عودة الأهالي سبقت الاتفاق: الضاحية تستعد لعاشوراء

نغم ربيعالاثنين 2026/06/15
Image-1781515188.Jpeg
انطلقت التحضيرات للمضايف والمجالس الحسينية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تنتظر الضاحية الجنوبية لبيروت الإعلان عن الاتفاق الإيراني – الأميركي كي تعود إليها الحياة. فمنذ تحييد الضاحية وتراجع الاستهداف الإسرائيلي عليها، بدأت العائلات بالعودة تدريجياً إلى أحيائها، واستعادت الأسواق جزءاً من نشاطها، وعادت الشوارع لتزدحم من جديد. وحتى في الأيام التي كانت تخرق فيها الغارات الإسرائيلية الهدوء الهش، لم تكن موجات المغادرة تشبه تلك التي شهدتها الأسابيع الأولى للحرب. كان الناس يخرجون لساعات أو أيام، ثم يعودون سريعاً.

لكن صباح اليوم بدا مختلفاً. فمع انتشار أخبار التفاهم بين واشنطن وطهران، ساد شعور إضافي بالاطمئنان. مزيد من الناس في الطرقات، مزيد من السيارات، ومزيد من الحركة في الأحياء التي كانت لا تزال مترددة في العودة الكاملة إلى إيقاعها السابق.

Image-1781515230.Jpeg

ضاحية مزدحمة... وأخرى ما زالت تنتظر

في الشياح والغبيري وبرج البراجنة وحي السلم والمريجة والليلكي، يصعب على الزائر أن يتذكر أن هذه المناطق كانت قبل أشهر قليلة شبه خالية. المقاهي استعادت روادها. مطاعم الوجبات السريعة تعمل كالمعتاد. محلات الألبسة والحلويات فتحت أبوابها. وعلى الأرصفة يقف باعة الخضار والفاكهة الذين عادوا إلى أماكنهم المعتادة.

لكن الصورة تتغير كلما اقتربت الجولة من حارة حريك وحي الأميركان والجاموس وبئر العبد والسان تيريز. هنا لا تزال الحرب حاضرة في التفاصيل اليومية. أبنية مهدمة، واجهات مثقوبة، وورش تعمل على إزالة الركام أو إصلاح ما يمكن إصلاحه. الحركة موجودة، لكنها أقل كثافة بكثير من بقية الأحياء.

في هذه المناطق تحديداً، لا يرتبط تأخر العودة بالخوف وحده. فالدمار نفسه يمنع آلاف السكان من العودة إلى منازلهم. كثيرون ما زالوا يقيمون في مناطق أخرى، ويزورون الضاحية بشكل يومي أو أسبوعي لمتابعة أعمال الترميم أو الاطمئنان إلى ممتلكاتهم.

على أحد الأرصفة في بئر العبد، كانت امرأة تحمل عدة أكياس وتصعد إلى مبنى تضرر خلال الحرب. تقول إنها لا تزال تقيم خارج الضاحية مع عائلتها، لكنها تأتي باستمرار لترتيب المنزل. "لا نزال نسكن خارج الضاحية، لكننا نأتي بشكل يومي تقريباً. شيئاً فشيئاً سنعود".

 

المقاهي تتحدث عن إيران وترامب

إذا كان الازدحام هو العنوان الأول للضاحية اليوم، فإن السياسة هي العنوان الثاني. في المقاهي والجلسات الشعبية، تكاد الأحاديث تدور كلها حول الاتفاق الإيراني – الأميركي. شاشات التلفزيون تعرض نشرات الأخبار، فيما ينشغل الجالسون بتحليل ما جرى. بعضهم يتحدث عن هزيمة بنيامين نتنياهو. آخرون يرون في الاتفاق انتصاراً لإيران ولبنان بعد أشهر من المواجهة. وهناك من يكتفي بالقول إن أي تفاهم يخفف احتمالات الحرب هو خبر جيد للبنان.

في أحد المقاهي الشعبية، يلخص رجل خمسيني هذا المزاج بقوله: "أمس كانت هناك غارة، ومع ذلك لم يغادر أحد. الناس كانت تشعر أن الأمور تتجه إلى مكان آخر". ثم يضيف: "كنا نعرف أن هناك مفاوضات تحصل، وأن إيران لم تترك الأمور لمصيرها".

تعكس هذه العبارات جانباً من المزاج السائد في الضاحية، حيث لا تُقرأ التطورات الإقليمية كأحداث بعيدة، بل كوقائع ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للسكان وبمصير المنطقة نفسها.

 

Image-1781515306.Jpeg

اقتصاد يحاول النهوض

رغم عودة الناس، لا تزال الأسواق تعاني من آثار الحرب. المحال التجارية مفتوحة، لكن الحركة الشرائية لا تشبه الحركة البشرية في الشوارع. كثير من أصحاب المؤسسات يشكون من ضعف المبيعات ومن تراجع القدرة الشرائية للسكان الذين استنزفتهم أشهر طويلة من النزوح والخسائر.

داخل متجر صغير، يشير صاحبه إلى بضائع ما زالت على الرفوف منذ أشهر. يقول لـ  "المدن": "نفتح كل يوم، لكن البيع ضعيف جداً. أحياناً لا نتجاوز عشرة دولارات طوال النهار".

حال هذا التاجر يشبه حال كثيرين غيره. فالضاحية استعادت جزءاً من سكانها، لكنها لم تستعد بعد دورتها الاقتصادية الكاملة. ولا تزال عائلات كثيرة تقيم خارجها، فيما يتنقل أصحاب الأعمال يومياً بين أماكن سكنهم المؤقتة ومتاجرهم.

 

Image-1781515248.Jpeg

الغارة لم تفرغ الشوارع

في الغبيري، حيث استهدفت غارة إسرائيلية المنطقة أمس، بدا المشهد الأكثر دلالة على التحولات التي عاشتها الضاحية خلال الحرب. في السابق، كانت غارة واحدة كافية لإفراغ الشوارع لساعات طويلة. أما اليوم، فيروي سكان المنطقة أن حالة الذعر لم تدم طويلاً. يقول أحد أبناء الحي لـ "المدن" أن "خاف الناس طبعاً، لكن بعد وقت قصير عاد الجميع إلى أعمالهم". ثم يضحك وهو يصف المشهد: "وقعت الغارة، والنساء بقين ينتقين الخضار". 

Image-1781515289.Jpeg

عاشوراء تعود إلى الشوارع

بعيداً عن السياسة والحرب، بدأت عاشوراء تفرض حضورها على المشهد اليومي. في أحيائها، انطلقت التحضيرات للمضايف والمجالس الحسينية. متطوعون ينقلون المعدات، وشبان يعملون على تجهيز الساحات، فيما تتصاعد النقاشات حول برامج الإحياء لهذا العام. تبدو هذه التحضيرات التي كانت أساساً مقررة، بالنسبة لكثيرين مؤشراً إضافياً على عودة الحياة الطبيعية إلى الضاحية. فبعد أشهر من القصف والنزوح والقلق، تعود الأحياء تدريجياً إلى مواعيدها المعتادة، وإلى تفاصيلها الصغيرة التي تعطلت طويلاً.

بين الأحياء المزدحمة والأخرى التي ما زالت تنتظر، وبين المقاهي المليئة بالنقاشات السياسية وورش إزالة الركام وتمديد الكهرباء، تبدو الضاحية اليوم أقرب إلى استعادة نفسها. لا أحد هنا يتحدث عن نهاية مؤكدة للحرب، لكن كثيرين يتصرفون كما لو أن المنطقة حصلت أخيراً على فرصة لالتقاط أنفاسها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث