جنوبيون في تغريبتهم: صور آذتني وهذا جبل طهران

محمود وهبةالخميس 2026/06/11
قصف على مدينة صور (Getty)
جبل عامل بالنسبة إليه يعني الطفولة فقط، هو مجرد ذكرى (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

تروي هذه الحلقات على دفعات شيئاً من الحرب، وما تفعله بالأمكنة داخل أهلها. هنا، يروي نازحون جنوبيون تغريبتهم، ويعودون إلى جبل عامل كما يسكن في ذاكرتهم، قرىً ومدناً وبيوتاً، وأمكنة نجت أحياناً، وتغيّرت أحياناً، واختفت أخرى. أصوات مختلفة وأجيال مختلفة تروي الوجع نفسه والمشهديّة نفسها مع فارق تبدّل الأمكنة والأسماء. هنا حلقة ثالثة.

 

نبيل، ابن مدينة صور، يعودُ بعد سؤالي له مباشرة عن مدينته إبّان الحرب، إلى صورة قديمة في رأسه. يتململُ سارداً متذكّراً الشاحنات الكبيرة التي تمرُّ على الطريق الساحلي. نبيل الصغير الذي كان طفلاً يقفُ على الشرفة فقط لأنّ والده كان يحب أن يريه حركة الطريق والبحر الممتد أمام المنزل. هكذا يقدِّم النازح الصّوري المهموم بدايات علاقته مع صور. "هيدي كانت صور بالنسبة إلي".

 

يتنهّد صاحب اللهجة الجنوبية التي بدأ يكسرُها بشيء من لهجة بيروت. علاقته الأولى لم تبقَ على حالها. يكمل حديثه ليشرح أن المدينة، مع مرور السنوات، خرجت من كونها مجرد مكان يومي بسيط. صارت ناساً، ومطاعم، ومراكز ثقافية، وتجمعات، وأحياء وساحات. وتحولت نظرته من شخص يلاحظ المدينة إلى شخص يفكر فيها.

 

صورة مدينة مقفلة

حين نبادرهُ بسؤال عن التحوّل الحقيقي، يعدِّلُ جلسته ويستفيض. التحوُّل الحقيقي جاء لاحقاً، بعد السنة الثالثة من رحلته الجامعيّة. هناك بدأت صور تظهر له بشكل مختلف. "بلشت إقرا صور كجسم سياسي، وجسم اجتماعي" يقولها وكأنه يحدد اللحظة التي بدأت فيها المسافة تكبر بينه وبين المدينة.

 

نطلبُ منه أن يفصِّل، فيقول واصفاً البيئة السياسية التي عاش داخلها بعبارات حادة. بالنسبة إليه، كانت صور فضاءً سياسياً واضحاً. "صور هي حزب الله وأمل، وكل من خرج على ذلك فهو عميل". يتذكر والدته جيداً. كانت، كلّما خرج إلى المدرسة، تُكرِّر عليه الوصية نفسها، ألّا يتحدث في السياسة، وألّا يذكر اسم بشار الأسد أو حسن نصر الله داخل المدرسة. يضحك قليلاً وهو يروي ذلك، ثم يشرح: "كنت مفكر لأنو نحنا سنّة. بعدين اكتشفت إنو أمي كانت تفكر أبعد من هيك. المعارضين هني الأقلية". ثم يضيف مباشرة: "أمي معارضة".

 

حقد طبقي

نسأله عن طفولته في صور، فيفاجئنا بجواب سريع: "ما كان عندي طفولة" يقولها بشكل فيه شيء من المبالغة، لكن سامعه يدركُ أنّه يقدِّم خلاصة. يشرحُ لنا أنّ حياته كانت بسيطة إلى حد الاختزال. بيت، مدرسة، ثم عودة إلى البيت. يضيف أنّ الصراع بينه وبين المدينة كان دائماً موجوداً، ومرتبطاً بوضعه المعيشي. بعد التخرج، ومع البطالة، بدأ يشعر بما يسميه بنفسه "حقداً طبقياً". كان يرى الناس جالسين على مطاعم الكورنيش، فيشعر بغضب تجاههم. 

 

يروي: "كنت شوف العالم قاعدة ومبسوطة وأنا عاطل عن العمل. كنت أكره هالناس وقول نشالله بيفقروا، لأنن ناس غير مكترثين بالأزمة". يشرح أن المدينة، بالنسبة إليه، تحولت تدريجياً إلى مكان لا يسمع صوته. "كان في صراع متشنّج بيني وبين مدينة ما عم تسمع صوتي".

