مصر والمغرب في كأس العالم نموذجان مختلفان لصناعة المنتخب

شفيق طاهرالجمعة 2026/06/12
أحد ملاعب المكسيك حيث سيجرى المونديال ٢٠٢٦ ( Getty)
تكشف قائمتا مصر والمغرب في المونديال عن اختلاف عميق في فلسفة بناء المنتخب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع بدء كأس العالم 2026، لا تبدو المقارنة بين منتخبي مصر والمغرب مجرد مقارنة بين منتخبين عربيين وأفريقيين، بل بين نموذجين مختلفين في صناعة اللاعب الدولي. فمصر تدخل البطولة وهي تستند إلى قاعدة محلية واسعة، يدعمها عدد من النجوم المحترفين في أوروبا. أما المغرب، فيقدم صورة مغايرة لمنتخب امتد خارج حدوده الجغرافية، مستفيداً من أبناء الجالية المغربية في أوروبا، ومن لاعبين ولدوا وتكوَّنوا في مدارس كرويّة أجنبية، ثم اختاروا تمثيل بلد الآباء والأجداد.

 

منتخب من الداخل وآخر من الشتات

تكشف قائمتا مصر والمغرب عن اختلاف عميق في فلسفة بناء المنتخب. مصر أقرب إلى النموذج التقليدي، لاعبون نشأوا في الدوري المحلي، برزوا في أندية كبرى مثل الأهلي والزمالك وبيراميدز، ثم انضم بعضهم إلى الاحتراف الخارجي. أما المغرب، فبات يعتمد على شبكة أوسع من اللاعبين، كثير منهم ولدوا في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا، وتلقوا تكوينهم الكروي في أكاديميات أوروبية.

 

هذا لا يعني أن أحد النموذجين أكثر وطنية من الآخر. الفرق ليس في الانتماء، بل في مصادر تكوين اللاعب. مصر تعتمد على الداخل أولاً، والمغرب وسَّع مفهوم الداخل ليشمل أبناءه المنتشرين في الخارج.

 

قاعدة محلية ونجوم احترفوا خارجياً

في الحالة المصرية، تبدو قائمة المنتخب المصري امتداداً طبيعياً لقوة الدوري المحلي وحضور أنديته الكبرى. فالحراسة والدفاع والوسط تضم عدداً كبيراً من اللاعبين الذين تشكَّلوا داخل البيئة المصرية، مثل محمد الشناوي، مصطفى شوبير، محمد هاني، ياسر إبراهيم، أحمد فتوح، مروان عطية، إمام عاشور، أحمد مصطفى زيزو، ومحمود حسن تريزيغيه.

 

لكنَّ المنتخب المصري لا يخلو من الثقل الأوروبي. فمحمد صلاح يبقى الرمز الأبرز للاحتراف المصري عالميّاً، ومعه عمر مرموش، ومحمد عبد المنعم، وهيثم حسن، وإبراهيم عادل، وحمزة عبد الكريم. غير أن معظم هؤلاء يمثلون مساراً مختلفاً عن الحالة المغربية، لاعبون مصريون خرجوا من الداخل إلى الخارج، لا أبناء جاليات واسعة جرى استقطابهم من مدارس أوروبية منذ البداية.

 

هذا النموذج يمنح مصر قدراً مهماً من الانسجام، لأن عدداً كبيراً من اللاعبين يعرفون بعضهم من الدوري المحلي ومن المنافسات الأفريقية. لكنَّه في المقابل قد يجعل تنوع المدارس التكتيكية أقل مما هو عليه في منتخبات تعتمد بكثافة على لاعبين تشكَّلوا في بيئات كروية متعددة.

 

أبناء الجالية في قلب المشروع الكروي

في المغرب، لم يعد أبناء الجاليات إضافة هامشية، بل أصبحوا جزءاً أساسيّاً من هوية المنتخب. تجربة مونديال 2022 أظهرت ذلك بوضوح، حين بلغ المغرب نصف النهائي بقائمة تضم عدداً كبيراً من اللاعبين المولودين خارج البلاد. وفي مونديال 2026، تتكرس هذه الظاهرة أكثر، مع حضور واسع للاعبين من أصول مغربية ولدوا في أوروبا.

 

أسماء مثل أشرف حكيمي، نصير مزراوي، إبراهيم دياز، بلال الخنوس، إسماعيل صيباري، أيوب بوعدي، نيل العيناوي وشادي رياض تعكس خريطة كروية مغربية عابرة للحدود. هؤلاء لا يمثلون قيمة فنية فحسب، بل يمثلون نجاحاً مؤسساتياً في ربط الجالية بالمشروع الوطني.

 

ولا يقتصر الفرق بين مصر والمغرب على أماكن ولادة اللاعبين أو الدوريات التي يلعبون فيها، بل يمتد إلى طريقة إدارة المواهب. فالمغرب يبدو أكثر تنظيما في التعامل مع أبناء الجالية، عبر متابعة مبكرة للاعبين مزدوجي الجنسية ومحاولة ربطهم بالمشروع الوطني قبل أن تختطفهم منتخبات أوروبية. أما مصر، فرغم امتلاكها كتلة سكانية ضخمة ودورياً محليّاً مؤثرا وقاعدة جماهيرية هائلة، فإنها لم تحوّل بعد أبناء الجاليات المصرية في أوروبا إلى رافد ثابت للمنتخب.

 

أي نموذج أصلح للمونديال، الانسجام المحلي أم الخبرة العابرة للحدود؟

لكل نموذج مزاياه وحدوده. مصر تراهن على الانسجام، والهوية المحليّة، والخبرة الأفريقية، وعلى نجوم قادرين على صناعة الفرق في لحظات حاسمة. أما المغرب فيراهن على تنوع المدارس، واتساع قاعدة الاختيار، واحتكاك لاعبيه الدائم بمستويات أوروبية عالية.

 

لكنَّ كرة القدم لا تمنح إجابة واحدة. فقد تصنع القاعدة المحلية منتخباً صلباً يعرف نفسه جيداً، وقد يمنح الاغتراب المنتخب عمقاً فنيّاً وخيارات أوسع. وبين مصر والمغرب، يبدو مونديال 2026 اختباراً عربيّاً وأفريقيّاً لسؤال أكبر، هل تكسب المنتخبات الحديثة بقوة الداخل، أم بقدرتها على تحويل الهجرة والانتشار إلى قوة كرويَّة منظَّمة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث