وأنا أكتب الحلقة الثانية (راجع هنا الحلقة الأولى) من التحقيق الذي أجراه معي الباحث في الجامعة العبرية في تل أبيب، أفكر بالوفد اللبناني المفاوض في واشطن الذي يرأسه السفير السابق سيمون كرم. فالتحقيق معي كان أشبه بمفاوضات شاقة، ولا أحسد السفير كرم على صبره وتحمله لهذه المهمة الصعبة جداً في التفاوض مع الوفد الإسرائيلي حالياً.
أتى الجنود وأخرجوني من زنزانتي وذهبوا بي إلى الغرفة عينها التي كنت فيها قبل يوم في حضرة المحقق الباحث أو الطالب في الجامعة العبرية، كما عرّف عن نفسه حينها. ولا أعرف اليوم، بعد كل هذه السنوات، إذا احتل ذاك الشاب أي موقع في الجيش أو في الكنسيت أو في السلك الديبلوماسي.
طلب السلام باليد
عندما دخلت الغرفة، فكوا وثاقي وأزالوا الكيس البلاستيكي عن وجهي، ووجدت المحقق في انتظاري. مد يده وقال لي: "كيفك اليوم؟ هل ستسلم عليّ باليد؟ أجبته فوراً: وما المانع في ذلك؟ كان يريد إحراجي فأحرجته. ثم قال لي: تفضل هذا الكرسي على هذه الطاولة المستديرة لك. أذكر أنني رأيت عليها ركوة القهوة وعلبة دخان مارلبورو. توجه إليّ بسؤال قائلاً: هل تدخن؟ وأجبته بنعم، مضيفاً أنني حرمت من الدخان في سجنكم. يعطوننا سيجارتين في الأسبوع فقط لا غير.
سكب القهوة في فنجانين. بدوري حملت علبة الدخان وأشعلت سيجارة، وقلت في قرارة نفسي إن أجمل ما في هذه الجلسة هو السيجارة وفنجان القهوة.
افتتح كلامه بالقول: في الأمس تحدثنا في مواضيع عدة واليوم سنكمل الحديث. في حال لم يعجبك أي موضوع فباستطاعتك أن تقفز عنه. قلت له: في حال شعرت أنك تقوم بتحقيق أمني معي، مثل التحقيق الذي أجري معي في الشهرين السابقين، سأتحفّظ عن الإجابة. أومأ برأسه موافقاً وقال: هذا ما أقصده تماماً.
اليهود في لبنان
قال لي: في الحديث معك يوم أمس شعرت أنك ملم كثيراً بالقضايا السياسية، أي غير ما أوحيت لي بالبداية بقولك إنك غير مطّلع إلا بشكل سطحي. وقال لي: في أي صفّ كنت قبل الاعتقال؟ أجبته فوراً معيداً ما قلت في التحقيق أمام الضباط عند اعتقالي: لقد انهيت صف الرابع المتوسط وتسجّلت في الصف الأول ثانوي لكن لم أكمل دراستي. فسألني: لماذا لم تكمل دراستك؟ فأجبته: كنت أعيش في بيروت والمدرسة على خطوط تماس الحرب الأهلية. فسأل: في أي منطقة كانت مدرستك؟ في وادي أبو جميل، قلت له. حدّق فيّ قليلاً ثم سألني: أليست هذه المنطقة لليهود؟ فقلت له: لا أعرف. سمعت بذلك. لكن لم يكن الأمر على أيامنا. أصرّ وقال: كان يعيش فيها اليهود، ولهم أملاك وكنيس للعبادة. فكررت قولي إنني سمعت في ذلك لكنني لم أرهم.
وجد هذا الشاب ضالته، وأراد احراجي بسؤالي: هل تؤيد عودة اليهود إلى لبنان واستعادة أملاكهم؟ فسارعت بالقول: إذا أردوا العودة فلا مانع في ذلك، فهم لبنانيون بالنهاية، مثلهم مثل أي طائفة أخرى. لكن لبنان يعيش حرباً أهلية والأمور الداخلية معقدة جداً، كما أن إسرائيل تحتل جنوب لبنان، وهي بالنسبة لنا عدو. فعاد وكرر السؤال: أفهم منك أنك تؤيد عودتهم إلى لبنان؟ فأجبته بأنه لا مانع لدي. وأضفت: لدينا أناس آخرين يجب أن يعودوا إلى ديارهم، وأقصد الفلسطينيين في لبنان، الذين تحتلون أرضهم. فقال لي إن اليهود لبنانيون فيما الفلسطينيون ليسوا كذلك. أكدت قوله وأضفت: كلامك صحيح، لكن تهجير اليهود من لبنان كان بسبب إسرائيل وتهجير الفلسطينيين إلى لبنان بسبب إسرائيل أيضاً.
ياسر عرفات وجورج حاوي
بدا الشاب منزعجاً من إجابتي الآنفة الذكر. نظر إليّ بغضب مكبوت وقال: باستطاعة العرب تحمّل الفلسطينيين، فلديهم أرض واسعة يسكنونهم فيها. لم أوافقه الرأي وأجبته: هناك قرار صادر عن الأمم المتحدة، وكل العالم يعترف بحق الفلسطينيين بدولة وبالعيش على أرضهم. فبادر فوراً وسألني: ما رأيك بياسر عرفات، أبو عمار؟ أجبته أنه زعيم الشعب الفلسطيني. فسألني: ألا تعتبره مخرباً، وأنه خرّب لبنان أيضاً؟ بدوري سارعت إلى القول: إسرائيل تتحمل المسؤولية. عرفات كان في لبنان من أجل تحرير فلسطين. وبالنهاية خرج من لبنان فيما جيشكم ما زال يحتل بلدي.
نظر إليّ الشاب بعين عدم الرضى على كلامي، وقال لي: زعيمك جورج حاوي يحب عرفات، وكان إلى جانبه في حصار بيروت، فما رأيك؟ فأجبته: من الطبيعي أن يكون جورج حاوي إلى جانبه. لكن أبو عمار ترك لبنان، وحاوي ما زال في بلده لبنان. فسألني مباشرة: هل تحب جورج حاوي؟ لم أفكر وقلت له: طبعاً، أحبه مثلما أنت تحب رئيسك.
شعرت أن هذا المحقق يريد إدخال الشك إلى قناعاتي بسؤاله لي عما إذا كان جورج حاوي يحزن على وجودي في السجن حالياً. لذا سارعت إلى تأكيد الأمر وقلت له: حاوي ليس قائداً فحسب، بل هو بالنهاية إنسان يشعر ويفكر مثل أي إنسان آخر.
السلام بين البلدين
غير الشاب التحقيق وسألني عن رأيي بالسلام بين إسرائيل ولبنان. ذكرته بالاتفاق الذي جرى توقيعه مع لبنان بعد الاجتياح وبالفشل الذريع الذي مني به. فسألني: كيف يكون الحل بين البلدين برأيك؟ فأجبته على الفور: أخرجوا من لبنان وانهوا احتلالكم لبلدنا في البداية. لم يدعني أكمل وقاطعني مستطرداً في الحديث عن ضمان أمن القرى الوحدوية في شمال إسرائيل. سارعت إلى محاججته بالقول: لقد خرج الفلسطيني من لبنان، ومنذ العام ١٩٨٢ لم يطلق لو صاروخ واحد على شمال إسرائيل. ونحن ننفذ عملياتنا العسكرية ضدكم قواتكم داخل أرضنا المحتلة.
لم يوفق على كلامي وقال: ثمة العديد من العمليات العسكرية تقوم بها فصائل فلسطينية تحاول التسلل إلى داخل إسرائيل. وقد وقع منفذو هذه العمليات في الأسر أو جرى قتلهم، فما رأيك؟ أجبته: في النهاية لبنان يعيش وسط حرب أهلية ولا يوجد سلطة للدولة، ومن يحكم على الأرض الأحزاب، ولا يمكن السيطرة على الوضع. فسارع إلى القول: لهذا السبب لا تستطيع دولة إسرائيل الخروج من جنوب لبنان. فعاجلته بالقول: بالعكس تماماً، لهذه الأسباب لا ضمانة لكم إلا بالخروج من لبنان. وزد على ذلك إننا كسكان الجنوب نطالب بضمان أمن حدودنا. فقال لي: الضمانة لا تكون إلا من خلال عقد اتفاق بين الدولتين، وحالياً ليس لديكم دولة. وانت اعترفت بهذا الأمر. فمع من سنعقد الاتفاق؟ هل نتفق مع الأحزاب والحركات التي تسيطر على الأرض أم نتفق مع حافظ الأسد بشأن لبنان؟
لا أكذب بالقول إنه أحرجني في محاججته لذا أتت أجوبتي ملتوية. فكرت أنه لا قدرة لي على المحاججة فاكتفيت بأن تمتمت ما مفاده أنه على إسرائيل أن تنسحب من لبنان وأن اللبنانيين يتدبرون أمرهم لاحقاً. فقال لي: جوابك غير مقنع، لأول مرة أشعر أنني أحرجتك بأسئلتي. أجبته بأن الموضوع ليس بسيطاً، فلبنان يعيش وسط حروب أهلية متواصلة وإسرائيل جزء من المشكلة، مثلهم مثل السوريين والفلسطينيين وكل الجهات التي تريد محاربة إسرائيل من لبنان.
لست نادماً على شيء
أقفل المحقق على الموضوع وانتقل إلى مواضيع أخرى شخصية. سألني حينها: هل تعرف كم ستبقى في السجن؟ هل تعرف مدة محكوميتك؟ فأجبته بالنفي وأنني لا أعرف كم وكيف ولماذا سأحاكم. فأكد كلامه وأخبرني أنني سأمثل أمام المحكمة العسكرية وأنه سيكون لدي محام يترافع للدفاع عني. ونظر إليّ برأفة وقال: أتمنى أن يكون الحكم عليك مخففاً. نظرت إليه وقلت ما مفاده أنني سأخرج من السجن بنهاية المطاف. لقد اخترت هذا الطريق. أخذت سيجارة أخيرة وأشعلتها على الفور. سألني: هل أنت نادم على ما فعلت؟ ابتسمت وسحبت نفساً من سيجارتي وقلت له: على الإطلاق. لا، لست نادماً على شيء، بل مقتنع بكل ما قمت به. خياري كان واضحاً أمامي وضوح الشمس.
انتهت جلسة التحقيق عند هذا الحد، وأتى سجّاني وكبّل يديّ ووضع الكيس الأسود على رأسي وأعادني إلى زنزانتي الصغيرة لأستلقي على فراشي الإسفنجي واسبح في بحر أحلام الحرية والخروج من المعتقل... وها أنا اليوم بعد كل تلك السنوات أجد نفسي نازحاً واستلقي على فراش شبيه بذاك الذي كنت أنام عليه في الزنزانة. وما زلت أسرح في أحلامي بالحرية، في وطني، سجني الكبير.