 

عندما اضطر نبيل إلى مغادرة صور للعمل، اكتشفَ شيئاً لم يكن يتوقعه. لم يشعر أنّ الرابط بينه وبين المدينة كان قوياً فعلاً. في بيروت، كما يقول، بدأ يصنع ذكرياته للمرّة الأولى. "هونيك لقيت حالي". يتوقف قليلاً، ثم يضيف جملة تختصر الكثير: "بس تركت صور، وقتها بس شِفتها". يكملُ إنّه لا يملك ذكريات كثيرة في المدينة. يتذكر آلامه القاسية الضرب أيام الصغر في المدرسة، يتذكر التنمر. ثم يرمي في وجهنا جملة قاسية: "ما في حياة بصور". يشرح أن حياته هناك كانت تُختَصر بالذهاب من البيت إلى المدرسة ثم العودة. بالنسبة إليه، كانت المدينة أشبه بمقبرة.

 

سُنّة المدينة

أنتقل معه إلى سؤال آخر: كيف يرى واقع السُنّة داخل صور اليوم؟ يقسمهم سريعاً إلى مجموعتين: "فريق انتهازي ومنبطح لحزب الله، وفقير لحركة أمل للتوظيف، وفريق ثانٍ فقير وصامت، ليس بيده حيلة". ثم يرمي جملته القاتلة: "بقدر قلك بسهولة إنو السنّة بصور بيتخانقوا عكرتونة إعاشة ومن هون فيك تفهم وضعهن".

 

لكن التحول الأكبر في روايته يبدأ مع الحرب. يقول إنّ حرب 2023 كانت "دينامو" دفعه أكثر نحو السياسة. "كنت كفرت بحزب الله"، يقولها بشكل مباشر. يشرح أنّ كثيرين، سواء كانوا مقربين منه أم لا، أخبروه أنه انتفض في الوقت الخطأ. لكنه يعتبر أن هويته السياسية بدأت فعلياً عندما عارض حسن نصر الله. "هونيك بلشت هويتي السياسية". ومنذ ذلك الوقت، بدأ يستخدم جداره الفيسبوكي لمواجهة الناس والتعبير عن آرائه بشكل مباشر.

 

مع نزوح العام 2024، دخلت حياته مرحلة أخرى. يصف تلك الفترة من خلال صورتين. اليوميات التي كان يكتبها باستمرار، والعمل الذي صار موزعاً بين جنوبيته والمنصة التي جلبت له انتشاراً أوسع. لكن هذه المرحلة حملت أيضاً تصعيداً أكبر. يروي أن عداوته المباشرة مع حزب الله بدأت هنا تحديداً، وأنه تعرض لاعتداءات. " لحتى يضربوني تحججوا إني عم بعطي إحداثيات، وأنا كل لي عملتو إني انتقدت نعيم قاسم".

 

جبل طهران وقُم لا عامل

هنا بدأت كراهيته الحقيقية للمدينة. لم يقتصر الموضوع على السياسة والنقاش، الموضوع أنّ صور كمدينة وقفت ضدّه، لا معه. هنا نسأله إن كان يشعر أنه ما زال ينتمي إلى صور. يصمت قليلاً. ثم يجيب: "أنا منفي". 

 

يشرح أن هذه التجربة تذكره بما حدث في أواخر الثمانينيات، عندما نُفي ثلاثة شبان إلى صيدا، ثم عادوا بعد انتهاء الحركة الوطنية وحرب الإخوة. يشعر أن ما يعيشه اليوم يشبه شكلاً من النفي غير المعلن. وربما يكون معلناً أيضاً لا أحد يعلم. أصل معه إلى السؤال الأخير: عندما أقول لك صور، ماذا يخطر في بالك؟ يجيب بسرعة غير متوقعة: مكتبتي. ويضيف مباشرة: صور المدينة آذتني. 

 

أسأله بعدها إن كان لا يزال يشعر أن جبل عامل يعني له شيئاً. هنا تتغير نبرة صوته قليلاً. يقول إن جبل عامل بالنسبة إليه يعني الطفولة فقط. يتذكر نفسه طفلاً. يتذكر البازورية، وجويا، وعيناثا، والمناطق الجنوبية التي زارها صغيراً، والنبطية حيث كانت تسكن عمته. كل هذه الأمكنة موجودة بالنسبة إليه في الذاكرة فقط، أما في الحاضر فهي لا شيء بالنسبة له. 

 

"لي بقي هو الركام والخراب". يكملُ موضحاً: "طالما حزب الله موجود، ما في شي اسمو جبل عامل. هيدا جبل إيران. جبل طهران. جبل قُم". يصمتُ ويتوقف قليلاً، ليختم بكلمات تبدو وكأنها خلاصة رحلته كلها: "بتمنى" أن يتحرر جبل عامل من الإيراني والإسرائيلي معاً، وأن يتوقف ما يجري، وألا يبقى هذا الجبل بؤرة دائمة للحروب. "بكفيه مآسي هالبلد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث