لا تشبه الحركة اليوم أي يوم آخر في الممرات العريضة لمعهد بئر حسن الفني، الذي تحول منذ أكثر من مئة يومٍ إلى مركز إيواء يضم مئات العائلات النازحة من قرى الجنوب ومناطق الضاحية الجنوبية.
نزل خبر الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران برعاية قطرية-باكستانية، على المقيمين بمثابة جرعة أملٍ مشوبة بالقلق.
تكشف جولة سريعة بين الغرف والباحات المشتركة للمعهد عن "جوٍ عام" يجمع فيه النازحون: الجميع هنا، لم يحزم أجد أمتعته بالكامل بعد. ثمة ترقب ثقيل يربض فوق الصدور. والأسئلة المعلقة تجدها في عيون الصغار والكبار على حدٍ سواء. ما الذي سيحدث الآن، ومتى نعود؟
الانتظار المرّ: الخوف من الغدر
ينبئ الواقع على الأرض بقصة أخرى، فعلى الرغم من التطورات السياسية المتسارعة والبيانات الدولية الصادرة خلال 24 ساعة الماضية، فأن "العالم ما فلت". هذا هو الانطباع الأول والأقوى. لا تزال الغالبية العظمى من العائلات في أماكنها، والسبب وراء هذا التريث ليس قلة الشوق إلى الديار، بل الخوف العارم والمبرر من احتمال عدم إلتزام إسرائيل بالاتفاق. والخشية من الخديعة في ربع الساعة الأخيرة.
يسيطر مناخ من عدم اليقين على المركز، فالناس هنا اختبروا وعودًا كثيرة سابقة، تبخرت تحت بفعل الغارات، كان آخرها اتفاق الهدنة منتصف نيسان الماضي. لذلك يبدو الجميع في حالة "تجميد" مؤقت بانتظار "بيان رسمي قاطع"، أو إشارة أمنية واضحة، أو نداءٍ من الثنائي يمنحهم الضوء الأخضر للتحرك بأمانٍ نحو قراهم وأحيائهم. هذه المشاهد تتشابه إلى حد كبير في عدد من مراكز الإيواء والمدارس.
ترقب خلف الجدران المتعبة
لتسليط الضوء على هواجس المقيمين، استمعنا إلى شهادات حية تلخص لسان حال المئات من العائلات داخل مراكز الإيواء.
الشهادة الأولى من الحاج محمود وزنة (58عامًا، نازح من البياض - جنوبي لبنان) :"سمعنا بالاتفاق عبر التلفزيون والشباب هنا يتابعون الأخبار دقيقة بدقيقة عبر هواتفهم. الفرحة موجودة طبعًا، من لا يريد العودة إلى بلدته وأرضه؟ لكن للصراحة لا نشعر بالأمان تجاه احتمال الغدر الإسرائيليّ. لا نستطيع أن نحمل أمتعتنا ونستقل سياراتنا ونتوجه إلى الجنوب من دون بيان رسمي واضح من قيادتنا ومن قيادة الجيش اللبنانيّ يؤكد لنا أن الطريق آمنة وأن الاتفاق ساري المفعول. لسنا مستعدين للمخاطرة بنساءنا وأطفالنا من أجل بضع ساعات من الاستعجال".
الشهادة الثانية من أم محمد (45 عامًا نازحة من الضاحية الجنوبية): لا يبعد بيتي في الضاحية الجنوبية كثيرًا عن مركز الإيواء. أستطيع ببساطة أن أتوجه إليه مشيًا على الأقدام لكن الخوف داخلنا كبير. الجميع هنا يفكر بالطريقة نفسها، أي ننتظر إشارة رسمية للتحرك. زوجي ينصحني أن نتريث قليلًا لأنه في حال غادرنا الآن وحصل أي خرق أمني على غفلة فكيف نرجع حينها؟ الأمان الآن أهم من العجلة.
الشهادة الثالثة من سارة عطوة (أم لطفلين وهي نازحة من عيتيت): :غادر من المركز عدد قليل جدًا من العائلات ربما هؤلاء عندهم بدائل عن المعهد في حال تجدد إطلاق النار. الناس هنا أو أكثر الناس هنا يخشون من خسارة أماكنهم في مركز الإيواء. ماذا لو غادرنا وانفجر الوضع، أين نذهب؟ وعلى الرغم من "علات" الغرفة التي نقيم فيها هنا، لكنها تؤمن سقفًا لأولادي، لن أغادره حتى أتيقن أن الحرب انتهت فعليًا وأن العودة باتت حقيقيةً وليست فخًا.
معضلة الأمان
تكشف هذه الشهادات عن عمق المعضلة النفسية والمعيشية التي يعيشها النازحون. إذ يعدّ الخوف من خسارة "المكان" داخل مركز الإيواء عاملًا رادعاً للعائلات عن المغامرة في الخروج العشوائيّ . يعلم هؤلاء تمامًا أن العثور على مأوىً بديلاً في ظل الأزمة الراهنة قد يعد "ضربًا من الجنون". ولذلك يفضلون تحمل وطأة الانتظار المرير داخل معهد بئر حسن على أن يجدوا أنفسهم في السيارات والشوارع في حال انهيار الاتفاق.
غادرنا مراكز الإيواء، ولا تزال الحقائب المكدسة في الزوايا مغلقة حتى إشعار آخر. العيون مسمرة أمام شاشات الهواتف، والآذان تصغي ترقبًا لأي صوتٍ يحمل "كلمة السر" للعودة. هو اتفاق بوقف الحرب على الورق الدوليّ، لكنه على أرض مراكز الإيواء لا يزال حتى الساعة فصلًا جديدًا من فصول الانتظار الطويل للحظة الأمان الحقيقي.




