، والخسائر البشرية الكبيرة، والدمار الواسع، كلها عوامل أعادت إحياء المعاني الأكثر ارتباطاً بالتضحية والشهادة والصبر.
لذلك تبدو عاشوراء هذا العام، بالنسبة إلى كثيرين في الضاحية الجنوبية، مناسبة مختلفة عن كل السنوات السابقة. ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل محاولة لفهم الحاضر عبر الماضي، ولإيجاد معنى للخسائر عبر سردية ممتدة منذ كربلاء حتى اليوم.




