لم تضع المرأة الخمسينيّة قناعاً على وجهها لارتكاب جريمة جنائيّة، بل وضعته لتخفي ملامحها أمام رواد المطعم خلال أوقات عملها كعاملة نظافة، لحماية نفسها من جريمة الأحكام المجتمعيّة.
هذه الأحكام المتوارثَة في الكثير من المجتمعات العربيّة تجعل "أم وائل" وغيرها من النساء، مجرّد ضحايا العمل بالخفاء لتلبية أبسط حقوقهن واحتياجات أسرهن، تحت مسمى "العيب" أو ربما المساس بالأعراف الاجتماعية.
الهرب من الوجوه المألوفة
وصفت عاملة النظافة نفسها بالمظلومة، متحدّثة لـِ "المدن": "أعمل وعيوني عشرة على عشرة على الباب، ثم أختفي فوراً إذا كانت وجوه الزبائن مألوفة، بعد أن أتّفق مع زملائي ليكملوا عنّي في الصّالة".
وأضافت: "أدعو لربي ألّا يعرفني أحد، لأنَّ عائلتي ليست على دراية بعملي بعد وفاة زوجي، الأمر الذي يأخذ من أعصابي أكثر ممّا يأخذه مسح الطاولات وجليُّ الصحون وتنظيف الحمّامات".
وسط تلك الضغوط، تعبّر "أم وائل" عن شعورها بالذنب، مع أنّها رفضت مدّ يدها إلى أحد، بل عَملت بجهدها و"عرق جبينها"، قائلة: "أقاربي يرون أولادي وهم يتضوّرون جوعاً.. عادي! وفي المقابل لا يناسبهم عملي.. وربّما يقولون.. وطّيتي راسنا".
لقمة العيش "عقدة نفسية"
وتعليقاً على التداعيات النفسية على النساء، أكدت اختصاصية علم النفس لبنى عامر لـِ "المدن" أن "المجتمع قد يكون قاسيّاً على المرأة التي فقدت مُعيلها الأساسي رغم معاناتها. باعتقاده أنَّ دورها ينحصر في المنزل ورعاية الأطفال، وهذا ما يدفعها للعمل بالخفاء والهروب من ألسنة الناس من أجل تأمين قوت يومها".
"تعاني المرأة هنا من انقسام في ذاتها يجعلها تعيش بشخصيتين متناقضتين تماماً، حيث تعتبر هويتها الحقيقية "عيباً" أو حتّى "جريمة" رغم كفاحها، ناهيك عن شعورها بالقلق والخوف، الذي قد يتطوّر إلى "فوبيا" من الفضيحة، بحسب تعبيرها.
وأفادت الاختصاصية بأنّ "الكثير من هؤلاء النساء لا يشعرن بالخجل من واقع المجتمع بقدر ما يشعرن به من الحاجة، مّا يدفعهنَّ لعدم الإفصاح عن عملهن أمام الأقارب، وغالباً ما ينسحبن من الحياة الاجتماعية".
الطبخ باسم "مستور"
تعيش "أم ربيع" صراع التخفّي خلف اسم مستعار في عملها، تستر به نفسها من الأقارب، بعد أن فقدت زوجها العام الماضي دون معرفة ما إذا كان حيّاً أم ميّتاً حتى اللحظة.
وتعمل صاحبة الأربعين عاماً بجدّ في مطبخ منزلها الصغير عبر طهي الوجبات الغذائية وبيعها، لتأمين حاجات أطفالها، قائلة لـِ "المدن": "عندما يمدحون أطباقي على صفحة مطبخي، أتمنّى أن أفصح عن اسمي الحقيقي لأنّني أعمل بكرامة وأستحق الاحترام.. لكنني أخاف!".
وأضافت: "لم يطرق بابي أحد، ليقدّم لأطفالي قسط مدرسة أو ثمن دواء، فماذا أفعل، بحط رجل على رجل وبفتح تمّي للهوا؟!. و"إذا حكيتلّن رح يقولوا.. صارت بيّاعة أكل!"
اتفقت "أم ربيع" مع شاب يعمل في خدمة التوصيل يشتري لها المواد الأوليّة (الخضار واللحوم)، بكميّات تكفيها لكل أسبوع. واعتمدت عليه بتوصيل الوجبات بسريّة مطلقة، لكي لا يتعرّف أيُّ زبون على عنوانها".
تكاليف التخفّي!
بدورها، أكدت الاختصاصية أن "المرأة العاملة بالخفاء قد تشعر بعدم الرضا، الذي يؤدي إلى إفراز هرمونات التوتر، ناهيك عن مشاعر غضب تعتريها، مضافاً إليها الكثير من التساؤلات حول معنى وجودها. فتجد نفسها بحالة طوارئ نفسيّة دائمة".
ولفتت إلى أنَّ "تأثير هذا الأمر يختلف من امرأة إلى أخرى بحسب درجة وعيها. فهناك من ترفض الواقع فتقاوم، وهذا يؤثّر سلباً عليها وعلى أطفالها، بينما هناك من تتقبّله وتتكيّف معه، لا سيّما عندما تريد الوصول بالأطفال إلى برِّ الأمان".
وكشفت الاختصاصية عن "أنَّ عدم قدرة هؤلاء النساء على الاتصال بأنوثتهن وهوياتهن من أكثر التأثيرات النفسية شيوعاً لديهن".
"الكمّامة" خط دفاع أوّل
"أم قصي" (30 عاماً)، تعمل كعاملة توصيل (دليفري)، أكدت لـِ "المدن" أنّها "اختارت قيادة الدرّاجة الناريّة لنقل السيدات والمستلزمات والمواد الغذائيّة كحلٍّ يضمن لها دخلاً شريفاً، بعد انفصالها عن زوجها من دون أن تضطر للغياب طويلاً عن طفلتها أو تركها عبئاً على أحد".
وأكدت أنّها "تعتمد على ارتداء الكمامة للعمل في خفاء تام؛ رغبةً منها في تجنّب نظرات المجتمع الانتقاديّة أو الأحكام المسبقة من الأقارب الذين لا يتقبّلون طبيعة مهنتها".
وأشارت إلى أن "العمل في الخفاء لا يزعجها، بل هو أكثر راحة لها (مريّحة راسها، كما يقول المثل الشائع). علماً أنّها واجهت تناقضاً بين تشجيع البعض لها، واستخفاف الآخرين، إلى أن تأقلم الجميع".
وابتسمت مؤكدةً أنّها "تفخر بممارسة العمل الحر الذي يمنحها القدرة على وضع حدٍ حاسم لأيّ تجاوزٍ من الزبائن من دون مجاملة، فضلاً عن مرونته التي تتيح لها الموازنة بنجاح بين واجباتها المنزليّة وتربية طفلتها".
المجتمع وجينات القبيلة
وأفادت الاختصاصية لبنى عامر أنَّ "بعض المجتمعات مهما تحضّرت، لا تزال تحكمها جينات القبيلة والكثير من الموروثات. ويعود ذلك إلى ما يشكّله انتماء الفرد إلى الجماعة من أمان نفسي، رغم أن الحياة تغيّرت وتطوّرت بمفاهيمها".
وقالت: "ما دامت قيمة الجماعة في المجتمع تعلو على قيمة الفرد لدى كثيرين، فذلك سيعطي الحق للآخرين بانتهاك الخصوصيّات وتقييد الحريّات ولا سيما حرية النساء".
وأضافت: "هناك مفارقة كبيرة، لأن المجتمع يتخلّى عن مسؤوليّة دعمه لهؤلاء النساء ماديّاً، في الوقت الذي يفرض رقابة شديدة عليهن وعلى سلوكهن وعملهن".
وشدّدت الاختصاصية على ضرورة "بقاء المرأة فخورة بنفسها رغم كل ما تعانيه لأنها مكافحة وبطلة حقيقيّة. ومن الضروري أن تقدّر ذاتها وتحترمها؛ وتكون سعيدة بكل ما تبذله من عطاء، مثل تعليم أطفالها أو حتى تحقيق اكتفائها الذاتي، حتى لو لم يصفّق لها أحد".




